[align=center]الحديث الثمانون[/align]

عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله ‏صلى الله عليه و سلم : "ما منكم من أحد إلا ‏سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه تَرْجمان فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم. وينظر أشأم منه، ‏فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تِلقَاءَ وجهه، فاتقوا النار ولو بِشِقِّ ‏تمرة. فمن لم يجد فبكلمة طيبة" متفق عليه.‏
هذا حديث عظيم. تضمن من عظمة الباري ما لا تحيط به العقول ولا تعبر عنه ‏الألسن.‏
أخبر ‏‏صلى الله عليه و سلم ‏ فيه: أن جميع الخلق سيكلمهم الله مباشرة من دون ترجمان ولا واسطة. ‏ويسألهم عن جميع أعمالهم: خيرها وشرها، دقيقها وجليلها، سابقها ولاحقها، ما علمه العباد ‏وما نسوه منها. وذلك أنه لعظمته وكبريائه كما يخلقها ويرزقهم في ساعة واحدة، ويبعثهم في ‏ساعة واحدة، فإنه يحاسبه جميعهم في ساعة واحدة. فتبارك من له العظمة والمجد، والملك ‏العظيم والجلال.‏
وفي هذه الحالة التي يحاسبهم فيها ليس مع العبد أنصار ولا أعوان ولا أولاد ولا ‏أموال. قد جاءه فرداً كما خلقه أول مرة. قد أحاطت به أعماله تطلب الجزاء بالخير أو الشر، ‏عن يمينه وشماله، وأمامه النار لابد له من ورودها. فهل إلى صدوره منها سبيل؟ لا سبيل ‏إلى ذلك إلا برحمة الله، وبما قدمت يداه من الأعمال المنجية منها.‏
ولهذا حث النبي ‏صلى الله عليه و سلم أمته على اتقاء النار ولو بالشيء اليسير، كشق تمرة، فمن لم يجد ‏فبكلمة طيبة.‏
وفي هذا الحديث: أن من أعظم المنجيات من النار، الإحسان إلى الخلق بالمال ‏والأقوال، وأن العبد لا ينبغي له أن يحتقر من المعروف ولو شيئاً قليلاً، والكلمة الطيبة تشمل ‏النصيحة للخلق بتعليمهم ما يجهلون، وإرشادهم إلى مصالحهم الدينية والدنيوية.‏
وتشمل الكلام المسر للقلوب، الشارح للصدور، المقارن للبشاشة والبشر.‏
وتشمل الذكر لله والثناء عليه، وذكر أحكامه وشرائعه.‏
فكل كلام يقرب إلى الله ويحصل به النفع لعباد الله. فهو داخل في الكلمة الطيبة. قال ‏تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}(1)، وقال تعالى: {وَالْبَاقِيَاتُ ‏الصَّالِحَاتُ} [وهي كل عمل وقول يقرب إلى الله، ويحصل به النفع لخلقه] {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ‏ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً}(2) والله أعلم.‏


[align=center]منقول من كتاب بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار
لمؤلفه الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي [/align]