أهمية اغتنام الفرص في الطاعات




علمتني الحياة في ظل العقيدة: ألا تضيع فرصة في طاعة، فإن لكل متحرك سكوناً، ولكل إقبال إدباراً، ورحم الله أبا بكر ورضي الله عنه وأرضاه يوم يقول صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم : {من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر : أنا. من تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر : أنا. من عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر : أنا. من تصدق اليوم على مسكين؟ قال أبو بكر : أنا. قال صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئٍ إلا دخل الجنة }^.

من لي بمثلِ مشيك المعتدلِ تمشى الهُوينا وتجي في الأولِ







صور من مبادرة أبي بكر في الطاعات


خرج أبو بكر من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن عمره في الإسلام بضعة أيام، وعاد وهو يقود الكتيبة الأولى من كتائب هذه الأمة، فعاد وقد أدخل في دين الله ستة من العشرة المبشرين بالجنة، يأتي يوم القيامة، وهم في صحيفة حسناته، وبعضنا يعيش عشرين عاماً وثلاثين عاماً وستين عاماً ومائة عام، وما هدى الله على يديْه رجلاً واحداً! إلى الله نشكو ضعفنا وتقصيرنا.
ليس هذا فحسب؛ بل يمر يوماً من الأيام على بلال رضى الله عنه وأرضاه وهو يُعذب في رمضاء مكة ، وبه من الجَهد ما به، وهو يقول: أَحَدٌ أحدٌ. فيقول: ينجيك الله الواحد الأحد.
ويرى أنها فرصة لا تتعوَّض لإنقاذ هؤلاء الضعفاء؛ لئلا يُفتنوا في دينهم فيصفي تجاراته، ويصفي أمواله، ويأتي إلى أمية بن خلف ، ويقول: أتبيعني بلالاً ؟ قال: أبيعكه فلا خير فيه، فيعطيه خمس أواقٍ ذهباً، فيأخذ هذه الخمس، ويقول: والله لو أبيت إلا أوقية واحدة لبعتك بلالاً . قال: ووالله لو أبيت -يا أمية - إلا مائة أوقية لأخذته منك؛ لأن لـأبي بكر موازين ومقاييس ليست لهذا ولا لغيره من البشر، فرضي الله عنه وأرضاه. يقول أبوه: إن كنت ولابد منفقاً أموالك فأنفقها على رجالٍ أشداء ينفعونك في وقت الشدائد، فيقول: أبتاه! إنما أريد ما أريد. ماذا يريد أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه؟
إنه يريد ما عند الله ويريد وجه الله والدار الآخرة، يقول أناس: ما أعتق بلالاً إلا ليدٍ كانت له عند بلال ؛ يعني: لمعروف أسداه بلال إليه، فأراد أن يكافئَه بذلك، فيتولى الله سبحانه وتعالى الرد من فوق سبع سماوات: وَمَا لأحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى )[الليل:19-21]^ رضي الله عنه وأرضاه، لقد كان سباقاً إلى كل فرصة يغتنمها.
وهاهو خيثمة بن الحارث كان له ابن يسمى سعد بن خيثمة بن الحارث ، ولما أراد المسلمون النفور إلى بدر ، وأرادوا الجهاد في سبيل الله؛ فما كان من هذا الرجل إلا أن قال لابنه: يا بني! تعلم أنه ليس مع النساء من يحميهن، وأريد أن تبقى معهن. ورأى هذا الشاب أن هذه فرصة لا تتعوض للجهاد في سبيل الله، قال: والله يا أبتاه! لا أجلس مع هؤلاء النساء. للنساء رب يحميهن، والله! ما في الدنيا شيء تطمع به نفسي دونك، والله! لو كان غير الجنة -يا أبتاه- لآثرتك به، ولكنها الجنة، والله لا أوثر بها أحداً. ثم ذهب الشاب، وترك الشيخ الكبير مع هؤلاء النساء، ذهب يطلب ما عند الله، فاستشهد في سبيل الله -بإذن الله نحسبه شهيداً، ولا نزكي على الله أحداً- يقول أبوه بعد ذلك: والله! لقد كان سعد أعقل مني، أواه أواه! لقد فاز بها دوني، والله! لقد رأيته البارحة في المنام: يسرح في أنهار الجنة وثمارها، ويقول: أبتاه! الْحقْ بنا فإنَّا قد وجدنا ما وعد ربنا حقَّا.





موقف أبي خيثمة في غزوة تبوك


وهاهو أبو خيثمة يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، وكانت له زوجتان، جاءهما يوماً فوجد كل واحدة منهما قد رشَّت عريشها بالماء، وبردت له الماء، ووضعت له الطعام؛ فلما رأى ذلك بكى وقال: أواه أواه! يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحر والريح، وأبو خيثمة في الظل والماء البارد؟! والله! ما هذا بالنصف. ورأى أنها فرصة لو فاتته لعُدَّ من المنافقين، قال: والله! لا أذوق شيئاً حتى ألْحق برسول الله صلى الله عليه وسلم. فهيَّأ زاده، وهيأ راحلته، وانطلق وحيداً في صحاري يبيد فيها البيد، ويضيع فيها الذكي والبليد. ولَحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فأدركه قرب تبوك ، ورآه الناس فقالوا: راكب مقبل يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: {كن أبا خيثمة ! كن أبا خيثمة ! قال الصحابة: هو أبو خيثمة فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم } ففاز بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ويا له من فوز!





مسارعة الحسن البصري في الدعوة إلى الله


وهاهو الحسن عليه رحمة الله: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُّفْتَرَى [يوسف:111] كانوا سباقين إلى الخير، لا يضيعون فرصة لطاعة الله عز وجل.
والٍ من الولاة في عهده بنى له بناء في واسط وزخرفه، وأكثر فيه من الزخرفة، ثم دعا الناس للفرجة عليه والدعاء له.
فما كان من الحسن يوم اجتمع الناس كلهم إلا أن رآها فرصة لا تُعوَّض أن يعظ الناس، ويذكرهم بالله، ويزهدهم في الدنيا، ويرغبهم فيما عند الله جل وعلا، فما كان منه إلا أن انطلق، ثم وقف بجانبهم هناك، فحمد الله وأثنى عليه، فاتجهت إليه القلوب والأبصار، ثم كان مما قال: لقد نظرتم إلى ما ابتنى أخبث الأخبثين فوجدنا أن فرعون بنى أعلى مما بنى، وشيَّد أعلى مما شيَّد، أليس هو القائل: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي) فأجرى الله الأنهار من فوق رأسه؟
ليته يعلم أن أهل السماء مقتوه، وأن أهل الأرض قد غرُّوه.. واندفع يتدفق في موعظته حتى أشفق عليه بعض السامعين من هذا الوالي، فقالوا: حسبك يا أبا سعيد ! حسبك. قال: لا والله! لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبيننَّه للناس ولا يكتمونه: {من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار }.
ويسمع ذلك الوالي، ويأتي لجُلاسه يتميز من الغيظ، ويدخل عليهم، ويقول: تباً لكم، وسحقاً، وهلاكاً لكم وبعداً، يقوم عبد من عبيد أهل البصرة فيقول فينا ما شاء أن يقول، ثم لا يجد من يرده أو ينكر عليه، والله لأسقينَّكم من دمه يا معشر الجبناء! ثم أمر بالسيف والجلاد والنطع، وما كان منه إلا أن استدعى الحسن عليه رحمة الله. فجاء الحسن ، ويوم رأى السيف ورأى الجلاد، تمتم بكلمات لم يعرف الحجاب والحُراس ماذا يقول؟
ويوم دخل، وقد خاف الله؛ خوَّف الله منه كل شيء، دخل على هذا الوالي فما كان منه إلا أن قال: أهلاً بك أيها الإمام! وقام يرحب به، ويقول: هاهنا هاهنا يا أبا سعيد ! حتى أجلسه على مجلسه، وعلى كرسيه، وجلس بجانبه، يسأله بعض الأسئلة ويقول له بعد ذلك: أنت أعلم العلماء يا أبا سعيد ! انصرف راشداً. وهذا بعد أن طيَّب لحيته، فخرج من عنده فلَحِق به أحد الحجاب، وقال له: والله! لقد دعاك لغير ما فعل بك، فماذا كنت تقول؟ قال: دعني ونفسي. قال: أسألك بالله! ماذا كنت تقول وأنت داخل؟ قال: كنت أقول: يا وليّ نعمتي، وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته عليَّ برداً وسلاماً، كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم.
اتصل بالله عز وجل ولم يضيع هذه الفرصة، وعلم الله صدقه، فأنجاه وأنقذه وحفظه: فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:64]^. فالحياة -يا أيها الأحبة- فرص من اغتنمها فاز، ومن ضيَّعها خسر: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ )[الحديد:20]^.


إذا هَبت رياحُك فاغْتنمها فإن لكل خافقةٍ سكون
ولا تغفل عن الإحسانِ فيها فلا تدري السكون متى يكونُ
وإن درَّت نياقُك فاحتلبها فلا تدري الفَصيل لمن يكونُ
أترجو أن تكون وأنت شيخٌ كما قد كنت أيام الشبابِ
لقد خدعتك نفسك ليس ثوب دريس كالجديد من الثياب


جزء من محاضرة هكذا علمتني الحياة
للشيخ علي عبد الخالق القرني