كُتَّاب الوحي

كان للنبي ? كُتَّاب يكتبون الوحي، فكان إذا أنزلت عليه الآية أو الآيات دعا بعض كُتَّابه، فأملَّ عليه ما نزل، فكتب بين يديه، وكان يأمرهم بوضع الآيات في مواضعها الْمخصوصة من سورها.
فعَنْ عُثْمَانَ بن عَفَّانَ، قال: كَانَ النَّبِيُّ ? مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ مِنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ فَكَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا.(1)
وقد كتب الوحي لرسول الله ? جماعة من أصحابه، ومن أشهر كُتَّابه ?:
1 - زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري:
كاتب النبي ? ، كما ترجم له البخاري2) بَاب كَاتِبِ النَّبِيِّ ? ، وذكر فيه حديثين:
الأول: عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ ? قَالَ: إِنَّكَ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ ? فَاتَّبِعِ الْقُرْآنَ، … الحديث.(3)
والثاني: عَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ? فَقال: ادْعُ لِي زَيْدًا وَلْيَجِئْ بِاللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ وَالْكَتِفِ، أَوِ الْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ… الحديث.(4)
وكان قد جمع القرآن في عهد النبي ? ، كما صح في الحديث،(5) وقد كتب الوحي بين يدي النبي ? في غير ما موطن، وهو الذي جمع القرآن بأمر أبي بكر الصديق، ونسخ الْمصاحف بأمر عثمان بن عفان ? .ـ(6)
وهو أكثر من كان يكتب للنبي ? بالْمدينة، ولكثرة تعاطيه ذلك أطلق عليه (الكاتب) بلام العهد.(7)
2 - أبيُّ بن كعب الأنصاري:
سيد القراء، وأحد الذين أوصى النبي ? بأخذ القرآن عنهم، وكان قد جمع القرآن على عهد الرسول ?،ـ(8) وهو أول من كتب الوحي بين يدي النبي ? في الْمدينة.(9)
قال أبو بكر بن أبي شيبة: كان أول من كتب الوحي بين يدي رسول الله ? أبيَّ بنَ كعب، فإن لم يحضر كتب زيد بن ثابت.(10)
3 - عبد الله بن سعد بن أبي سرح:
هو أول من كتب الوحي للنبي ? بِمكة ، ثم ارتد عن الإسلام، ولَحق بالْمشركين بمكة، فلما فتحها رسول الله ? أسلم وحسُن إسلامه.(11)
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ ? ، فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ، فَلَحِقَ بِالْكُفَّار، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ? أَنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَاسْتَجَارَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَأَجَارَهُ رَسُولُ اللهِ ?.ـ(12)
ومن كُتَّاب النبي ? أيضًا: الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي:
أما أبو بكر ? فقد ذكر ابن كثير رواية موسى بن عقبة في قصة سراقة بن مالك، وأنَّه سأل رسول الله ? أن يكتب له كتابًا، فأمر أبا بكر فكتب له كتابًا، ثم ألقاه إليه.
وقد روى البخاري وأحمد أن عامر بن فهيرة هو الذي كتب الكتاب.(13)
قال ابن كثير: فيحتمل أن أبا بكر كتب بعضه، ثم أمر مولاه عامرًا فكتب باقيه.(14)
وأما عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان - رضي الله عنهما: فكتابتهما بين يدي النبي ? مشهورةٌ.(15)
وأما علي بن أبي طالب ? ، فهو الذي كتب الصلح بين رسول الله ? وبين قريش يوم الحديبية،(16) وكتب غير ذلك من الكتب بين يديه ?.ـ(17)
ومن كتاب الوحي أيضًا: معاوية بن أبي سفيان: فقد أسلم عام الفتح، وحسُن إسلامه، وكتب للنبي ?.ـ(18)
عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ?: يَا نَبِيَّ اللهِ ثَلاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ. قَالَ: نَعَمْ قَالَ: عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ أُزَوِّجُكَهَا. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَتُؤَمِّرُنِي حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمسْلِمِينَ.(19)
وعن ابْن عَبَّاسٍ أيضًا أنَّ النبيَّ ? قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ -وَكَانَ كَاتِبَهُ- قَالَ: فَسَعَيْتُ، فَقُلْتُ: أَجِبْ نَبِيَّ اللهِ ?؛ فَإِنَّهُ عَلَى حَاجَةٍ.(20)
ومنهم عبد الله بن أرقم بن أبي الأرقم: أسلم عام الفتح أيضًا، وكتب للنَّبِيّ ?.
قال الأعمش: قلت لشقيق بن سلمة: من كان كاتب النبي ?؟ قال: عبد الله ابن الأرقم.(21)
ومنهم الزبير بن العوام بن خويلد الأسَدي: أحد العشرة الْمبشرين بالجنة، حواريُّ رسول الله ?.ـ(22)
ومن كتاب الوحي أيضًا حنظلة بن الربيع الأُسَيِّدِيُّ التميمي الكاتب:
روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ قَالَ: وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللهِ ?، قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ … الحديث.(23)
ومنهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق:
في حديث الهجرة عن سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ، قال: فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ.(24)
ومِمَّن كتب الوحي للنبي ? أيضًا أرقم بن أبي الأرقم الْمخزومي:
كان من السابقين إلى الإسلام، ومن الْمهاجرين الأولين، وهو الذي كان النَّبِيّ ? وأصحابه يستخفون في داره لَمَّا خافوا الْمشركين.(25)
ومنهم أيضًا ثابت بن قيس بن شماس: خطيب الأنصار، وخطيب النبي ?.ـ(26)
ومِمَّن كتب له ? أيضًا: خالد وأبان ابنا سعيد بن العاص بن أمية، ومعيقيب ابن أبي فاطمة، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن رواحة، وخالد بن الوليد.(27)
ومِمَّن يُروى أنَّه كان يكتب للنبي ? السِّجِلُّ: إن صحَّ الحديث فيه عَنِ ابن عباس.
فقد روى الطبري في تفسير قوله تعالى: } يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ { ،(28) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّه قَالَ: (السِّجِلُّ) كَاتِبٌ كَانَ لِلنَّبِيِّ ?.ـ(29)
قال ابن كثير: وقد عرضت هذا الحديث على شيخنا الحافظ أبي الحجاج الْمزِّيِّ فأنكره جدًّا، وأخبرته أن شيخنا العلامةَ أبا العباس بن تيمية كان يقول: هو حديث موضوع، وإن كان في سنن أبي داود، فقال شيخنا الْمزِّيّ: وأنا أقوله.(30)
وقال الطبري: ولا يُعرف لنبينا ? كاتبٌ كان اسمه السِّجِلَّ، ولا في الْملائكة ملك ذلك اسمه.(31)
قال ابن كثير: وهذا الذي أنكره الطبري من كون السجل اسم صحابي أو ملك قوي جدًّا، والحديث في ذلك منكر جدًّا.(32)

?(1) رواه أحمد في مسنده - مسند العشرة الْمبشرين بالجنة (1/92)ح 401، (1/111) ح 501، وأبو داود في كتاب الصلاة باب من جهر بِها (1/208-209)ح 786، والترمذي في كتاب تفسير القرآن باب سورة التوبة (5/272) ح 3086.
(2) ترجم البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن: بَاب كَاتِبِ النَّبِيِّ ? ، وذكر فيه حديثين في كتابة زيد للنبي ? . الصحيح مع شرحه فتح الباري (8/637).
(3) رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن بَاب كَاتِبِ النَّبِيِّ ?.ـ(8/637) ح 4989.
(4) رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن بَاب كَاتِبِ النَّبِيِّ ? ـ(8/637-638) ح 4990.
(5) الذي رواه البخاري في كتاب الْمناقب باب مناقب زيد بن ثابت ح 3810 (7/159)، وفي فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي ? ح 5004 (8/663)، راجع الفصل الأول مبحث الحفاظ من الصحابة.
(6) السيرة النبوية لابن كثير (4/682-683).
(7) فتح الباري (8/638).
(8) راجع الفصل الأول مبحث الحفاظ من الصحابة.
(9) فتح الباري (8/638)، والسيرة النبوية لابن كثير (4/671).
(10) السيرة النبوية لابن كثير (4/669)، وانظر فتح الباري (8/638).
(11) السيرة النبوية لابن كثير (4/689)، وفتح الباري (8/638).
(12) رواه أبو داود في سننه كتاب الحدود باب الحكم فيمن ارتد (4/128)ح 4358 ، والنسائي في سننه كتاب تحريم الدم باب توبة الْمرتد (7/107) ح 4069.
(13) رواه البخاري في صحيحه كتاب مناقب الأنصار باب هجرة النبي ? وأصحابه (7/281) ح 3906، وأحمد في مسنده مسند الشاميين (5/187-188) ح 17141، وانظر السيرة النبوية لابن كثير (4/685-686).
(14) السيرة النبوية لابن كثير (4/691)، وفتح الباري (8/638).
(15) السيرة النبوية لابن كثير (4/691)، وفتح الباري (8/638).
(16) رواه البخاري في صحيحه كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد والْمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط (5/388-392) ح 2731-2732، ولم يصرح فيه باسم الكاتب ، لكن جاء التصريح به في رواية البيهقي وغيره، انظر دلائل النبوة (4/146).
(17) السيرة النبوية لابن كثير (4/691)، وفتح الباري (8/638).
(18) السيرة النبوية لابن كثير (4/695)، وأسد الغابة في معرفة الصحابة (5/209).
(19) رواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة بَاب مِنْ فَضَائِلِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ? ـ(16/62) ح 2501.
(20) رواه مسلم في صحيحه كتاب البر والصلة والآداب باب من لعنه النبي ? ـ(16/155-156) ح 2604، وأحمد في مسنده - مسند بني هاشم (1/480) ح 2646.
(21) السيرة النبوية لابن كثير (4/687-688).
(22) السيرة النبوية لابن كثير (4/677-678)، وفتح الباري (8/638).
(23) صحيح مسلم مع شرح النووي كتاب التوبة بَاب فَضْلِ دَوَامِ الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ فِي أُمُورِ الآخِرَةِ … (17/65-66) ح 2750، وانظر السيرة النبوية لابن كثير (4/673).
(24) رواه البخاري في صحيحه كتاب مناقب الأنصار باب هجرة النبي ? وأصحابه (7/281) ح 3906، وأحمد في مسنده مسند الشاميين (5/187-188) ح 17141، وانظر السيرة النبوية لابن كثير (4/685-686).
(25) السيرة النبوية لابن كثير (4/671)
(26) السيرة النبوية لابن كثير (4/672)، وفتح الباري (8/638).
(27) فتح الباري (8/638)، ومناهل العرفان (1/367)، والسيرة النبوية لابن كثير (4/669-697).
(28) سورة الأنبياء، من الآية 104.
(29) تفسير الطبري (17/100)، ورواه أبو داود في سننه كتاب الخراج والإمارة والفيء باب اتخاذ الكاتب (3/132). ح 2935.
(30) السيرة النبوية لابن كثير (4/683-684).
(31) تفسير الطبري (17/100).
(32) السيرة النبوية لابن كثير (4/685).