أول من جمع القرآن من الصحابة

1 - أبو بكر الصديق t أول من جمع القرآن الكريم 2 - ما جاء أن أول من جمع القرآن علي بن أبي طالب t 3 - ما جاء أن أول من جمع القرآن عمر بن الخطاب t 4 - ما جاء أن أول من جمع القرآن سالم مولى أبي حذيفة t 1 - أبو بكر الصديق أوَّل من جمع القرآن الكريم
دلَّت عامَّة الروايات على أن أول من أمر بجمع القرآن الكريم من الصحابة ? أبو بكر الصديق ? عن مشورة عمر بن الخطاب، وأن الذي قام بِهذا الجمع هو زيد ابن ثابت الأنصاري ? .ـ(1)
فمن ذلك ما مرَّ بنا من حديث زيد بن ثابت، وقوله: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ، فَقال: أَبُو بَكْرٍ إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقال: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِالنَّاسِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ، إِلاَّ أَنْ تَجْمَعُوهُ، وَإِنِّي لأَرَى أَنْ تَجْمَعَ الْقُرْآنَ… الحديث.(2)
ومن ذلك ما رواه ابن أبي داود بسند حسنٍ عن عبْدِ خَيْرٍ عن علِيٍّ ? قال: رحمةُ اللهِ على أبي بكرٍ؛ كانَ أعظمَ الناسِ أجرًا في جمع المصاحفِ، وهو أوَّل من جمع بين اللَّوْحَيْنِ.(3)
قال الحافظ ابن حجر: أخرجه ابن أبي داود في "المصاحف" بإسنادٍ حسنٍ.(4)
وقال السيوطي: بسندٍ حسنٍ.(5)
غير أنه قد وردت روايات تدل على أن أول من قام بِهذا الجمع غير أبي بكر، فمن ذلك:
2- ما جاء أن أول من جمع القرآن عليُّ بن أبي طالبٍ ?
- عن محمد بن سيرين قال: لَمَّا تُوُفِّي النَّبِيّ ? أقسمَ عليٌّ أن لا يرتدي برداء إلا لِجمعة، حتى يجمع القرآن في مصحف، ففعل.(6)
قال الحافظ ابن حجر: إسناده ضعيف لانقطاعه، وعلى تقدير أن يكون محفوظًا، فمراده بِجمعِه حفظُه في صدره…، وما تقدم من رواية عبدِ خَيْرٍ عن عَلِيٍّ أصحُّ، فهو المعتمد.(7)
- عن عكرمة قال: لَمّا كان بعد بيعةِ أبي بكر ? ، قعد عليُّ بن أبي طالبٍ في بيته، فقيل لأبي بكرٍ: قد كره بيعتكَ. فأرسل إليه فقال: أكرهت بيعتي؟ فقال: لا، والله. قال: ما أقعدك عني؟ قال: رأيت كتاب الله يُزاد فيه، فحدَّثت نفسي أن لا ألبَسَ ردائي إلا لصلاةٍ حتى أجمعه. فقال أبو بكر: فإنك نعمَ ما رأيتَ.(8)
وهذا الحديث فيه انقطاعٌ، فعكرمة وُلِدَ سنةَ خمسٍ وعشرين من الهجرة،(9) والحادثة المذكورة من تأخر عليٍّ في بيعة أبي بكر وقعت سنة إحدى عشرةَ.
كما أن فيه رائحة التشيع، إذ فيه أن المسلمين -وأكثرهم إذ ذاك من الصحابة- كانوا يزيدون في كتاب الله ما ليس منه، وحاشا لأصحاب النَّبِيّ ? أن يفعلوا ذلك.
وبتقدير صحته يُمكن أيضًا حمله على الجمع في الصدر، والحفظ عن ظهر قلب كما مرَّ، أو على أنه أراد أن يجرِّد مصحفه مِمَّا ليس من القرآن، كالتفسير والأحكام.
كما أنه قد قيل إنَّ جَمْعَ عليٍّ ? كان أشبه بكتاب علم، جمع فيه غير القرآن مع القرآن، وإذن فصُورتُه غير صورة الجمع البكري، وغرضُه غير غرضِهِ.
فقد روى هذا الخبر ابن أشتة في كتاب المصاحف من وجه آخر عن ابن سيرين، وفيه أنه كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ، وأن ابن سيرين قال: فطلبتُ ذلك الكتاب، وكتبتُ فيه إلى المدينة، فلم أقدر عليه.(10)
3 - ما جاء أن أول من جمع القرآن عمر بن الخطاب ?
عن الحَسَن أن عُمَر بن الخطاب سألَ عن آيةٍ من كتاب الله، فقيل: كانت معَ فلانٍ، فقُتل يوم اليمامة. فقال: إنا لله، وأمر بجمع القرآن فكان أول من جمعه في المصحف.(11)
وإسناد هذا الأثر منقطع،(12) والظن أنَّها لا تعدو رواية البخاري التي أسلفناها، والتي تقرِّر أنَّ عمر هو فعلاً صاحب فكرة الجمع الأول، وأنه أشار بِها على أبي بكر، ولم يزل يراجعه حتى شرح الله صدره لها.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا منقطع، فإن كان محفوظًا حُمِل على أن المراد بقوله: فكان أول من جمعه، أي: أشار بجمعه في خلافة أبي بكر، فنُسِب الجمع إليه لذلك.(13)
4 - ما جاء أن أول من جمع القرآن سالم مولى أبي حذيفة ?
عن ابن بريدة، قال: أول من جمع القرآن في مصحفٍ سالمٌ مولى أبي حذيفة، أَقْسَمَ لا يرتدي برداء حتى يجمعه، فجمعه.(14)
وهذا من غريب ما ورد في أول من جمع القرآن.
قال السيوطي: إسناده منقطعٌ أيضًا، وهو محمولٌ على أنه كان أحد الجامعين بأمر أبي بكرٍ ?.ـ(15)
ووصف الآلوسي(16) قول السيوطي هذا بأنه عثرةٌ لا يُقال لها لعًا،(17) لأن سالِمًا قُتِل في وقعة اليمامة التي كان موت الحُفَّاظ فيها هو سبب الجمع.(18)
والصواب -والله أعلم- أن أوَّلية أبي بكر في جمع القرآن أولية خاصةٌّ، إذ قد كان للصحابة ? مصاحف كتبوا فيها القرآن قبل جمع أبي بكر، وهذا لا يعكر صفو القول بأن أول من جمع القرآن هو الصدِّيق ?، لأن مصاحف الصحابة الأخرى إنَّما كانت أعمالاً فردية، لم تظفر بِما ظفر به مصحف الصدِّيق من دقَّة البحث والتحرِّي، ومن الاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته، ومن بلوغها حدَّ التواتر، ومن إجماع الأمة عليها، إلى غير ذلك من الْمزايا التي كانت لمصحف الصدِّيق.
فلا يضير مع كل هذه الْمزايا أن يُروى أن عليًّا أو عمر أو سالِمًا كان أول من جمع القرآن، فقُصارى تلك الروايات أنَّها تثبت أن بعض الصحابة كان قد كتب القرآن في مصحف، ولكنها لا تُعطي هذا المصحف تلك الصفة الإجماعية، ولا تخلع عليه تلك المزايا التي للمصحف الذي جمع على عهد أبي بكر ?. (19)

(1) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 353-354.
(2) سبق تخريجه، قريبًا.
(3) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف، باب جمع القرآن. ص 11-12.
(4) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/628).
(5) الإتقان في علوم القرآن (1/165).
(6) كتاب المصاحف، باب جمع علي بن أبي طالب القرآن في المصحف. ص 16، وذكره ابن كثير في فضائل القرآن، وقال: فيه انقطاع. فضائل القرآن ص 45.
(7) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/628).
(8) رواه ابن الضريس في فضائل القرآن ص 76-77.
(9) انظر تهذيب الكمال (20/291-292).
(10) كتاب المصاحف لابن أشتة مفقود، وقد ذكر هذا الخبر السيوطي في الإتقان (1/166).
(11) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عمر بن الخطاب ? القرآن في المصحف. ص 16.
(12) لأن الحسن لم يسمع من عمر بن الخطاب ? ، فقد ولد لسنتين بقيتا من خلافته ? ، انظر تهذيب الكمال (6/95-97). قال السيوطي في هذا الأثر: إسناده منقطع. انظر الإتقان في علوم القرآن (1/166).
(13) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/628).
(14) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 353.
(15) الإتقان في علوم القرآن (1/166).
(16) أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بن شهاب الدين الآلوسي، ولد سنة 1273هـ، الإمام المؤرخ الأديب الداعية المصلح المجاهد، تصدر للتدريس، وحارب البدع، صاحب التصانيف المفيدة، وأعظمها روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، توفي سنة 1342هـ. الأعلام للزركلي (7/172).
(17) يُقال للعاثر: لعًا لكَ، دعاءٌ له بأن ينتعش. قال كعب بن زهير:
فإن أنت لم تفعل فلستُ بآسفٍ ولا قائـلٍ إمَّا عثَرْتَ لـعًا لكـَا انظر: الصحاح للجوهري (لعا) (6/2483)، وشرح قصيدة كعب بن زهير (بانت سعاد) لابن هشام الأنصاري ص 34.
(18) روح المعاني (1/22).
(19) مناهل العرفان في علوم القرآن (1/254-255).