مسلمو إثيوبيا.. الأغلبية المقهورة


في انتظار الطعام

يمثل المسلمون 65% من سكان إثيوبيا، أي أكثر من 43 مليون نسمة، إلا أن الإحصاء الرسمي للدولة يقول إن 50% فحسب من المسلمين، أي ما يقرب من 33 مليون نسمة.

ورغم أن الأغلبية من المسلمين، فإن المراكز السياسية السيادية كلها في يد المسيحيين، فرئيس الجمهورية مسيحي، وكذلك رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب ونوابه!!.

وتعتبر اللغة الأمهرية اللغة الرسمية لإثيوبيا، وهذه اللغة لها حروف خاصة، كما توجد لغات أخرى في بعض الأقاليم، كاللغة الأورومية، واللغة التجراوية. وفي الإقليم العفري يتحدث الكثير من السكان العربية، ولما كانت اللغة العفرية لهجة، فمعظم كتاباتهم بالعربية. كما أن السكان على الحدود مع السودان، بني عامر، يجيدون العربية كتابة وتحدثا.

تدرس اللغة العربية في المنطفة العفرية في الكتاتيب أو المساجد، حيث إن مدارس الدولة ليس في منهجها اللغة العربية أو الدين الإسلامي.

يوجد وعي ديني مرتفع في بعض المناطق، خاصة تلك التي رزقها الله بعلماء تعلموا في السعودية أو في الأزهر أو غيرهما من المراكز الإسلامية في الدول العربية، وكثير من المناطق الأخرى تفتقر إلى الوعي الديني، لدرجة أن نساء البدو الرعاة هم نصف عراة رغم انتمائهم إلى الدين الإسلامي. وقد حاولت مرارا أن أوجه مشايخ القبائل في المنطقة العفرية إلى وضع المرأة شبه العارية، فكان ردهم أن هذه هي التقاليد العفرية التي ساروا عليها طوال حياتهم!!.

يوجد في إثيوبيا تسعة أقاليم، وبكل إقليم برلمان ورئيس، بعضها أقاليم غنية، وبعضها يعاني الفقر كإقليم العفر الذي يعاني من الفقر المدقع والجوع والعطش. كما توجد أعلى نسبة وفيات بين الأمهات عند الولادة والأطفال حديثي الولادة وفقا لتقديرات اليونيسيف، نتيجة لنقص الخدمات الطبية، ما أدى أيضا إلى انتشار العديد من الأمراض والأوبئة.

ورغم أن المسيحيين أقلية، فإن للكنيسة تأثيرا قويّا لدرجة أنها شرعت في بناء كنائس من غرفة واحدة في الإقليم العفري، بحجة أن بعض القساوسة الرهبان يتعبدون في هذه المنطقة، رغم أن جميع العفر من المسلمين، وقد هدم العفر بعض تلك الغرف، إلا أن الحكومة تصدت لهم.

فيما يتعلق بالدعوة الإسلامية، فليس مسموحا أن تكون دعوة مفتوحة، أي تبشير إسلامي مباشر، لكن من الممكن فتح مدارس يتعلم فيها الناس اللغة العربية والقرآن، ومن السهل اجتذاب الكثير من الناس للإسلام إذا أحسنَّا اختيار المعلمين في هذه المدارس.

قصتي مع إثيوبيا

وقد التقيت في لندن مع أحد الناشطين المسلمين في إثيوبيا، وهو الأستاذ محمد عثمان صالح، مؤسس جمعية "أيلو" للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، التي تعنى بالأنشطة التنموية في كل من المملكة المتحدة وإثيوبيا، وقد حكى عن تجربته في إثيوبيا قائلا:

بدأت علاقتي بإثيوبيا في منتصف التسعينيات، عندما تزوجت شقيقتي بالسلطان علي مراح سلطان سلطنة أوسة التي هي إحدى السلطنات شبه المستقلة في عهد الإمبراطور هايلي سيلاسي.

وكنت منذ ذلك الحين أرغب في زيارة إثيوبيا، إلا أن ظروف عملي في جامعة الدول العربية حينئذ حالت دون ذلك. وفي عام 1997، التقيت بوزير خارجية جيبوتي محمد موسى شحم، وعرض علي زيارة إثيوبيا للاستثمار بها. فزرت إثيوبيا لأول مرة في صيف 1997 بصحبة أستاذ في علم الأراضي بجامعة المنوفية بمصر لأخذ عينات من التربة من مناطق مختلفة من الإقليم العفري، تبين عند فحصها أنها أراض غنية ويمكن الاستثمار في زراعتها، خاصة أن نهر هواش يمر في بعض أراضيها.

عدت إلى إثيوبيا في عام 1998، وزرت المنطقة العفرية والتقيت بشيوخ قبائلها، وتبين لي أن العفر - وكلهم مسلمون - من القبائل الرحل، يعيشون حياة العصر الحجري في أكواخ من سعف النخيل، يعتمدون في حياتهم اليومية على الإبل والمواشي والأغنام، يقتاتون لحمها ويشربون لبنها، ولا يعرفون نوعا آخر من الغذاء. وعندما تحدثت إلى شيوخ القبائل عن رغبتي في الاستثمار في الزراعة، فوجئت باستفسارهم عما إذا كنت أرغب في الاستثمار مثل كل الأجانب الذين يجيئون المنطقة لفترة ثم يغادرونها، أم أنني أريد جلب النفع لأهالي المنطقة بمساعدتهم أولا ثم الاستثمار ثانيا.

وعندئذ عقدت جلسة لمشايخ القبائل في المنطقة لتقييم احتياجاتهم وعلمت من هؤلاء المشايخ أنهم يعانون من شدة الفقر والجوع والعطش.

وعندما زرت مناطق الرعاة في محافظات الإقليم العفري، هالني الفقر المدقع الذي يعانونه وندرة المياه وقلة الخدمات الاجتماعية والصحية مما أدى إلى انتشار السل بينهم علاوة على الأمراض الطفيلية مثل الجارديا والملاريا والأنكلستوما وأمراض العيون. ولما عدت إلى تقديرات اليونيسيف، تبين أن نسبة الوفيات في الأمهات عند الولادة والأطفال حديثي الولادة تعتبر أعلى نسبة في العالم.

المنصرون يستغلون الفقر والجهل


فقر ومرض

وقد انتهزت بعض السيدات الأجنبيات الظروف القاسية المحيطة بهؤلاء البؤساء فحولن اللهجة العفرية التي لم تكن تكتب ولا تقرأ إلى لغة تُكتَب بحروف لاتينية باستخدام علم الأصوات الحديث!! وبدأن في تعليم الأطفال هذه اللغة، وأفهمن الناس أنهن من مسلمي "سانتا فاتيما وسانتا ماريا"!!، وقمن بطبع إنجيل باللغة العفرية التي استحدثنها وأخذن في رعاية الأطفال وتحفيظهم بعض الأناشيد الدينية المسيحية. ومن المتوقع إذا سارت الأمور على هذا المنوال دون أن تقوم أية جهة إسلامية بتوعية هؤلاء بدينهم وتخليصهم من براثن المبشرين، أن تتحول هذه المنطقة خلال عقدين أو ثلاثة عقود من الزمن إلى إقليم مسيحي كما حدث في تيمور الشرقية.

بداية التحرك

من هنا، شرعت في إقامة جمعية خيرية في الإقليم العفري سجلتها على المستوى الفدرالي الإثيوبي وبالمملكة المتحدة بهدف الأخذ بيد هؤلاء الرعاة الذين أحنى عليهم الدهر بنوائبه، وأصبحوا يموتون من شدة الجوع والعطش، فترى الأطفال والنساء يمشون بالكيلومترات للحصول على قطرة ماء، رغم أن الأمطار في بلادهم تجود على نهر النيل بـ85% من مياهه. بالإضافة إلى النهوض بالعفر اقتصاديا وصحيا.

واستهدفت الجمعية برنامج للتربية الدينية عن طريق إقامة كتاتيب لتحفيظ القرآن وتعليمهم أركان الدين الإسلامي وشعائره.

وقد تبين لأعضاء جمعيتنا الخيرية أنه لا يمكن النهوض بتلك القبائل ولا مواجهة التنصير إلا إذا تمكنا من وضع برنامج للتنمية الاقتصادية يساعدهم على الاستقرار والتوقف عن الترحال جريا وراء العشب والماء، حتى يتسنى إقامة الخدمات الاجتماعية والصحية كالمدارس والعيادات الطبية والبيطرية.

مشروع "جواني"

وعليه فقد بدأنا مشروعا رائدا في منطقة جواني المطلة على نهر هواش بهدف تعميمه على سائر الإقليم. فقمنا بالتعاون مع الجهات الرسمية الحكومية في المنطقة بتوزيع 1200 هكتار من الأراضي على 1200 أسرة، بمعدل هكتار لكل أسرة، بهدف زراعتها لتكون مراعي دائمة لحيواناتهم، وبحيث تخصص أجزاء منها لزراعة الحبوب والخضراوات لتوفير الطعام لأفراد تلك الأسر.

وقد جندنا 300 طالب من المعهد الزراعي بالمنطقة لتدريب هؤلاء البدو الرعاة على الزراعة. في الوقت نفسه، بدأت الجمعية برنامجا للغذاء مقابل العمل، يتلقى الرعاة بمقتضاه الطعام مقابل عملهم في تلك الأراضي لحين الانتهاء من المشروع. هدفنا من كل هذا، لا تزويد العفر بالقمح والمياه لسد حاجاتهم الآنية فحسب، وإنما مساعدتهم على تطوير حياتهم وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

الأجندة الخفية !

ولم يكن من السهل تسجيل الجمعية على المستوى الفدرالي إذ استغرق تسجيلها في وزارة العدل في أديس أبابا 3 سنوات إذ إن البيروقراطية تعشش في هذه الوزارة. وكان يبدو لنا أن لدى بعض المسئولين أجندة خفية لهذه المنطقة، إذ كانوا يطلبون منا من وقت لآخر مستندات لا بد من الحصول عليها من عاصمة الإقليم العفري أيساعيتا التي تبعد عن أديس أبابا بـ650 كم. وكم عانينا من السفر بين أديس أبابا وأيساعيتا للحصول على أوراق ومستندات يختلقونها للمماطلة في تسجيل الجمعية.

وقد اتصلت ببعض الجهات المانحة من المنظمات الخيرية المسيحية، وطلبت منهم المساعدة، فقالوا لي صراحة: "إننا لا نساعد إلا المسيحيين"!. وللعلم فإن في إثيوبيا أكثر من 300 مؤسسة خيرية، معظمها يعمل في الأقاليم المسيحية، أما الإقليم العفري، فلا يعمل به سوى منظمة واحدة تعمل بصفة مستمرة، وهي تلك التي تعلم الأطفال تلك اللغة العفرية المكتوبة بالحروف اللاتينية.

لكننا بالرغم من تلك الصعوبات التي عانيناها وما زلنا نعانيها، سعداء بما حققناه إلى الآن ونحاول نشر رسالة هذه الجمعية التي تعنى بالمنطقة العفرية المهمشة.

ما زالت إمكاناتنا متواضعة، والمطلوب لمساعدة هؤلاء الرعاة المسلمين كثير. هدفنا الحالي هو إنجاح مشروع جواني الرائد بكافة الوسائل ليكون بذرة عمل دائم ودؤوب للنهوض بالعفر وتنميتهم اقتصاديا واجتماعيا ودينيا.

استغاثة وتوصيات

للأسف الشديد، لا يوجد نشاط يعتد به في إثيوبيا لمواجهة النشاط القوي لتلك المؤسسات التي تتستر تحت اسم الأعمال الخيرية وتباشر نشاطا تنصيريّا، فتقيم مدارس للمسلمين والمسيحيين وتعلمهم المسيحية، بالإضافة إلى المواد الأخرى، مستغلة بذلك حاجة المسلمين وضعفهم.

ومن هنا، يتعين على الجهات المعنية في الدول العربية والإسلامية أن تسعى جاهدة لإقامة مدارس للتعليم العام أو مدارس مهنية يكون ضمن برامجها الأساسية اللغة العربية والدين والقرآن.

كما أقترح على المؤسسات الخيرية في العالم العربي أن تساعد القبائل الرحل على الاستقرار في مناطق معينة حتى يتسنى تعليم أبنائها وإقامة مستشفيات وعيادات لهم حتى نوقف فكرة استيطان المسيحيين الموجودين في أعالي إثيوبيا لسهول هؤلاء العفر، علما بأن الأراضي السهلة الموجودة في يد الرعاة العفر المسلمين تمثل 61% من مساحة إثيوبيا.

وأود أن أشير إلى أن الحكومة الإثيوبية في الوقت الحاضر نظرا لحاجتها للعملة الصعبة تشجع الاستثمار في مجالات الزراعة وتربية المواشي والأغنام والإبل حيث إن الزراعة تمثل مصدر الدخل الأول لإثيوبيا، والمواشي والإبل هي مصدر الدخل الثاني، ذلك أن إثيوبيا بها 15% من الثروة الحيوانية لكل إفريقيا، والمنطقة العفرية كانت تتمتع دائما بـ30% من الثروة الحيوانية لكل إثيوبيا، فالاستثمار في هذا المجال يدعم ويقوي المسلمين في إثيوبيا، بالإضافة إلى الأعمال الخيرية التي تقدم لهم.


إسلام أون لاين