قام بجمع وإعداد المادة العلمية الفقير إلى عفو ربه
بهجت بن فاضل بن بهجت


إهــــــــــداء
إلى الرحمة المهداة؛ والنعمة المسداة؛ إلى حبيب الحق وسيد الخلق.
إليك ياحبيبى يارسول الله.
السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته
نشهد أنك بلغت الرسالة؛ وأديت الأمانة؛ ونصحت الأمة؛ وكشفت الغمة؛ وجاهدت فى الله حق جهاده حتى أتاك اليقين؛ فجزاك الله خير ماجزىنبيا عن قومه ورسولا عن أمته.
حبيبى يارسول الله:
لقد اشتاقت قلوبنا وأرواحنا إليك فأردنا أن نرسل إليك رسالة حب فلم نجد أرق ولاأجمل ولا أعظم من سيرتك العطرة؛ نقتبس من أنوارها ونهديها للكون كله؛ فى رسالة حب إليك ياحبيبى يارسول الله لعلها تعبر عن بعض مافى قلوبنا وتكون حجة لنا نلقاك بها يوم القيامة لنحشر معك ياحبنا الخالد؛ فلقد بشرتنا بأعظم بشرى حين قلت ﴿ أنت مع من أحببت﴾. ونحن نشهدك ونشهد الله تعالى بأننا نحبك- والله أكثر من أنفسنا- ونحب آل بيتك رضى الله عنهم أجمعين ونحب صحابتك الكرام ونحب كل من شهد لله تعالى بالوحدانية ولك ياحبيبى بالرسالة؛ لعل هذا الحب يكون شفيعا لنا لنرتوى من حوضك بيدك الشريفة حتى لانظمأ أبدا ونكون معك فى جنات ونهر فى مقعد صدق عند مليك مقتدر.


المقـدمـة

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد
إن الحديث عن العظماء يأخذ بمجامع القلوب وتشرأب إليه أعناق أولي النهى تزدان بسيرهم المجالس وتعطر بأخبارهم الأندية ويتوق إلى معرفة سيرهم أصحاب الهمم وعشاق المعالي فما بالكم إخوتي إذا كان الحديث عن إمام العظماء وأشرف الشرفاء وسيد النبلاء ما بالكم إذا كان الحديث عن البدر يسري بضوئه متعة للسامرين ودليلاً للحائرين بل هو الشمس تهدي نورها وجه الأرض فيتلألأ ضياء ونوراً؛ حديثنا عن الشمس التي أشرقت فعمت بنورها الكون كله؛ فهوالرحمة المهداة والنعمة المسداة. حديثنا أيها الأحباب عن الحبيب بأبي هو وأمي سيد الخلق وحبيب الحق وخاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهيا بنا لنكون في صحبته صلى الله عليه وسلم في الدنيا عسى الله أن يجمعنا به يوم القيامة في الفردوس الأعلى إنه تعالى ولى ذلك والقادر عليه.



مولده صلى الله عليه وسلم
ولد سيـد المرسلين صلى الله عليه وسلم بشعب بني هاشم بمكـة في صبيحة يوم الاثنين فى شهرربيـع الأول، قيل في الثاني منه، وقيل في الثامن، وقيل في العاشر، وقيل في الثاني عشر عـام حادثـة الفيـل، ولأربعـين سنة خلت من ملك كسرى، ويوافق ذلك عشرين أو اثنين وعشرين من شهر أبريل سنة 571 م.
أبوه: عبد الله بن عبدا لمطلب
كان عبد الله من أحب ولد أبيه إليه، ولما نجا من الذبح وفداه عبد المطلب بمائة من الإبل، زوجه من أشرف نساء مكة نسبًا، وهي آمنة بنت وهب؛ ولم يلبث أن توفي بعد أن حملت آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم ودُفن بالمدينة عند أخواله بني عدي بن النجار, فإنه كان قد ذهب بتجارة إلى الشام فأدركته منيته بالمدينة وهو راجع عن أربعة وعشرين عاما، وترك هذه النسمة المباركة، وكأن القدر يقول له: قد انتهت مهمتك في الحياة وهذا الجنين الطاهر يتولى الله -عز وجل- بحكمته ورحمته تربيته وتأديبه وإعداده لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور.
أمه: آمنة بنت وهب
بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر وروى ابن سعد أنها قالت:‏ ﴿ لمــا ولـدتــه خرج من فرجى نور أضاءت لـه قصـور الشام ﴾؛توفيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ست سنين بالأبواء ، بين مكة والمدينة ، وكانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار ليزورهم، فماتت وهي راجعة به إلى مكة ‏‏‏.‏‏‏


نسبه الشريف صلى الله عليه وسلم
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ـ واسمه شَيْبَة ـ بن هاشم ـ واسمه عمرو ـ بن عبد مناف ـ واسمه المغيرة ـ بن قصَىّ ـ واسمه زيد ـ بن كِلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فِهْر ـ وهو الملقب بقريش وإليه تنتسب القبيلة ـ بن مالك بن النَّضْر ـ واسمه قيس ـ بن كِنَانة بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكة ـ واسمه عامـر ـ بن إلياس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عدنان‏.‏ هو خير أهل الأرض نسبًا على الإطلاق، فلنسبه من الشرف أعلى ذِروة،وأعداؤه كانوا يشهدون له بذلك, فأشرف القوم قومه، وأشرف القبائل قبيلته ؛ من ذلك ما أخرجه الإمام مسلم عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشًا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم﴾
ومن ذلك أيضًا ما أخرجه الترمذي عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم وخير الفريقين، ثم تخير القبائل، فجعلني من خير القبيلة، ثم تخير البيوت، فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا وخيرهم بيتًا‏﴾‏ وفي لفظ عنه‏:‏﴿ ‏‏إن الله خلق الخلق ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتًا فجعلني في خيرهم بيتًا وخيرهم نفسًا‏﴾ «رواه الترمذى»
وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :﴿بعثت من خير بنى آدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذى كنت منه﴾«رواه البخارى»
إن معدن النبي صلى الله عليه وسلم طيب ونفيس، فهو من نسل إسماعيل الذبيح, وإبراهيم خليل الله، واستجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام، وبشارة أخيه عيسى عليه السلام كما حدث هو عن نفسه، فقال صلى الله عليه وسلم ﴿أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة أخي عيسى﴾ فالرسول صلى الله عليه وسلم خيار من خيار، الى نسبه يعود كل مخار، وهو من نكاح لا من سفاح، آباؤه سادات الناس، وأجداده رؤوس القبائل، جمعوا المكارم كابرا عن كابر، واستولى على معالي الأمور، فلن تجد في صفة عبدالمطلب أجلّ منه، ولا في قرن هاشم أنبل منه، ولا في أتراب عبدمناف اكرم منه، ولا في رعيل قصيّ أعلى كعبا منه، وهكذا..... حتى آدم عليه السلام، فهو صلى الله عليه وسلم سيد من سيد يروي المكارم أبا عن جد.
أسماؤه صلى الله عليه وسلم
روى جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿إن لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب "الذي ليس بعده نبي﴾« متفق عليه»
وروى أبو موسى عبد الله بن قيس، قال: سمى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه أسماء، منها ما حفظنا، فقال: ﴿أنا محمد، وأنا أحمد، والمقفي، ونبي التوبة، ونبي الرحمة وفي رواية: ونبي الملحمةوهي المقتلة﴾«رواه مسلم»
وروى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أنا أحمد، وأنا محمد، وأنا الحاشر، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، فإذا كان يوم القيامة لواء الحمد معي، وكنت إمام المرسلين، وصاحب شفاعتهم﴾.وسماه الله عز وجل في كتابه العزيز﴿ بَشِيرًا ﴾ و﴿ وَنَذِيرًا ﴾﴿ البقرة: 119﴾و﴿رَءُوفًا ﴾و﴿رحِيمًا ﴾ و ﴿ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾﴿الأنبياء:107﴾
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿أنا سيد ولد آدم يوم القيامة. وأول من ينشق عنه القبر. وأول شافع وأول مشفع﴾«رواه مسلم»
كنيتـــه
كان صلى الله عليه وسلم يكنّى أبا القاسم بولده القاسم وكان أكبر أولاده .
فعن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في السوق فقال رجل يا أبا القاسم، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم فقال﴿ سمّوا باسمي ولا تكنوا بكنيتي﴾«رواه البخاري»
هذا هو النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم وتلك هي بعض أسمائه الطيبة الحسنة، الدالة على معانيها العظيمة الرائعة، فهو صلى الله عليه وسلم عظيم مكرم في أسمائه وصفاته وخلقه وكل شمائله، فهواسم على مسمّى، علم على رمز، ووصف على إمام، جمع المحامد، وحاز المكارم، واستولى على القيم، وتفرّد بالمثل، وتميّز بالريادة، محمود عند الله لأنه رسوله المعصوم، ونبيّه الخاتم، وعبده الصالح، وصفوته من خلقه، وخليله من أهل الأرض، ومحمود عند الناس لأنه قريب من القلوب، حبيب الى النفوس، رحمة مهداة، ونعمة مسداة، مبارك أينما كان، محفوف بالعناية أينما وجد، محاط بالتقدير أينما حلّ وارتحل، حمدت طبائعه لأنها هذّبت بالوحي، وشرفت طباعه لأنها صقلت بالنبوة، فالله محمود ورسوله محمد.
الرسول صلى الله عليه وسلم و كأنك تراه
إن كل مسلم صادق يحلو له ذكر الحبيب صلى الله عليه وسلم ويحلو له أن يتصوره وأن يتخيله وأن يعيش بقلبه من خلال كتب الأثر .. مع وصف الحبيب؛ وكيف كانت حياته ؟ وكيف كان طعامه ؟ وكيف كان شرابه ؟ وكيف نومه ؟ وكيف كان ذكره ؟ وكيف كانت مشيته ؟ وما صفة وجهه ؟ وما صفة شعره ؟ وما صفة لحيته ؟ وما صفة صدره ؟ وما صفة قدمه ؟ كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ولم لا ؟! وقد أمرنا الله جل وعلا أن نقتفى أثره وأن نسير على دربه وأن نقلده في كل شيء
قال جل وعلا:﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾﴿ الأحزاب: 21﴾
أنت مأمور أيها الموحد أن تسير على دربه ، وأن تقتفي أثره ، وأن تتبع سنته فهو حبيبك .. وهو قدوتك الطيبة .. وهو أسوتك الحسنة ؛ولن تصل إلى الله جل وعلا إلا من طريقه .. ومن الباب الذي يوصلك منه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم تعالوا بنا أيها الأحبة نَصفُ المصطفى صلى الله عليه وسلم كما نقل ذلك لنا صحابته رضوان الله عليهم ، فكما نُقلت إلينا سنته ، نُقِل إلينا أيضا وصفه وصفته صلى الله عليه وسلم
لونه صلى الله عليه وسلم
عن أبي الطفيل رضي الله عنه قال﴿ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما على وجه الأرض رجل رآه غيري قال: فكيف رأيته؟ قال: كان أبيض مليحًا مقصدًا﴾. «رواه مسلم»
عن أنس رضي الله عنه قال: ﴿كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهر اللون، ليس بالأدم و لا بالأبيض الأمهق - أي لم يكن شديد البياض والبرص - يتلألأ نوراً﴾. والأزهر: هو الأبيض المستنير المشرق، وهو أحسن الألوان «رواه البخاري ومسلم»
وعن أبي جحيفة رضي الله عنه: ﴿كان النبي صلى الله عليه وسلم أبيض قد شاب﴾. « رواه البخاري ومسلم»
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ﴿كان النبي صلى الله عليه وسلم أبيض مشربًا بياضه حمرة﴾ «رواه أحمد والترمذي والبزار»
وجهه صلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم أسيَل الوجه مسنون الخدين ولم يكن مستديراً غاية التدوير، بل كان بين الاستدارة والإسالة هو أجمل عند كل ذي ذوق سليم. وكان وجهه مثل الشمس والقمر في الإشراق والصفاء، مليحاً كأنما صيغ من فضة لا أوضأ ولا أضوأ منه.
قال عنه البراء بن عازب: ﴿ كان أحسن الناس وجهًا و أحسنهم خَلقا ﴾.
وعن كعب بن مالك رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر. «رواه البخاري ومسلم»
وعن أبي إسحاق قال: سُئل البراء أكان وجه النبي صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر« رواه البخاري»
وقال أبو هريرة: ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجري في وجهه
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة إضحيان مقمرة، وعليه حُلَّة حمراء، فجعلتُ أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى القمر، فإذا هو عندي أحسنُ من القمر
جبينه صلى الله عليه وسلم
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ﴿ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيل الجبين﴾، الأسيل: هو المستوي،«أخرجه عبد الرازق والبيهقي ابن عساكر».
وكان صلى الله عليه وسلم واسع الجبين أي ممتد الجبين طولاً وعرضاً، والجبين هو غير الجبهة، هو ما اكتنف الجبهة من يمين وشمال، فهما جبينان، فتكون الجبهة بين جبينين. وسعة الجبين محمودة عند كل ذي ذوق سليم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان صلى الله عليه وسلم أجلى الجبهة، إذا طلع جبينه من بين الشعر، أو طلع في فلق الصبح، أو عند طفل الليل، أو طلع بوجهه على الناس تراءوا جبينه كأنه ضوء السراج المتوقد يتلألأ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم واسع الجبهة.«رواه البيهقي في دلائل النبوة وابن عساكر»
حاجبيه صلى الله عليه وسلم
حاجباه قويان مقوَّسان، متّصلان اتصالاً خفيفاً، لا يُرى اتصالهما إلا أن يكون مسافراً وذلك بسبب غبار السفر.
عينيه صلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم مشرب العينين بحمرة، وقوله مشرب العين بحمرة: هي عروق حمر رقاق وهي من علاماته صلى الله عليه وسلم التي في الكتب السالفة. وكانت عيناه واسعتين جميلتين، شديدتي سواد الحدقة، ذات أهداب طويلة أي رموش العينين، ناصعتي البياض و كان صلى الله عليه وسلم أشكل العينين، قال القسطلاني في المواهب: الشُكلة بضم الشين هي الحمرة تكون في بياض العين وهو محبوب محمود.
قال الزرقاني: قال الحافظ العراقي: هي إحدى علامات نبوته صلى الله عليه وسلم ولما سافر مع ميسرة إلى الشام سأل عنه الراهب ميسرة فقال: في عينيه حمرة؟ فقال: ما تفارقه، قال الراهب: هو.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا نظرت إليه قُلت أكحل العينين وليس بأكحل«رواه الترمذي»
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ﴿كانت عيناه صلى الله عليه وسلم نجلاوان أدعجهما والعين النجلاء الواسعة الحسنة والدعج: شدة سواد الحدقة، ولا يكون الدعج في شيء إلا في سواد الحدقة؛وكان أهدب الأشفار حتى تكاد تلتبس من كثرتها ﴾. «أخرجه البيهقي وابن عساكر»
وعن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم العينين، هَدِبُ الأشفار، مشرب العينين بحمرة.«رواه أحمد وابن سعد والبزار»ومعنى مشرب العينين بحمرة: أي عروق حمراء رقاق
أنفه صلى الله عليه وسلم
يحسبه من لم يتأمله أشماً ولم يكن أشماً وكان أنفه مستقيماً، أقنى أي طويلاً في وسطه بعض ارتفاع، مع دقة أرنبته الأرنبة هي ما لان من الأنف.
خـدّيهصلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم صلب الخدين. وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: ﴿كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسَلِّمُ عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده «أخرجه ابن ماجه»
قال يزيد الفارسي رضي الله عنه:﴿ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جميل دوائر الوجه﴾ «رواه أحمد»
فمه وأسنانه صلى الله عليه وسلم
قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: ﴿كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشنب مفلج الأسنان الأشنب: هو الذي في أسنانه رقة وتحدد﴾«أخرجه الطبراني والترمذي»
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: ﴿كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضليع الفم" أي واسع الفم" جميلهُ، وكان من أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم. وكان صلى الله عليه وسلم وسيماً أشنب أبيض الأسنان مفلج أي متفرق الأسنان، بعيد ما بين الثنايا والرباعيات، أفلج الثنيَّتين الثنايا جمع ثنية بالتشديد وهي الأسنان الأربع التي في مقدم الفم، ثنتان من فوق وثنتان من تحت، والفلج هو تباعد بين الأسنان، إذا تكلم رُئِيَ كالنور يخرج من بين ثناياه ﴾« رواه الترمذى» النور المرئي يحتمل أن يكون حسياً كما يحتمل أن يكون معنوياً فيكون المقصود من التشبيه ما يخرج من بين ثناياه من أحاديثه الشريفة وكلامه الجامع لأنواع الفصاحة والهداية.
ريقهصلى الله عليه وسلم
لقد أعطى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم خصائص كثيرة لريقه الشريف ومن ذلك أن ريقه صلى الله عليه وسلم فيه شفاء للعليل، ورواء للغليل و غذاء و قوة و بركة ونماء ... فكم داوى صلى الله عليه وسلم بريقه الشريف من مريض فبرىء من ساعته !.
جاء في الصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: ﴿ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: لأعطِيَنَّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم يرجو أن يُعطاها ، فقال صلى الله عليه وسلم أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه.؛فأُتِيَ به وفي رواية مسلم: قال سلمة: فأرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي، فجئت به أقوده أرمد فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه، فبرىء كأنه لم يكن به وجع ...﴾
وروى الطبراني و أبو نعيم أنَّ عميرة بنت مسعود الأنصارية وأخَواتها دخلن على النبي صلى الله عليه وسلم يبايعنَه، وهن خمس، فوجدنَه يأكل قديداً "لحم مجفَّف"، فمضغ لهن قديدة، قالت عميرة: ثم ناولني القديدة فقسمتها بينهن، فمضغَت كل واحدة قطعة فلَقَينَ الله تعالى وما وُجِدَ لأفواههن خلوف، "أي تغَيُّر رائحة فم".
وعن يزيد بن أبي عبيد قال: ﴿رأيت أثر ضربة في ساق سلمة فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصبت بها يوم خيبر فقال الناس أصيب سلمة... فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيت حتى الساعة﴾« أخرجه البخاري»
ومما يروى في عجائب غزوة أحد: أصاب قتادة رضي الله عنه سهم في عينه ففقأها، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تدلت عينه، فأخذها صلى الله عليه وسلم بيده وأعادها ثم تفل بها ومسح عليها وقال قم معافى بإذن الله؛ فعادت أبصر من أختها، فقال الشاعر اللهم صل على من سمى ونمى ورد عين قتادة بعد العمى.
لحيته صلى الله عليه وسلم
- ﴿ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حسن اللحية﴾«أخرجه أحمد وصححه أحمد شاكر».
و قالت عائشة رضي الله عنها: ﴿ كان صلى الله عليه وسلم كث اللحية، والكث: الكثير منابت الشعر الملتفها، وكانت عنفقته بارزة، وحولها كبياض اللؤلؤ، في أسفل عنفقته شعر منقاد حتى يقع انقيادها على شعر اللحية حتى يكون كأنه منها﴾«أخرجه أبو نعيم والبيهقي »
وعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: ﴿كان في عنفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم شعرات بيض﴾«أخرجه البخاري»
وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: ﴿لم يختضب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان البياض في عنفقته﴾ « أخرجه مسلم».
كما كان صلى الله عليه وسلم أسود اللحية،وكانت بمقدار قبضة اليد ، يُحسِّنهُا ويُطيِّبهُا أي يضع عليها الطيب؛ وكان صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته « أخرجه الترمذي والبغوي». وكان من هديه صلى الله عليه وسلم حف الشارب وإعفاء اللحية.
رأسهصلى الله عليه وسلم
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ﴿كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضخم الرأس﴾« رواه أحمد والبزار وابن سعد»
قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه:﴿ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم الهامة﴾. «رواه الطبراني والترمذي»
شعره صلى الله عليه وسلم
كان شديد السواد رَجِلاً أي ليس مسترسلاً كشعر الروم ولا جعداً كشعر السودان وإنَّما هو على هيئة المُتَمَشِّط؛ يصل إلى أنصاف أذنيه حيناً ويرسله أحياناً فيصل إلى شَحمَة أُذُنيه أو بين أذنيه و عاتقه، وغاية طوله أن يضرب مَنكِبيه إذا طال زمان إرساله بعد الحلق، وبهذا يُجمَع بين الروايات الواردة في هذا الشأن، حيث أخبر كل واحدٍ من الرواة عمَّا رآه في حين من الأحيان.
قال الإمام النووي: ﴿هذا، ولم يحلق النبي صلى الله عليه وسلم رأسه أي بالكلية في سِنيّ الهجرة إلا عام الحُديبية ثم عام عُمرة القضاء ثم عام حجة الوداع﴾
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ﴿ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير شعر الرأس راجله﴾ «أخرجه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح»
ولم يكن في رأس النبي صلى الله عليه وسلم شيب إلا شُعيرات في مفرِق رأسه، فقد أخبر ابن سعيد أنه ما كان في لحية النبي صلى الله عليه وسلم ورأسه إلا سبع عشرة شعرة بيضاء وفي بعض الأحاديث ما يفيد أن شيبه لا يزيد على عشرة شعرات وكان صلى الله عليه وسلم إذا ادَّهن واراهُنَّ الدهن أي أخفاهن، وكان يدَّهِن بالطيب والحِنَّاء.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ كان النبي يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، وكان أهل الكتاب يُسدِلون أشعارهم وكان المشركون يَفرقون رؤوسهم، فسدل النبي صلى الله عليه وسلم ناصيته ثم فرق بعد﴾ «أخرجه البخاري ومسلم»
وكان رجل الشعر حسناً ليس بالسبط ولا الجعد القطط، كما إذا مشطه بالمشط كأنه حُبُك الرَّمل، أو كأنه المتون التي تكون في الغُدُر إذا سفتها الرياح، فإذا مكث لم يرجل أخذ بعضه بعضاً، وتحلق حتى يكون متحلقاً كالخواتم ، لما كان أول مرة سدل ناصيته بين عينيه كما تسدل نواصي الخيل جاءه جبريل عليه السلام بالفِرق ففرق.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ﴿كنتُ إذا أردتُ أن أفرق رأس رسول الله صَدعْت الفرق من نافوخه وأرسلُ ناصيته بين عينيه﴾ «أخرجه أبو داود وابن ماجه»
وكان صلى الله عليه وسلم يُسدِلُ شعره أي يُرسِله ثم ترك ذلك وصار يَفرِقُهُ، فكان الفَرقُ مستحباً، وهو آخِرُ الأمرين منه صلى الله عليه وسلم و فَرقُ شعر الرأس هو قسمته في المَفرِقِ وهو وسط الرأس . وكان يبدأ في ترجيل شعره من الجهة اليمنى، فكان يفرق رأسه ثم يُمَشِّطُ الشِّق الأيمن ثم الشِّق الأيسر.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يترَجَّل غباً أي يُمشط شعره و يتَعَهَّدُهُ من وقت إلى آخر.
وعن عائشة رضي الله عنها:﴿ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيمن في طهوره أي الابتداء باليمين إذا تطهر وفي ترجله إذا ترجل وفي انتعاله إذا انتعل﴾ «أخرجه البخاري»
عنقه ورقبته صلى الله عليه وسلم
رقبته فيها طول، أما عنقه فكأنه جيد دمية الجيد: هو العنق. والدمية: هي الصورة التي بولغ في تحسينها.
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ﴿ كأن عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم إبريق فضة ﴾« أخرجه البيهقي».
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ﴿ كان أحسن عباد الله عنقاً، لا ينسب إلى الطول ولا إلى القصر، ما ظهر من عنقه للشمس والرياح فكأنه إبريق فضة يشوب ذهباً يتلألأ في بياض الفضة وحمرة الذهب، وما غيب في الثياب من عنقه فما تحتها فكأنه القمر ليلة البدر﴾«أخرجه البيهقي وابن عساكر».


منكِبيه صلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم أشعر المنكبين أي عليهما شعر كثير، واسع ما بينهما، والمنكب هو مجمع العضد والكتف. والمراد بكونه بعيد ما بين المنكبين أنه عريض أعلى الظهر ويلزمه أنه عريض الصدر مع الإشارة إلى أن بُعد ما بين منكبيه لم يكن منافياً للاعتدال. وكان كَتِفاه عريضين عظيمين.
عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: ﴿كان النبي صلى الله عليه وسلم بعيد ما بين المنكبين﴾ «رواه البخاري و مسلم»
إبطيه صلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم أبيض الإبطين، وبياض الإبطين من علامة نُبُوَّتِهِ إذ إن الإبط من جميع الناس يكون عادة مُتَغَيِّر اللون
قال عبد الله بن مالك رضي الله عنه: ﴿كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد فرَّج بين يديه أي باعد؛ حتى نرى بياض إبطيه﴾«أخرجه البخاري»
وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: ﴿ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد جافى حتى يُرى بياض إبطيه﴾« أخرجه أحمد».
ذراعيه صلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم أشعر، طويل الزندين أي الذراعين، سبط القصب القصب يريد به ساعديه.
كفيه صلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم رحب الراحة أي واسع الكف؛ كفه ممتلئة لحماً، غير أنّها مع غاية ضخامتها كانت لَيِّنَة أي ناعمة. قال أنَس رضي الله عنه: ﴿ما مَسَستُ ديباجة ولا حريرة أليَنَ من كَفِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴾
وأمَّا ما ورد في روايات أخرى عن خشونة كفيه وغلاظتها، فهو محمول على ما إذا عَمِل في الجهاد أو مهنة أهله، فإنّ كفه الشريفة تصير خشنة للعارض المذكور أي العمل وإذا ترك رجعت إلى النعومة.
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: ﴿ صليتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله وخرجتُ معهُ فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدي أحدهم واحداً واحداً. قال: وأما أنا فمسح خدي. قال: فوجدتُ ليده برداً أو ريحاً كأنما أخرجها من جونة عطار﴾ «أخرجه مسلم»
وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال:﴿ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء... وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه، فيمسحون بها وجوههم. قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك﴾.«أخرجه البخاري»
أصابعه صلى الله عليه وسلم
قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: ﴿كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سائل الأطراف﴾ قوله سائل الأطراف يريد الأصابع أنها طوال ليست بمنعقدة.«أخرجه الطبراني والترمذي»
صَدره صلى الله عليه وسلم
عريض الصدر، مُمتَلِىءٌ لحماً، ليس بالسمين ولا بالنَّحيل، سواء البطن والظهر. وكان صلى الله عليه وسلم أشعر أعالي الصدر، عاري الثديين والبطن أي لم يكن عليها شعر كثير؛ طويل المَسرَبَة و هو الشعر الدقيق.
قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: ﴿كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء البطن والصدر، عريض الصدر﴾ «رواه الطبراني والترمذي»
قالت عائشة رضي الله عنها: ﴿كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عريض الصدر ممسوحة، كأنه المرايا في شدتها واستوائها، لا يعدو بعض لحمه بعضًا، على بياض القمر ليلة البدر، موصول ما بين لبته إلى سرته شعر منقاد كالقضيب، لم يكن في صدره ولا بطنه شعر غيره﴾« رواه البيهقي»
بطنه صلى الله عليه وسلم
قالت أم معبد رضي الله عنها: ﴿لم تعبه ثُلجه﴾"الثلجة: كبر البطن".
سرته صلى الله عليه وسلم
عن هند بن أبي هالة رضي الله عنه: ﴿ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دقيق المسربة موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك﴾ واللَّبَةُ المنحر وهو النقرة التي فوق الصدر.
مفاصله وركبتيه صلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم ضخم الأعضاء كالركبتين والمِرفَقين و المنكبين والأصابع، وكل ذلك من دلائِل قوَّته صلى الله عليه وسلم
ساقيه صلى الله عليه وسلم
عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: ﴿... وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إلى بياض ساقيه﴾ «أخرجه البخاري»
قدميه صلى الله عليه وسلم
قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: ﴿كان النبي صلى الله عليه وسلم خمصان الأخمصين مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء ششن الكفين والقدمين﴾
قوله: خمصان الأخمصين: الأخمص من القدم ما بين صدرها وعقبها، وهو الذي لا يلتصق بالأرض من القدمين، يريد أن ذلك منه مرتفع.
مسيح القدمين: يريد أنهما ملساوان ليس في ظهورهما تكسر لذا قال ينبو عنهما الماء يعني أنه لا ثبات للماء عليها وسشن الكفين والقدمين أي غليظ الأصابع والراحة« رواه الترمذي والطبراني»
وكان صلى الله عليه وسلم أشبَهَ النَّاس بسيدنا إبراهيم عليه السلام، وكانت قدماه الشَّريفتان تُشبهان قدمي سيدنا إبراهيم عليه السلام كما هي آثارها في مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء في وصف سيدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به﴾« صحيح البخاري»
وكان أبو جهم بن حذيفة القرشي العدوي الصحابي الجليل، يقول: ما رأيت شبهًا كشبه قدم النبي صلى الله عليه وسلم بقدم إبراهيم التي كنا نجدها في المقام

عَقِبيه صلى الله عليه وسلم
كان الرسول صلى الله عليه وسلم مَنهوس العَقِبَين أي لحمهما قليل.
قامته و طوله صلى الله عليه وسلم
عن أنس رضي الله عنه قال: ﴿ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رَبعَة من القَوم"أي مربوع القامة"، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وكان إلى الطول أقرب﴾.
وقد ورد عند البَيهَقي وابن عساكر أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يُماشي أحداً من الناس إلا طاله، و لرُبَّما اكتنفه الرجُلان الطويلان فيطولهما فإذا فارقاه نُسِبَ إلى الرَّبعة، وكان إذا جلس يكون كتفه أعلى من الجالس. وبالجملة كان صلى الله عليه وسلم حسن الجسم، معتدل الخَلق ومتناسب الأعضاء.
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: ﴿كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهًا وأحسنهم خلقًا، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير﴾ « رواه البخاري ومسلم»
عَرَقِه صلى الله عليه وسلم
عن أنس رضي الله عنه قال: ﴿كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهر اللون كأنَّ عَرَقه اللؤلؤ ﴿ أي كان صافياً أبيضاً مثل اللؤلؤ ﴾ ... وقال أيضاً: ﴿ما شَمَمتُ عنبراً قط و لا مسكاً أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴾ « أخرجه البخاري ومسلم».
وعن أنس أيضاً قال: ﴿ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَال- أي نام- عندنا، فعرِقَ وجاءت أمي بقارورة فجعلت تَسلُتُ العَرَق، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أم سُلَيم ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: عَرَق نجعله في طيبنا وهو أطيَب الطيب﴾ « رواه مسلم» وفيه دليل أن الصحابة كانوا يتبرَّكون بآثار النبي صلى الله عليه وسلم وقد أقرَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أم سُليم على ذلك.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا صافحه الرجل وجد ريحه أي تبقى رائحة النبي صلى الله عليه وسلم على يد الرجل الذي صافحه، وإذا وضع يده على رأس صبي، فيظل يومه يُعرَف من بين الصبيان بريحه على رأسه.

صوتــه صلى الله عليه وسلم
عن أم معبد رضي الله عنها، قالت: ﴿كان في صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم صهل﴾ « رواه الطبراني والحاكم »
عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها، قالت: إني كنت لأسمع صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على عريشي. يعني قراءته في صلاة الليل. « رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم والطبراني»
مشيتــه صلى الله عليه وسلم
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ﴿ما رأيتُ شيئًا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنَّ الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحدًا أسرع من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنَّما الأرض تطوى له، إنَّا لَنُجهد أنفسنا وإنَّه غير مكترث﴾
وعن أنس رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى تَكَفَّأ أي مال يميناً وشمالاً ؛ ويمشي الهُوَينا .. أي يُقارِب الخُطا
وعن ابن عباس رضي الله عنه :﴿أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى، مشى مجتمعًا ليس فيه كسل﴾، أي شديد الحركة، قوي الأعضاء غير مسترخ في المشي« رواه أحمد»
التفاتــه صلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم إذا التفت التفت معًا أي بجميع أجزائه فلا يلوي عنقه يمنة أو يسرة إذ نظر إلى الشيء؛ فكان يقبل جميعًا ويُدبِر جميعًا لأن ذلك أليَق بجلالته ومهابته هذا بالنسبة للالتفات وراءه، أمّا لو التفت يمنة أو يسرة فالظاهر أنه كان يلتفت بعنقه الشريف
كلامــه صلى الله عليه وسلم
قال الله تعالى﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ﴿النجم 1-4﴾
كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز بفصاحة اللسان، وبلاغة القول، وكان من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع، ونصاعة لفظ وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل قبيلة بلسانها، ويحاورها بلغتها، اجتمعت له قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي، لذلك كان يقول لعبد الله بن عمرو: :اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، فبينما أنا نائم رأيتني أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي﴾« مسند الإمام أحمد»
وكان كلامه صلى الله عليه وسلم بَيِّن فَصْل ظاهر يحفظه من جَلَس إليه، وقد ورد في الحديث الصحيح: كان يُحَدِّث حديثاً لو عَدَّه العادُّ لأحصاه
وكان صلى الله عليه وسلم يعيد الكلمة ثلاثاً لِتُعقَل عنه.«رواه البخاري»
ورُوِيَ أنه كان صلى الله عليه وسلم يُعرِض عن كل كلام قبيح و يُكَنِّي عن الأمور المُستَقبَحَة في العُرف إذا اضطره الكلام إلى ذكرها، وكان صلى الله عليه وسلم يذكر الله تعالى بين الخطوتين.
ضحكـه صلى الله عليه وسلم
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضحك إلا تَبَسُّماً، وكنتَ إذا نظرتَ إليه قُلتَ أكحل العينين وليس بأكحل«رواه الترمذي»
وعن عبد الله بن الحارث قال: ﴿ما رأيتُ أحداً أكثر تبسمًا من الرسول صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُحَدِّث حديثاً إلا تبَسَّم وكان مِن أضحك الناس وأطيَبَهم نَفسًا﴾
وكان صلى الله عليه وسلم إذا ضحك بانت نواجذه أي أضراسه من غير أن يرفع صوته، وكان الغالب من أحواله التَّبَسُّم
يقول خارجة بن زيد:﴿ كان النبي صلى الله عليه وسلم أوقر الناس في مجلسه لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه، وكان كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، يعرض عمن تكلم بغير جميل، كان ضحكه تبسمًا، وكلامه فصلاً، لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم، توقيراً له واقتداءً به﴾
قال أبو هريرة رضي الله عنه:﴿ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ضحك كاد يتلألأ في الجدر﴾ «رواه عبد الرزاق في مصنفه»
خاتمــه صلى الله عليه وسلم
كان خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة، نقش عليه من الأسفل إلى الأعلى ﴿محمد رسول الله﴾وذلك لكي لا تكون كلمة ﴿محمد﴾ صلى الله عليه وسلم فوق كلمة﴿الله﴾ سبحانه وتعالى
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:﴿ لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى العجم، قيل له: إن العجم لا يقبلون إلا كتابًا عليه ختم، فاصطنع خاتمًا، فكأني أنظر إلى بياضه في كفه﴾«رواه الترمذي والبخاري ومسلم»
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: ﴿اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ورِق أي من فضة فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر ويد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع في بئر أريس﴾ وأريس بفتح الهمزة وكسر الراء، هي بئر بحديقة من مسجد قباء
خاتم النبوة
وهو خاتم أسود اللون مثل الهلال وفي رواية أنه أخضر اللون، وفي رواية أنه كان أحمراً، وفي رواية أخرى أنه كلون جسده. والحقيقة أنه لا يوجد تدافع بين هذه الروايات لأن لون الخاتم كان يتفاوت باختلاف الأوقات، فيكون تارة أحمراً وتارة كلون جسده و هكذا بحسب الأوقات. ويبلغ حجم الخاتم قدر بيضة الحمامة، و ورد أنه كان على أعلى كتف النبي صلى الله عليه وسلم الأيسر. وقد عرف سلمان الفارسي رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الخاتم.
وعن عبد الله بن سرجس قال: ﴿ رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وأكلتُ معه خبزاً ولحماً وقال ثريدا؛فقيل له: أستغفر لك النبي؟ قال: نعم ولك ، ثم تلى هذه الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾﴿ محمد: 19﴾ قال: ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى عليه خيلان كأمثال الثآليل ﴾«أخرجه مسلم»
قال أبو زيد رضي الله عنه:﴿ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم اقترب مني، فاقتربت منه، فقال: أدخل يدك فامسح ظهري، قال: فأدخلتُ يدي في قميصه فمسحتُ ظهره فوقع خاتم النبوة بين أصبعي قال: فسئل عن خاتم النبوة فقال: "شعرات بين كتفيه "﴾« أخرجه أحمد والحاكم وقال صحيح الإسناد»
اللهم كما أكرمت أبا زيد رضي الله عنه بهذا فأكرمنا به يا ربنا يا إلهنا يا من تعطي السائلين من جودك وكرمك ولا تبالي.
اعتدال خَلقِه صلى الله عليه وسلم
قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: ﴿كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدل الخلق، بادن متماسك، سواء البطن والصدر﴾«أخرجه الطبراني والترمذي»
قال البراء بن عازب رضي الله عنه: ﴿كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهاً وأحسنهم خَلقاً﴾«أخرجه البخاري ومسلم»
حُسنه صلى الله عليه وسلم
لقد وُصِفَ بأنه كان مشرباً حمرة وقد صدق من نعته بذلك، ولكن إنما كان المشرب منه حُمرة ما ضحا للشمس والرياح، فقد كان بياضه من ذلك قد أشرب حمرة، وما تحت الثياب فهو الأبيض الأزهر لا يشك فيه أحد ممن وصفه بأنه أبيض أزهر ... يعرف رضاه وغضبه وسروره في وجهه وكان لا يغضب إلا لله، كان إذا رضى أو سُرّ استنار وجهه فكأن وجهه المرآة، وإذا غضب تلون وجهه واحمرت عيناه. ..
عن عائشة رضي الله عنها قالت: ﴿ استعرت من حفصة بنت رواحة إبرة كنت أخيط بها ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبتها فلم أقدر عليها، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبينت الإبرة لشعاع وجهه ..﴾ « أخرجه ابن عساكر»
أم معبد تَصِفُ رسول الله صلى الله عليه وسلم:
﴿رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلَجَ الوجهِ"أي مُشرِقَ الوجه"،لم تَعِبه نُحلَة "أي نُحول الجسم" ولم تُزرِ به صُقلَة "أنه ليس بِناحِلٍ ولا سمين"، وسيمٌ قسيم "أي حسن وضيء"، في عينيه دَعَج "أي سواد"، وفي أشفاره وَطَف" طويل شعر العين" وفي صوته صحَل" بحَّة و حُسن"، و في عنقه سَطع"طول"، وفي لحيته كثاثة "كثرة شعر"، أزَجُّ أقرَن "حاجباه طويلان ومقوَّسان ومُتَّصِلان"، إن صَمَتَ فعليه الوقار، و إن تَكلم سما و علاهُ البهاء، أجمل الناس و أبهاهم من بعيد، وأجلاهم و أحسنهم من قريب، حلوُ المنطق، فصل لا تذْر ولا هذَر كلامه بَيِّن وسط "ليس بالقليل ولا بالكثير"، كأنَّ منطقه خرزات نظم يتحَدَّرن، رَبعة ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، لا يأس من طول، ولا تقتَحِمُه عين من قِصر، غُصن بين غصين، فهو أنضَرُ الثلاثة منظراً، وأحسنهم قَدراً، له رُفَقاء يَحُفون به، إن قال أنصَتوا لقوله، وإن أمَرَ تبادروا لأمره، محشود محفود أي عنده جماعة من أصحابه يطيعونه، لا عابس ولا مُفَنَّد غير عابس الوجه، وكلامه خالٍ من الخُرافة﴾
كان علي رضي الله عنه إذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ أجود الناس صدراً وأصدق الناس لهجة وألينهم عريكة، وأكرمهم عشيرة ، من رآه بديهةً هابه ، ومن خالطه معرفةً أحبه، يقول ناعِته لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم ﴾ «أخرجه الترمذي وابن سعد»
هند بن أبي هالة يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم :
قال هند بن أبى هالة‏:‏﴿ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه ـ لا بأطراف فمه ـ ويتكلم بجوامع الكلم، فصلاً، لا فضول فيه ولا تقصير، دمثاً ليس بالجافي ولا بالمهين، يعظم النعمة وإن دقت، لايذم شيئاً، ولم يكن يذم ذواقاً ـ ما يطعم ـ ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها ـ سماحة ـ وإذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام‏.‏ وكان يخزن لسانه إلا عما يعنيه، يؤلف أصحابه ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره‏.‏ ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر، غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، ولا يجاوزه إلى غيره‏؛الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة‏؛كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن ـ لا يميز لنفسه مكاناً ـ إذا انتهي إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه ، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق متقاربين، يتفاضلون عنده بالتقوي، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم ـ لا تخشي فلتاته ـ يتعاطفون بالتقوي، يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويؤنسون الغريب‏؛كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صَخَّاب، ولا فحاش، ولا عتاب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يقنط منه‏.‏ قد ترك نفسه من ثلاث‏:‏ الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث‏:‏ لا يذم أحداً، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رءوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا‏.‏ لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، يقول‏:‏ إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ‏﴾.
‏لقد آتاه الله ما لم يؤت أحدًا من العالمين، واختاره على جميع الأولين والآخرين، فصلوات الله عليه دائمة إلى يوم الدين.
في ختام هذا العرض لبعض صفات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الخلقية التي هي أكثر من أن يحيط بها كتاب لا بد من الإشارة إلى أن تمام الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم هو الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى خلق بدنه الشريف في غاية الحسن والكمال على وجه لم يظهر لآدمي مثله.
اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على عبدك وابن عبدك وابن أمتك، صفوة خلقك وخليلك الرحمة المهداة، نبيك ورسولك الأمين محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي، مادامت السموات والأرض وبقية الحياة في هذا الكون، منذ أن خلقت الخلق وإلى أن تقوم الساعة، صلاة وسلاماً ترضيك عنا وتليق بقدره الطاهر عندك، وبالقدر الذي أمرت به بقولك الحق: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾﴿الأحزاب:56﴾ وأجعلها شاهدة لنا لا علينا، وأغنمنا شفاعته صلى الله عليه وسلم يوم البعث وساعة الحشر ويوم يقوم الناس من القبور، ولا تحرمنا لذة النظر إليك، وجواره الكريم في جنة الخلد، صلواتك ربي وسلامك عليه وعلى آله وأصحابه أجميعن ونحن معهم يا رب العالمين. آمين.

أزواجه صلى الله عليه وسلم
1- خديجة بنت خويلد:
تزوجها وهو في خمس وعشرين من عمره، وهي في الأربعين، وهي أول من تزوجها من النساء، ولم يتزوج عليها غيرها، وكان له منها أبناء وبنات، أما الأبناء ، فلم يعش منهم أحد ، وأما البنات فهن‏:‏ زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة؛ توفيت رضي الله عنها في شهر رمضان في السنة العاشرة من النبوة، ولها خمس وستون سنة على أشهر الأقوال، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في الخمسين من عمره‏.‏
2- سودة بنت زمعة:
كانت زوجة لإبن عمهايقال له‏:‏ السكران بن عمرو، فمات عنها؛ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال سنة عشر من النبوة، ‏.‏ توفيت بالمدينة في شوال سنة54هـ ‏.‏
3- عائشة بنت أبي بكر الصديق:
تزوجها في شوال سنة إحدى عشرة من النبوة، بعد زواجه بسودة بسنة، وقبل الهجرة بسنتين وخمسة أشهر، تزوجها وهي بنت ست سنين، ودخل بها في شوال بعد الهجرة بسبعة أشهر في المدينة، وهي بنت تسع سنين، وكانت بكراً ولم يتزوج بكراً غيرها، وكانت أحب الخلق إليه، وأفقه نساء الأمة، وأعلمهن على الإطلاق، فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ‏.‏ توفيت في 17رمضان سنة 57هـ أو 58 هـ ودفنت بالبقيع‏.‏
4- حفصة بنت عمر بن الخطاب:
تأيمت من زوجها"مات عنها" خنيس بن خذافة السهمي بين بدر وأحد ،فلما حلت تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة 3هـ توفيت في شعبان سنة 45هـ بالمدينة ،ولها ستون سنة،ودفنت بالبقيع‏.‏
5- زينب بنت خزيمة:
من بنى هلال بن عامر بن صعصة، وكانت تسمى أم المساكين، لرحمتها أياهم ورقتها عليهم، كانت تحت عبد الله بن جحش، فاستشهد في أحد، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة 4 هـ ‏.‏ ماتت بعد الزواج بنحو ثلاثة أشهر في ربيع الآخر سنة 4هـ ، فصلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم ودفنت بالبقيع‏.‏
6- أم سلمة هند بنت أبي أمية:
كانت تحت أبي سلمة،وله منها أولاد، فمات عنها في جمادى الآخر سنة 4 هـ، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال بقين من شوال السنة نفسها، وكانت من افقه النساء وأعقلهن‏.‏ توفيت سنة 59هـودفنت بالبقيع، ولها 84 سنة‏.‏
7- زينب بنت جحش بن رباب:
من بنى أسد بن خزيمة، وهي بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تحت زيد بن حارثة - الذي كان يعتبر ابنا للنبي صلى الله عليه وسلم بالتبنى فطلقها زيد، فلما انقضت العدة أنزل الله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ ‏‏فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ‏﴿الأحزاب‏:‏ 37‏﴾ وفيها نزلت من سورة الأحزاب آيات فصلت قضية التبني ؛تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة‏.‏ وقيل‏:‏ سنة 4هـ، وكانت أعبد النساء وأعظمهن صدقة، توفيت سنة 20هـ ولها 53 سنة‏.‏ وكانت أول أمهات المؤمنين وفاة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى عليها عمر بن الخطاب، ودفنت بالبقيع‏.‏
8- جويرية بنت الحارث:
سيد بنى المصطلق من خزاعة، كانت في سبي بنى المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابتها، وتزوجها في شعبان سنة 6 هـ‏.‏ وقيل‏:‏ سنة 5هـ، فأعتق المسلمون مائة أهل بيت من بني المصطلق، وقالوا أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت أعظم النساء بركة على قومها‏.‏ توفيت في ربيع الأول سنة 56هـ، ولها 65 سنة‏.‏
9- أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان:
كانت تحت عبيد الله بن جحش فولدت له حبيبة فكنيت بها، وهاجرت معه إلى الحبشة، فارتد عبيد الله وتنصر، وتوفي هناك، وثبتت أم حبيبة على دينها وهجرتها، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أميه الضمري بكتابه إلى النجاشي في المحرم سنة 7 هـ‏.‏ خطب عليه أم حبيبة فزوجها إياه وأصدقها من عنده أربعمائة دينار، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة‏.‏ دخل بها صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من خيبر‏.‏ توفيت سنة 42 هـ.
10- صفية بنت حيي بن أخطب :
سيد بن النضير من بنى إسرائيل كانت من سبي خيبر، فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، وعرض عليها الإسلام فأسلمت، فأعتقها وتزوجها بعد فتح خيبر سنة 7هـ، ودخل بها بسد الصهباء على بعد 12 ميلا من خيبر في طريقه إلى المدينة‏.‏ توفيت سنة 50 هـ ودفنت بالبقيع‏.‏
11- ميمونة بنت الحارث:
أخت أم الفضل لبابة بنت الحارث، تزوجها في ذي القعدة سنة 7 هـ، في عمرة القضاء، بعد أن حل من عمرته‏.‏ ودخل بها بسرف على بعد 9 أميال من مكة، وقد توفيت بسرف سنة 61 هـ ودفنت هناك، ولا يزال موضع قبرها معروفا‏.‏
فهؤلاء إحدى عشرة سيدة تزوج بهن الرسول صلى الله عليه وسلم ودخل بهن وتوفيت منهن اثنتان - خديجة وزينب أم المساكين - في حياته، وتوفي هو عن التسع البواقي‏.‏ وأما الاثنتان اللتان لم يدخل بهما، فواحدة من بنى كلاب، وأخرى من كندة، وهي المعروفة بالجونبة.
وأما السراري فالمعروف أنه تسرى باثنتين هما:
مارية القبطيةالمصرية:
أهداها له المقوقس، فأنجبت له إبراهيم، الذي توفي صغيرا بالمدينة في حياته صلى الله عليه وسلم في 28 أو 29 من شهر شوال سنة 10 هـ وفق 27 يناير سنة 632م‏.‏
ريحانة بنت زيد النضرية أو القرظية:
كانت من سبايا قريظة، فاصطفاها لنفسه، وقيل‏:‏ بل هي من أزواجه صلى الله عليه وسلم أعتقها فتزوجها‏.‏ والقول الأول رجحه ابن القيم‏.‏

أولاده صلى الله عليه وسلم
وله صلى الله عليه وسلم من البنين ثلاثة:
1- القاسم: وبه كان يكنى، ولد بمكة قبل النبوة، ومات بها وهو ابن سنتين.
2- عبد الله: ويسمى الطيب والطاهر، لأنه ولد في الإسلام.
3- إبراهيم : ولد بالمدينة، ومات بها سنة عشر، وهو ابن سبعة عشر شهرًا أو ثمانية عشر.
وله صلى الله عليه وسلم من البنات أربعة :
1- زينب: وهي كبرى بنات الرسول صلى الله عليه وسلم ولدت لما كان عمر الرسول 30 سنة أي بعد خمس سنوات من زواجه، وعاشت حتى ادركت الاسلام وهاجرت مع الرسول الى المدينة، وكانت وفاتها سنة ثمان من الهجرة، وكانت متزوجة من ابن خالتها ابي العاص بن الربيع وولدت له عليا وأمامة.
2- رقية : الثانية بعد زينب، ولدت لما كان عمر الرسول 33 سنة، وعاشت حتى أدركت الإسلام وتزوجها عثمان بن عفان وهاجر بها الهجرتين الى الحبشة وكانت جميلة، وعندما عاد الى المدينة توفيت يوم بدر في السنة الثانية من الهجرة. وقد ولدت لعثمان رضي الله عنه عبد الله ،و مات وله ست سنوات .
3- أم كلثوم: الثالثة بعد زينب ورقية وتزوجها عثمان بن عفان ايضا- ولذلك سمي بذي النورين- عام ثلاث من الهجرة، وماتت سنة تسع من الهجرة؛ولم تلد له.
4- فاطمة: كانت ولادتها لما بلغ الرسول من العمر 41 عاما، وقد قال ابن الجوزي بأنها ولدت قبل النبوة بخمس سنوات، فعاشت حتى تزوجت من علي رضي الله عنهما في السنة الثانية من الهجرة، وكان عمرها آنذاك 15 سنة ونصف السنة تقريبا، وكان علي في الحادية والعشرين.وفاطمة كانت محبوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت حاضرة معه دائما، واذا سافر فإنها آخر من يودعهم رسول الله، واذا قدم فإنها أول من يستقبل الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك كان يقول:﴿فاطمة بضعة مني، فمن اغضبها فقد اغضبني﴾«رواه البخاري» وكانت تلقب بـ"أم أبيها"؛عاشت بعد رسول الله ستة اشهر فقط ثم توفيت وكان رسول الله قد اشار بأنها اول الناس لحوقا به من اهله، وقد انجبت الحسن والحسين ومحسن الذي مات صغيرا،وزينب ؛ وأم كلثوم .
أخلاقه صلى الله عليه وسلم
لقد خلق الله الخلق واصطفى من الخلق الأنبياء ، واصطفى من الأنبياء الرسل واصطفى من الرسل أولي العزم الخمسة ، واصطفى من الخمسة إبراهيم ومحمداً عليهما الصلاة والسلام واصطفى محمداً على جميع خلقه .
زكاه ربه عز وجل في كل شيء :
زكَّاه في عقله فقال جل وعلا : ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ﴿ النجم: 2﴾
زكَّاه في بصره فقال جل وعلا : ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾ ﴿النجم: 17﴾
زكَّاه في صدره فقال جل وعلا : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك َ﴾ ﴿ الشرح:1 ﴾
زكَّاه في ذكــره فقال جل وعلا : ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ ﴿الشرح: 4﴾
زكَّاه في طهره فقال جل وعلا : ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾ ﴿الشرح: 2﴾
زكَّاه في صدقه فقال جل وعلا : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾ ﴿ النجم: 3﴾
زكَّاه في علمه فقال جل وعلا : ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾ ﴿ النجم: 5﴾
زكَّاه في حلمه فقال جل وعلا : ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿التوبة:128﴾
زكَّــاه كلــــــه فقال جل وعلا : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ القلم: 4 ﴾

وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾﴿الأحزاب:21﴾ إعلام من الله تعالى لعباده المؤمنين بما أوجب عليهم من الاقتداء برسوله الذي كمله خَلْقًا وخُلٌُقَا، وشرفه أصلاً ومحتدًا، ورفعه منزلةً وقدرًا، حتى لا تأنف النفوس في اتباعه, والاقتداء به في كل ما هو في استطاعتها التّحَلِّي به، والتقرب إلى ربها عز وجل باتباعه والاقتداء به .
قال الله تعالى:﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾﴿آل عمران: 159﴾.
وقال تعالى:﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِين رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ﴿التوبة: 128﴾ وقال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ ﴿الأنبياء: 107﴾.
قالت عائشة لما سئلت رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت:﴿ كان خلقه القرآن﴾«رواه مسلم»؛ فهذه الكلمة العظيمة من عائشة رضي الله عنها ترشدنا إلى أن أخلاقه صلى الله عليه وسلم هي اتباع القرآن، وهي الاستقامة على ما في القرآن من أوامر ونواهي، وهي التخلق بالأخلاق التي مدحها القرآن العظيم وأثنى على أهلها والبعد عن كل خلق ذمه القرآن. قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: ومعنى هذا أنه صلى الله عليه وسلم صار امتثال القرآن أمراً ونهياً سجيةً له وخلقاً.... فمهما أمره القرآن فعله ومهما نهاه عنه تركه، هذا ما جبله الله عليه من الخُلق العظيم من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم وكل خُلقٍ جميل... ولقد جمع الله جل وعلا فى شخص الحبيب المصطفى أشخاصاً كثيرة ومتعددة فى آن واحد .
فهو رسول من عند الله يتلقى الوحى من السماء ليربط السماء بالأرض بأعظم رباط وأشرف صلة !!
وهو رجل سياسة من طرازٍ فريد ، يقيم أمةٌ ودولةً من فتات متناثر فإذا هى بناء شامخ لا يطاوله بناء تذل الأكاسرة ، وتهين القياصرة ، وتغير مجرى التاريخ فى فترة لا تساوى فى حساب الزمن شيئاً !!
وهو رجل حرب من طراز أوحد ، يقود الجيوش ، ويخطط للمعارك ، ويتخذ غرفةً العمليات عن بعد من أرض المعركة وهذا لم يعلمه التاريخ إلاَّ فى القرن الحالى ، وقام ليختار القادة فاختار قائداً للميمنة وقائداً للميسرة ، بل ولما انفضت الجموع فى حُنَين قام الحبيب المصطفى رافعاً سيفه فى ساحة الوغى وميدان البطولة والشرف ، ذالكم الميدان الذى تصمت فيه الألسنة الطويلة ، وتخطب فيه السيوف والرماح على منابر الرقاب .
وقف الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يوم أن انفض الأبطال والقادة ليعلن بأعلى صوته قائلاً : ﴿ أنا النبى لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ؛اللهم نزّل نصرك ﴾
قال البراء : ﴿كنا والله إذا احمرَّ البأسُ نتَّقى به وإن الشجاع منا الذى يحاذى به﴾ يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم « رواه البخاري ومسلم والترمذى»
وهو أب وزوجٌ ورب أسرة كبيرة تحتاج إلى كثيرٍ من النفقات ، من نفقات الفكر .. من نفقات الشعور .. من نفقات التربية .. من نفقات النصح .. فضلا عن نفقات المال .
فيقوم الحبيب المصطفى بهذا الدور على أعلى نسقٍ شهدته الأرض ، وعرفه التاريخ
وهو إنسانىٌ من طراز فريد كأنه ما خلق إلا ليزيل الدموع ، كأنه ما خلق إلا ليمسح الآلام عن القلوب .. يمنح الناس وقته ، وفكره ، وعقله ، وماله ، ونصحه ، وروحه وشعوره كأنه ما خلق إلا ليسعد الناس فى الدنيا قبل الآخرة .
وهو قبل كل ذلك ، وبعد كل ذلك قائم على أعظم وأشرف دعوة شهدتها الأرض ، أخذت عقله وفكره ، وروحه ، ودمه .
فيقوم المصطفى بهذه الأدوار كلها كأنه ما خلق إلا لكل دورٍ من هذه الأدوار ، ليقوم به على أعلى نسق وأكمل صورة .
عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يُقيم به الملة والعوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلفًا﴾«رواه البخاري»
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز في قومه بخلال عذبة وأخلاق فاضلة، وشمائل كريمة، فكان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأعزهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم حديثًا، وألينهم عَرِيكة، وأعفهم نفسًا وأكرمهم خيرًا، وأبرهم عملا، وأوفاهم عهدًا، وآمنهم أمانة حتى سماه قومه‏:‏ "‏‏الصادق الأمين" لما جمع فيه من الأحوال الصالحة والخصال المرضية، وكان كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها يحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويقرى الضيف، ويعين على نوائب الحق‏.‏ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلاأنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت﴾« رواه مسلم»
ويقول أنس: ﴿والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته: لم فعلت كذا وكذا، أو لشيء تركته: هلا فعلت كذا وكذا﴾« رواه مسلم»
وفي رواية لأحمد﴿ما قال لي فيها أف﴾.
وعن أبي أُمَامَة الباهِليِّ رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ﴿أَنا زَعِيمٌ ببَيتٍ في ربَضِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِراءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقّاً، وَببيتٍ في وَسَطِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وإِن كَانَ مازِحًا، وَببيتٍ في أعلى الجَنَّةِ لِمَن حَسُنَ خُلُقُهُ﴾ «رواه أبو داود بإسناد صحيح».
وسُئل صلى الله عليه وسلم عن البر، فقال:﴿حسن الخلق﴾ « أخرجه مسلم».
أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله
تمثل خلق العشرة بالمعروف عند النبي صلى الله عليه وسلم :
1- لم تعرف المرأة عشرة زوجية بالمعروف ، كما تعنيه هذه العشرة من كمال لأحد من البشر كما عرفته لرسول الله صلى الله عليه وسلم المبين للقرآن بحاله وقاله وأفعاله؛ حيث كان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم معهن أنه جميل العشرة ، دائم البشر ، يداعب أهله ويتلطف بهم ، ويوسعهم نفقته ، ويضاحك نساءه ، حتى أنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - في البرية في بعض سفراته يتودد إليها بذلك ، قالت : سابقني رسول الله فسبقته وذلك قبل أن أحمل اللحم ، ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني فقال : ﴿ هذه بتلك ﴾ وكان يجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها ، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار ، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام يؤنسهم بذلك صلى الله عليه وسلم ولقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم وسلم معيار خيرية الرجال في حسن عشرة الزوجات فقال :﴿خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي﴾« رواه الترمذى» . وذلك لأن التَّصنُّع والتظاهر بمكارم الأخلاق يضعف حين يشعر الإنسان بأن له سلطة ونفوذاً ، ثم يشتد ضعفاً حينما تطول معاشرته لمن له عليه السلطة ، فإذا ظل الإنسان محافظًا على كماله الخُلقي في مجتمع له عليه سلطة ، وله معه معاشرة دائمة ومعاملة مادية وأدبية ، فذلك من خيار الناس أخلاقًا .
فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم خير الناس لأهله ، فإن معاشرته لهم لا بد أن تكون مثالية حقًا ، في كل ما تعنيه الخيرية من كمال خُلُقي في السًّلوك ، والتَّعامل ؛ من محبة وملاعبة ، وعدل ورحمة ، ووفاء ، وغير ذلك مما تقتضيه الحياة الزوجية في جميع أحوالها وأيامها ، كما أوضحت ذلك كتب السنة والشمائل والسيرة ، وذلك هو ما دلت عليه السنة المشرفة بأحاديثها الكثيرة من سلوكه صلى الله عليه وسلم معهن ومعاملته لهن .

أ ) فعن محبته لهن يحدِّث أنس بن مالك - رضي الله عنه - فيقول :
- ﴿ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حُبِّبَ إليَّ من الدنيا : النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة ﴾« رواه أحمد وغيره» .
- وسأله عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قائلاً : ﴿ يا رسول الله من أحبَّ الناس إليك ؟ قال :عائشة؛ قال : من الرجال ؟ قال : أبوها﴾ « رواه الترمذي ».
ب ) وأما ملاعبته أهله فتحدثنا عنها عائشة - رضي الله عنها - فتقول :
** كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحبُ يلعبن معي فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن - أي يتغيَّبن - منه فيُسرِّبُهن إلي فيلعبن معي«رواه البخاري»
** وقالت عائشةرضي الله عنها:﴿ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد ، فزجرهم عمر رضي الله عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعهم ، أمنًا بني أرفِدة "يعني من الأمن﴾ «رواه البخارى» .
وفي لفظ قالت : ﴿ لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على باب حِجرتي ،والحبشة يلعبون بِحِرابهم ، في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه ، لكي أنظر إلى لعبهم ، ثم يقوم من أجلي حتى أكونَ أنا الَّتي أنصرف ، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن ، الحريصة على اللهو﴾ .
** وقد مر حديث مسابقته صلى الله عليه وسلم لعائشة - رضي الله عنها - الدال على لعبه صلى الله عليه وسلم مع نسائه بنفسه الشريفة تلطُّفًا بهن ، وتأنيسًا لهن ، لكريم عشرته وعظيم رأفته ورحمته .
** ومن حسن عشرته وكريم خُلقه صلى الله عليه وسلم ما أفادته السيدة عائشة - رضي الله عنها - بقولها : ﴿ كنتُ أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب ، واتعرق العَرْقَ وأنا حائض ، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فِيَّ ﴾ «رواه مسلم» وفي رواية : ﴿ كنت أتعرق العَرْق وأنا حائض فأعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه ، وكنت أشرب من القدح فأناوله إياه فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب﴾
ج ) وأما حلمه صلى الله عليه وسلم عن إساءتهن وصبره على أذيتهن فهو في
ذلك المثل البشري الأعلى ، بحيث لم يسمع بأحد كان أحلم عن نسائه كما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك مع عظيم جنابه ، ورفيع قدره ، وسُموِّ منزلته عند الله تعالى وعند الناس ، فمن ذلك ما يلي :
** عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : ﴿ كنا معشر قريش نغلبُ النساء ، فلمَّا قدمنا على الأنصار ، إذا قوم تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار ، قال : فصخَبتُ على امرأتي فراجعتني ، فأنكرت أن تراجعني ، قالت : ولم تنكر أن أراجعك ؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه ، وإن إحداهن لتهجره اليوم إلـــى الليل ، قال : فأفزعني ذلك وقلت لها : قد خاب من فعل ذلك منهن ، قال : ثم جمعت عليَّ ثيابي فنزلت فدخلت على حفصة فقلت لها : أي حفصة ، أتغاضب إحداكُنَّ النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل ؟ قالت : نعم ، قال : فقلت: قد خبتِ وخسرت ، أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فتهلكي ؟ ...﴾«رواه البخاري» . فانظر كيف انزعج عمر - رضي الله عنه - من مراجعة بسيطة راجعته بها زوجته ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقبل مراجعة نسائه ، بل ويتحمل غضبهن عليه ، حتى يَهجرنه من الكلام ، وهو النبي الكريم والإمام العظيم ، وما ذلك إلا لعظيم حلمه وبالغ صبره صلى الله عليه وسلم
** والأعجب من ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان مع ذلك الحال يلاطفهن في القول ، وكأنه لم يصدر منهن شيء ذو بال ، فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إني لأعلم إذا كنتِ عنِّي راضية ، وإذا كنت علي غضبى؛ قالت : فقلت : من أين تعرف ذلك ؟ فقال : أما إذا كنتِ عنِّي راضية فإنك تقولين : لا ورب محمد ، وإذا كنت غضبى قلت : لا ورب إبراهيم؛ قالت : قلتُ أجل والله يا رســـــول الله ، ما أهجر إلا اسمك ﴾«رواه البخاري»
** وعن أنس - رضي الله عنه - قال :﴿ كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمُّهات المؤمنين بصحفة فيها طعام ، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم ، فسقطت الصحفة ، فانفلقت فجمع النبيصلى الله عليه وسلم فِلق الصحفة ، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ، ويقول :" غارت أمُّكم" ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها ، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها ، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت﴾ . «رواه البخاري» .فانظر إلى مبلغ حلمه صلى الله عليه وسلم على أزواجه ، حيث تظلُّ إحداهن هاجرة له اليوم كله حتى تهجر اسمه الشريف ، وتستطيل إحداهن بيدها بين يديه على ما يخالف الواجب في حقه صلى الله عليه وسلم ومع ذلك فهو يُغضي عن ذلك ويحلم ويصبر ويصفح ، وهو القادر على أن يفارقهن ، فيبدله ربه خيرًا منهن مسلمات مؤمنات قانتات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً ، كما وعده ربه سبحانه إن هو طلَّقهن ، ولكنه كان رؤوفًا رحيمًا ، يعفو ويصفح ولا يزيده كثرة الجهل عليه إلا حلما
د ) وأما الوفاء لهن: فقدبلغ من وفائه لزوجته السيدة خديجة- رضى الله عنها- أن غارت منها عائشة - رضي الله عنها - وهي لم تدركها ولم تضارها حتى قالت : ﴿ ما غِرت على امرأة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما غرت على خديجة لكثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها وثنائه عليها ﴾«رواه البخاري»
ومن صور وفائه معهن أنه صلى الله عليه وسلم لما نزلت آية التخيير :﴿ يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلاً ﴾﴿الأحزاب : 21 ﴾ بدأ بعائشة وقال لها : ﴿ إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك ...« رواه البخارى » . خشية منه أن تختار زينة الحياة الدنيا لصغر سنها ، فتخسر الخير الكثير في الدنيا والآخرة ، لكنها كانت أحرص على خير نفسها من أبويها ، فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ أفي هذا أستأمر أبويَّ ؟! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ؛ ما ستقرأ الحُجَر البيوت﴾ يخبر نساءه ويقول لهن : ﴿ إن عائشة - رضي الله عنها - قالت : كذا وكذا فقلن : ونحن نقول مثل ما قالت عائشة - رضي الله عنهن – كلهن
وكانت عائشة - رضي الله عنها - قد قالت له بعد ما أختارت الله ورسوله : وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترتُ ، فقال صلى الله عليه وسلم ﴿ إن الله لم يبعثني مُعَنِّتاً ولا متعنتاً ، ولكن بعثني معلماً ميسراً ، لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتهـــا ﴾« متفق عليه ».
فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة ، وذلك يدل على أنهن - رضي الله عنهن - كنَّ قد تخلَّقن بأخلاق النبوة ، فأصبحن يخترن ما اختاره صلى الله عليه وسلم لنفسه من الزهادة في الدنيا ، والرغبة في الآخرة ، وذلك لبالغ تأثرهن بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت محل العظمة والكمال.
هـ) أما عدله صلى الله عليه وسلم بين أزواجه :عدل ناشىء عن الشعور بالمسؤولية ، ومن فِطرة الله تعالى له على الحق والعدل وبعثه بهما :
** فقد كان صلى الله عليه وسلم كما قالت عائشة - رضي الله عنها - : ﴿ لا يفضِّل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا ، وكان قلَّ يوم يأتي إلا وهو يطوف علينا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبغ إلى التي هو يومُها فيبيت عندها ﴾« رواه أبوداود».
** ولم يكن يتغير حاله صلى الله عليه وسلم في العدل تبعًا لتغير أحواله سفرًا وحضرًا ، بل لقد كان يعدل في سفره كما يعدل في حضَره ، كما قالت عائشة رضي الله عنها: ﴿ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيَّتهُن خرج سهمُها خرج بها معه ، قالت : وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها ، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة - رضي الله عنها - زوج النبي صلى الله عليه وسلم تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴾ « رواه البخارى» .تعني بذلك لمَّا كبرت ، وأضحت لا إربة لها في الرجال .
**وكان من عدله صلى الله عليه وسلم بينهن أنه كان إذا تزوج ثيِّبًا أقام عندها ثلاثًا لإيناسها ، ثم يقسم لها كسائر نسائه ، كما روت أم سلمةرضي الله عنها ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام عندها ثلاثًا ، وقال لها :﴿إنه ليس بك على أهلك هوان ، إن شئتِ سبَّعت لك - أي : أقمت عندك سبعاً - وإن سبَّعت لك سبَّعت لنسائي؛ قالت : " ثلِّث" ﴾«رواه مسلم ».
** ولقد بلغ به الحال في عدله صلى الله عليه وسلم أنه لم يفرِّط فيه حتى في مرض موته ، حيث كان يُطاف به عليهن في بيوتهن كل واحدة في نوبتها ، قالت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - :﴿ لمَّا ثقُل النبي صلى الله عليه وسلم واشتد به وجعه استأذن أزواجه في أن يمرَّض في بيتي فأذنَّ له..... ﴾الحديث « رواه البخارى »
** وفي رواية قالت : ﴿ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسأل في مرضه الذي مات فيه : أين أنا غدًا ؟ يريد يوم عائشة ، قالت : فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء ، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها ، قالت : فمات في اليوم الذي كان يدور عليَّ فيه في بيتي ، فقبضه الله وإن رأسه لبين نَحْري وسَحْري وخالط ريقه ريقي﴾« رواه البخاري» .
** ومع ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من كمال العدل بين نسائه في كل ما يقدر عليه مما هوفى يده فإنه مع ذلك كان يعتذر إلى الله تعالى فيما لا يقدر عليه مما هو خارج عن نطاق التكليف ، كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها:﴿ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ويقول :"اللَّهم هذا قسمي فيما أملك ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"﴾«رواه أبو داود » وهو يعني بذلك القلب كما فسَّره به أبو داود ، وقيل : يعني الحب والمودة ، كما فسره الترمذي ، والمعنى : أن القسمة الحسِّية قد كان صلى الله عليه وسلم يوفِّي بها على الوجه الأكمل لأنها بيده ، لكن القلب بيد الله ، وقد جعل فيه حب عائشة أكثر من غيرها ، وذلك خارج عن قدرته وإرادته ؛ ومع ذلك فهو يضرع إلى الله أن لا يلومه على ما ليس بيده ، مع أن الأمر القلبي لا يجب العدل فيه ، وإنما العدل في المبيت والنفقة ، ولكن هذا من باب قول الله تعالى : ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ﴾ ﴿المؤمنون : 60 ﴾.مما يدل على أن أمر العدل بين الزوجات خطير كما بينه صلى الله عليه وسلم في حديث آخر حيث قال :﴿من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشــِقه ساقط" وفي رواية مائل" ﴾«رواه أبو داود وغيره» .
وفي عشرة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه أسوة للمؤمنين ، وعليهم معرفتها والتأسي بها لقول الله تعالى: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ﴾ ﴿الأحزاب : 21 ﴾ لأن فعله صلى الله عليه وسلم كقوله وتقريره ، تشريع لأمته ، وهدى لهم ، يجب عليهم الاقتداء به ما لم يكن الفعل خاصاً به ؛ ولقد حث صلى الله عليه وسلم الرجال على حسن معاشرة أزواجهم ؛ودلهم إلى ما تنبغي أن تكون عليه العشرة الزوجية بقوله ، كما دلهم على ذلك بفعله ، والثابت عنه صلى الله عليه وسلم في هذا الباب أحاديث كثيرة أقتطف منها ما يأتي من ذلك :
** ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:﴿استوصوا بالنساء خيرًا فإن المرأة خلقت من ضِلَع ، وإن أعوج ما في الضِّلَع أعلاه ، فإذا ذهبت تقيمه كسرته ، وإن تركته لم يزل أعوج ، فاستوصوا بالنساء خيراً ﴾ . وفي رواية عند مسلم : ﴿ وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها ﴾
فانظر كيف جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الوصية بهنَّ وبيان حقيقتهن ، ليكون ذلك أدعى إلى قبول وصيته ، لأنه إذا كان طبعها العوج ، فإن من الواجب على الرجل أن يصبر عليها ولا يؤمل أن تكون مستقيمة على الصراط ، فإنها تصير إلى ما جُبِلت عليه .
** وما زال النبي صلى الله عليه وسلم يكرر هذه الوصية كلما حانت الفرصة ، ففي خطبة حجة الوداع أفرد لها جانبًا كبيرًا من خُطبته العظيمة حيث قال صلى الله عليه وسلم ﴿ألا واستوصوا بالنساء خيرًا ، فإنهن عوانُ - أي : أسيرات - عندكم ، ليس تملكون شيئاً غير ذلك ، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ، فإن فعلن ذلك فاهجروهن في المضاجع ، واضربوهن ضرباً غير مبرِّح ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً ، ألا وإن لكم على نسائكم حقاً ، ولنسائكم عليكم حقاً ، فأما حقُّكم على نسائكم فلا يوطئن فُرُشكم من تكرهون ، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون ، ألا وإن حقَّهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن﴾« رواه مسلم» .
وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرر وصيته بالنساء ، لما يعلمه من حالهن الذي بينه في الحديث السابق ، وهو الحال الذي قد لا يقدر على تحمُّله بعض الرجال الذين لا يملكون أنفسهم عند الغضب فيحمله عوج المرأة إلى أن يفارقها فيتفرَّق شمله ، وتَتَشتَّتُ أسرته وأهله .
ولذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم الأزواج في حديث آخر إلى ما فيه صلاح حاله مع أسرته بقوله :
** ﴿ لا يفرك - أي : لا يبغض - مؤمن مؤمنة ، إن كره منها خُلُقاً رضي منها آخر ﴾«رواه مسلم ».
** وقال لهم أيضاً : ﴿ إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلقاً وألطفهم بأهله ﴾« رواه الترمذي»
** وقال : ﴿ خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ﴾ .
** وقال : ﴿ كل شيء ليس من ذكر الله عز وجل فهو لهو ، أو سهو ، إلا أربع خصال : مشي الرجل بين الغَرضين ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته أهله ، وتعليم السباحة ﴾« رواه النسائى».
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة المعلومة الحاثة على انتهاج الأخلاق الحميدة مع الأهل والعشيرة .
تأديبه صلى الله عليه وسلم نساءه إذا اقتضى الأمر ذلك :
ومع تلك المعاشرة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتهجها مع أهله أمهات المؤمنين - رضي الله عنهن - : رحمة ورأفة وعطفاً وتلطفاً ، إلا أنها لم تكن على ذلك الحال في جميع الأحوال ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان حكيمًا يضع كل تصرف في مكانه اللائق به ، فحيث كانت تلك العشرة أجدى وأولى انتهجها ، فالنساء بما فطرن عليه من الاعوجاج ، وحدة العاطفة ، يحتجن حتماً إلى تقويم وتربية وتأديب ، ولأجل هذا خوَّل الله تعالى الرجال هذه المسؤولية حيث قال : ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا ﴾﴿النساء : 34﴾ ؛ والنبي صلى الله عليه وسلم في عشرته مع أهله لم يستغن عن اتخاذ هذا الأسلوب ليكون أسوة لأمته في التربية والتأديب
فإنه صلى الله عليه وسلم لما سأله نساؤه النفقة الخارجة عن حده ، وأردن التوسع في الدنيا ولذَّاتها خلاف ما اختاره لنفسه منها ، هجرهُنَّ وآلى من الدخول عليهن شهراً ، حتى أنزل الله تعالى عليه :
﴿ يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن واسرحكن سراحا جميلا* وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الاخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيما ﴾﴿الأحزاب : 28 - 29 ﴾ ، فخيَّرهن النبي صلى الله عليه وسلم في البقاء معه على الكفاف ، أوالمفارقة فاخترن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ؛ وهكذا كان عليه الصلاة والسلام إذا جد الجد في معاملته لهن ، بأن أخطأن خطأ لا يمكن التغاضي عنه ، وذلك بأن كان دينياً ، فإنه لا تأخذه في الإنكار عليهن وزجرهن في الله لومة لائم ، فكان يعظ ، ويوجِّه ، ويخوف ، ويغضب ، .. بحسب مقام كل قضية مما هو معلوم ولا يخفى أمره .
وهذا مما يدل على تكافؤ أخلاقه صلى الله عليه وسلم وتوازنها ، حيث يضع كل أمر في نصابه ومحله اللائق الذي لا ينبغي غيره ؛ولقد صدق المولى عزوجل فى قوله تعالى﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾﴿الأحزاب:21﴾
تواضعه صلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم عجيبا في ذلك، فتواضعه تواضع من عرف ربّه مهابة، واستحيا منه وعظمه وقدّره حقّ قدره، وعرف حقارة الجاه والمال والمنصب، فسافرت روحه الى الله وهاجرت نفسه الى الدار الآخرة، فما عاد يعجبه شيء مما يعجب أهل الدنيا، فصار عبدا لربه بحق؛ يتواضع للمؤمنين، يقف مع العجوز ويزور المريض ويعطف على المسكين، ويصل البائس ويواسي المستضعفين ويداعب الأطفال ويمازح الأهل ويكلم الأمة، ويواكل الناس ويجلس على التراب وينام على الثرى، ويفترش الرمل ويتوسّد الحصير، قد رضي عن ربّه، فما طمع في شهرة أو منزلة أو مطلب أرضي أو مقصد دنيوي، يكلم النساء بلطف، ويخاطب الغريب بودّ، ويتألف الناس ويتبسّم فـي وجـوه أصحابه يقول: ﴿إنما أنا عبد: آكل كما يأكل العبد واجلس كما يجلس العبد﴾ «أخرجه ابن أبي عاصم ، وابن سعد »
ولما رآه رجل ارتجف من هيبته قال:﴿هوّن عليك، فإني ابن امرأة كانت تاكل القديد بمكة﴾« أخرجه ابن ماجه والحاكم»القديد هو اللحم المجفف".
وكان يكره المدح، وينهى عن إطرائه ويقول﴿ لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبدالله ورسوله، فقولوا عبدالله ورسوله﴾«أخرجه البخاري» وكان ينهى أن يقام له، وأن يوقف على رأسه، وكان يجلس حيثما انتهى به المجلس، وكان يختلط بالناس كأنه أحدهم، ويجيب الدعوة ويقول:﴿ لو دعيت الى كراع لأجبت، ولو أهدي إليّ ذراع لقبلت﴾ «أخرجه البخاري». وكان يحب المساكين، ويروى عنه قوله:﴿ اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين﴾«أخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه».
وكـان يحـرّم الكبـر وينهـى عنـه، ويبغـض أهلــه ويقول: ﴿يحشرالمتكبرون يـوم القيامــة في صورة الذر، يغشاهم الذل من كل مكان﴾«أخرجه أحمد ، والترمذي» ويروي عن ربه أنه قال:﴿الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منها قذفته في النار﴾«أخرجه مسلم وأبو داود». فكان صلى الله عليه وسلم محببا الى القلوب: تأخذه الجارية بيده فيذهب معها، ويزور أم أيمن وهي مولاة ؛ وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:﴿ إن كانـت الأمة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت﴾ «رواه البخاري»
غضب لما قال له رجل: ما شاء الله وشئت، وقال:﴿ويحك! أجعلتني لله عدلا؟ بل ما شاء الله وحده﴾«أخرجه أحمد والنسائي».وكان يحمل حاجة أهله ويخصف نعله ويرقع ثوبه ويكنس بيته ويحلب شاته ويقطع اللحم مع أهله، ويقرّب الطعام لضيفه، ويباسط زوّاره ويسأل عن اخبارهم، ويتناوب ركوب الراحلة مع رفيقه، ويلبس الصوف ويأكل الشعير، وربما مشى حافيا، وينام في المسجد، ويركب الحمار، ويردف على الدابة، ويعاون الضعيف ويتفقد السرية، ويكون في آخرهم فيساعد من احتاج، ويرافق الوحيد منهم..
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:﴿ ما كان شخصٌ أحبُّ إليهم من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك﴾ «رواه أحمد والترمذي والبخاري»
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم. «رواه النسائي وصححه الألباني»
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم. «رواه الحاكم وصححه الألباني»
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحدٍ ولا يبغي أحد على أحد﴾«أخرجه مسلم»
صبره صلى الله عليه وسلم
فهو صلى الله عليه وسلم الصابر المحتسب في كل شأن من شؤون حياته، فالصبر درعه وترسه وصاحبه وحليفه، كلما أزعجه كلام أعدائه تذكّر ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَايَقُولُونَ ﴾ ﴿طه: 130﴾، وكلما بلغ به الحال أشدّه والأمر أضيقه تذكّر﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ﴿يوسف:18 ﴾ ، وكلما راعه هول العدو وأقضّ مضجعه تخطيط الكفار تذكّر﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾﴿ الأحقاف :35﴾.
وصبره صلى الله عليه وسلم صبر الواثق بنصر الله، المطمئن الى وعد الله، الراكن الى مولاه، المحتسب الثواب من ربّه جلّ في علاه، وصبره صبر من علم أن الله سوف ينصره لا محالة، وأن العاقبة له، وأن الله معه، وأن الله حسبه وكافيه، يصبر صلى الله عليه وسلم على الكلمة النابية فلا تهزه، وعلى اللفظة الجارحة فلا تزعجه، وعلى الإيذاء المتعمّد فلا ينال منه؛ مات عمه فصبر، وماتت زوجته فصبر، وقتل حمزة فصبر، وأبعد من مكة فصبر، وتوفي ابنه فصبر، ورميت زوجته الطاهرة فصبر، وكُذّب فصبر، قالوا عنه شاعر كاهن ساحر مجنون كاذب مفتر فصبر، أخرجوه، آذوه، شتموه، سبّوه، حاربوه، سجنوه.. فصبر، وهل يتعلّم الصبر إلا منه؟ وهل يُقتدى بأحد في الصبر إلا به؟ فهو مضرب المثل في سعة الصدر وجليل الصبر وعظيم التجمّل وثبات القلب، وهو إمام الصابرين وقدوة الشاكرين صلى الله عليه وسلم.قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ *إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾﴿ النحل:127؛128﴾
عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيًّا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه يقول:﴿ اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾« متفق عليه»
وعن أبي سعيد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنهما أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده﴿ ما يكن من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطى أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر﴾«متفق عليه »
رفقه صلى الله عليه وسلم
عن أنس رضي الله عنه قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد وأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يصيحون به: مه مه أي اترك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿لا تزرموه دعوه؛ لا تقطعوا بوله﴾، فترك الصحابة الأعرابي يقضي بوله، ثم دعا الرسول عليه الصلاة والسلام الأعرابي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي:إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:﴿إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين صبوا عليه دلوا من الماء. فقال الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدًا. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لقد تحجرت واسعًا، أي ضيقت واسعًا﴾«متفق عليه»
وفي قصة معاوية بن الحكم وقد عطس أمامه رجل في صلاته فشمته معاوية وهو يصلي فقال: فحدقني القوم بأبصارهم. فقلت: واثكل أماه مالكم تنظرون إليّ؟ قال: فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يسكتونني سكت.فلما انصرف رسول الله دعاني، بأبي هو وأمي، ما ضربني ولا نهرني ولا سبني، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه.«رواه النسائي »
وعن عائشة قالت: استأذن رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليكم! قالت عائشة: فقلت: بل عليكم السام واللعنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله. قالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: قد قلت: وعليكم﴾« متفق عليه».
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أمره، قال: ﴿بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا﴾« متفق عليه»
وعن أَبي قَتادَةَ الْحارِثِ بنِ ربْعي رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ﴿إِنِّي لأَقُومُ إِلَى الصَّلاةِ، وَأُرِيدُ أَنْ أُطَوِّل فِيها، فَأَسْمعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجوَّز فِي صلاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ﴾« رواه البخاري »
شجاعته صلى الله عليه وسلم
فهو الشجاع الفريد والصنديد الوحيد الذي كملت فيه صفات الشجاعة وتمّت فيه سجايا الإقدام وقوة البأس، وهو القائل:﴿ والذي نفسي بيده لوددت أنني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل﴾« أخرجه البخاري ومسلم»
فكان صلى الله عليه وسلم يخوض المعارك بنفسه ويباشر القتال بشخصه الكريم، يعرّض روحه للمنايا ويقدّم نفسه للموت، غير هائب ولا خائف، ولم يفرّ من معركة قط، وما تراجع خطوة واحدة ساعة يحمي الوطيس وتقوم الحرب على ساق وتشرع السيوف وتمتشق الرماح وتهوي الرؤوس ويدور كأس المنايا على النفوس، فهو في تلك اللحظة أقرب أصحابه من الخطر، يحتمون أحيانا وهو صامد مجاهد، لا يكترث بالعدوّ ولو كثر عدده، ولا يأبه بالخصم ولو قوي بأسه، بل كان يعدل الصفوف ويشجع المقاتلين ويتقدم الكتائب.
كان لرسول صلى الله عليه وسلم في الشجاعة القِدح المعلَّى، فكان أسرع الناس إلى العدو وأقربهم إليه، ولم يفرّ صلى الله عليه وسلم من أية معركة رغم شدتها والتحام الصفوف؛ فعن أبي إسحاق قال:﴿ جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم ولّيتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولَّى، ولكنه انطلق أخِفَّاء من الناس وحُسَّر إلى هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة، فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول:" أنا النبي لا كذب... أنا ابن عبد المطلب، اللهم نزِّل نصرك"﴾
قال البراء: كنا والله إذا احمرّ البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للَّذي يحاذي به، يعني النبي صلى الله عليه وسلم وكان صلى الله عليه وسلم إذا دهم المدينةَ خطر يكون أسرع الناس لاستجلائه، فعن أنس قال: ﴿كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: لن تُراعوا، لن تُراعوا، وهو على فرس لأبي طلحة عرى مـا عليه سرج، في عنقه سيف﴾ فقال: لقد وجدته بحراً أو إنه لبـحر؛ فلفرط شجاعته صلى الله عليه وسلم كان أول من انـطلق حتـى يستــجلي الأمر، حتـى إن أسـرع النـاس مـن بعـده لم يلحقه إلا وهو راجع، وذهب على فرس عري ليس عليه سرج والسيف في عنقه، فأي شجاعة هذه التي تجعل من صاحبها يقـدم بمـفرده ولا ينـتظر مـن يعاونه أو يساعده على هذا الوضع الصـعب؟!
وعـن جـابـر بـن عبـد الله رضي الله تعالى عنهما أخبر: أنـه غـزا مع رسـول الله صلى الله عليه وسلم قِبَلَ نـجد؛ فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل مـعـه، فـأدركتـهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سَمُرة فعلَّق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومة، ثم إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، فجئناه فإذا عنده أعرابـي جالس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صَلْتاً، فقال لي: من يمنعك منـي؟ قلـت: الله؛ فها هـو ذا جالـس، ثـم لم يعـاقبـه رسـول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الوضع الصعب حيث الرجل ممسك بالسيف، والرسول صلى الله عليه وسلم ليس معه سلاح، لكنه ظلَّ رابط الجـأش واثـقاً مـن معـية الله، ولـم يظهر منه خوف أو جزع، بل ثبات ويقـين. قـال ابن حـجر:وفي الحـديث فرط شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم وقوة يقينه وصبره على الأذى وحلمه عن الجهال.
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه -وهو من أبطال الأمة وشجعانها- قال: ﴿إنا كنا إذا اشتد بنا البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو﴾«رواه أحمد والطبراني والنسائي».
رحمته صلى الله عليه وسلم
وصفه ربه بقوله تعالى﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين﴾﴿الأنبياء:107﴾
قال الله تعالى :﴿ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِين رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾﴿ التوبة: 128﴾
قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾﴿آل عمران: 159﴾
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ﴿قيل يا رسول الله أدع على المشركين، قال: إني لم أُبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة﴾ «رواه مسلم»
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبى صلى الله عليه وسلم ‏ ﴿‏ هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏لقيت من قومكِ ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يالِيل بن عبد كُلاَل، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت ـ وأنا مهموم ـ على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقَرْنِ الثعالب ـ وهو المسمى بقَرْنِ المنازل ـ فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال‏:‏ إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم‏.‏ فناداني ملك الجبال، فسلم عليّ ثم قال‏:‏ يا محمد، ذلك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ـ أي لفعلت، والأخشبان‏:‏ هما جبلا مكة‏:‏ أبو قُبَيْس والذي يقابله، وهو قُعَيْقِعَان ـ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏‏ بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئا‏﴾«‏‏رواه البخاري» وفي هذا الجواب الذي أدلى به الرسول صلى الله عليه وسلم تتجلى شخصيته الفذة، وما كان عليه من الخلق العظيم ؛فيالها من رحمة كانت فى قلب من بعثه الله رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم وقال صلى الله عليه وسلم في فضل الرحمة: ﴿الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء﴾«رواه الترمذي وصححه الألباني».
وقال صلى الله عليه وسلم في أهل الجنة الذين أخبر عنهم بقوله:﴿ أهل الجنة ثلاثة وذكر منهم ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم﴾«رواه مسلم»
فهو رحمة للبشرية؛ورأى ولد إحدى بناته تفيض روحه، فبكى، فلما سئل عن ذلك قال: ﴿ هذه رحمة يضعها الله في قلب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباه الرحماء ﴾«أخرجه البخاري ومسلم »
وكان رحمة على القريب والبعيد، عزيز عليه أن يدخل على الناس مشقة، فكان يخفف بالناس مراعاة لأحوالهم، وربما أراد أن يطيل في الصلاة فيسمع بكاء الطفل فيخفف لئلا يشق على أمه. ولما بكت أمامة بنت زينب ابنته حملها وهو يصلي بالناس، فإذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها «أخرجه البخاري ومسلم ».
وسجد مرة فصعد الحسن على ظهره، فأطال السجود، فلما سلّم اعتذر للناس وقال: ﴿إن إبني هذا ارتحلني، فكرهت أن أرفع رأسي حتى ينزل﴾ «أخرجه أحمد والنسائي»
عن سهيل بن الحنظلية قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال:﴿ اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة؛ "المعجمة: التي لا تنطق"﴾«رواه أبو داود »
قال الله تعالى له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾﴿الأنبياء: 107﴾، فما أرسله ـ تعالى ـ إلا ليكون إرساله رحمة للعالمين جميعاً، فمن قَبِلَ رسالته فهو ممن رحمه الله ـ تعالى ـ ومن أعرض فعلى نفـسه جنى.
ولقد شـملت رحمته صلى الله عليه وسلم حتى الحيوانات؛ فعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حُمَّرَة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿مـن فجع هـذه بولـدها؟ رُدُّوا ولـدها إليـها!﴾
ورأى قـريـة نمــل قد حرقناها فقال:﴿من حرق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنه لا ينبغي أن ُيعذِّب بالنار إلا ربُّ النار﴾
فالنبي صلى الله عليه وسلم يرقّ لحال هذا الطائر الذي فقد ولديه، ويرحمه ويأمر من أخذهما بإطلاقهما، مع أن صيد البر حلال، لكن الرحمة التي ملأت جوانح الرسول الكريم لم يقدر معها على رؤية هذا الطائر المسكين المفجوع في ولـده، حتـى أمر بإطلاقه.
وها هو ذا صلى الله عليه وسلم يدعو إلى رحمة كل ما فيه روح، ويحث على ذلك ببيان ما فيه من الأجر فيقول:﴿بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئراً فشرب منها ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقـد بلـغ هـذا مـثل الذي بلـغ بي، فملأ خفّه ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجراً؟ قال: في كل كبد رطبة أجر﴾.
وكـان صلى الله عليه وسلم يـرحـم الصبـية الصغـار ويقـبّلهـم؛ فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:﴿ قبّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علـي وعنـده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشـرة مـن الولـد ما قـبلت منهـم أحداً، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: مَنْ لا يَرحم لا يُرحم﴾
ودعا أمته إلى رحـمة الخلق جميعهم ـ من في الأرض ـ من يعقل كالإنس، ومن لا يعقل كالحيوانات، فقال:﴿الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله﴾.
وقد سجلت لنا السيدة خديجة ـ رضي الله تعالى عنهـا ـ شمـائله التـي طبـعه الله تعالى عليها حتى من قبل أن تأتيه الرسالة، فقالت له لما جاءه الوحي: ﴿واللهِ ما يخزيك الله أبداً: إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتـقـري الضـيف، وتعين على نوائب الحق﴾
فكانت هذه خِلالُه صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه، فلما جاءه الوحي زادت نوراً وتلألؤاً وجلالاً، فصلى الله عليك يا من أرسلك ربك رحمة للعالمين!
وقال صلى الله عليه وسلم ﴿إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته﴾ «رواه مسلم»
و رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً أضجع شاة، وهو يحد شفرته فقال:﴿ ‏لقد أردت أن تميتها موتاتان، هلا حددتها قبل أن تضجعها‏؟!‏﴾« حديث صحيح »
وعن ابن عمر رضي الله عنهما:﴿ أنه مر بفتيان من قريش قد نصبوا طيرًا وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا فقال ابن عمر من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا إن رسول الله صلى الله علية وسلم لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا﴾.« متفق عليه»
جوده صلى الله عليه وسلم
فهو أكرم من خلق الله، وأجود البرية نفسا ويدا، فكفّه غمامة بالخير، ويده غيث الجود، بل هو أسرع بالخير من الريح المرسلة، لا يعرف" لا" إلا في التشهد ؛ يعطي صلى الله عليه وسلم عطاء من لا يخشى الفقر؛ لأنه بعث بمكارم الأخلاق، فهو سيد الأجواد على الإطلاق، وكان لا يردّ طالب حاجة، قد وسع الناس برّه، طعامه مبذول وكفه مدرار، وصدره واسع، وخلقه سهل، ووجه بسّام ؛ فكان صلى الله عليه وسلم آية في الجود والكرم، حتى لا يقارن به أجواد العرب ؛ لأنه يعطي عطاء من لا يطلب الخلف إلا من الله، ويجود جود من هانت عليه نفسه وماله وكل ما يملك في سبيل ربه ومولاه، فهو أندى العالمين كفا، وأسخاهم يدا، وقد بلغ صلى الله عليه وسلم في خلق الجود والكرم مبلغا لم يبلغه غيره، ووصل فيه إلى الغاية التي ينتهي عندها الكمال الإنساني.
ومن توفيق الله له صلى الله عليه وسلم أن جعل جوده يتضاعف في الأزمنة الفاضلة يقول ابن عباس رضي الله عنه :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن فكان صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة؛ جاد بنفسه في سبيل الله فكسرت رباعيته وشج وجهه وسال الدم منه صلى الله عليه وسلم والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
وجاد بجاهه ومن أمثلة ذلك شفاعته صلى الله عليه وسلم لمغيث زوج بريرة رضي الله عنهما لما عتقت واختارت فراقه أشار عليها أن تبقى في عصمته رحمة منه صلى الله عليه وسلم بزوجها مغيث.
وأخص الأمثلة في ذلك ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من شفاعته في أهل الموقف التي يتخلى عنها أولو العزم من الرسل فتنتهي إليه فيقول أنا لها صلى الله عليه وسلم وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ﴿لكل نبي دعوة مستجابة قد دعا بها فاستجيب له، فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة﴾
وجاد صلى الله عليه وسلم بما أعطاه الله من المال فما سئل صلى الله عليه وسلم شيئا من الدنيا قط فقال لا ولقد جاءت إليه صلى الله عليه وسلم امرأة ببردة منسوجة فقالت نسجتها بيدي لأكسوكها فأخذها صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها ولبسها فقال رجل من الصحابة:أكسينها يا رسول الله . فقال صلى الله عليه وسلم نعم؛فدخل منزله فطواها وبعث بها إليه فقال له بعض الصحابة: ما أحسنت، لبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها ثم سألته وعلمت أنه لا يرد سائلا؛ فقال: إني والله ما سألته لألبسها إنما سألته لتكون كفني؛قال سهل بن سعد رضي الله عنه: "فكانت كفنه".
هذا مثل من أمثال اتصافه صلى الله عليه وسلم بهذا الخلق الكريم فهل بعد هذا كرم يصدر من مخلوق؟ وهل وراء هذا الإيثار إيثار؟. ولقد وصف الله الأنصار في كتابه العزيز بصفة الإيثار في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾﴿الحشر: 9﴾ وهذه الصفة الكريمة التي اتصفوا بها أسوتهم فيها وفي غيرها من مكارم الأخلاق سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم يقول سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾﴿الأحزاب: 21﴾
ولما رجع من حنين التف حوله الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فوقف النبي صلى الله عليه وسلم وقال:" أعطوني ردائي فلو كان لي عدد هذه العضاة نعما لقسمتها بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذابا ولا جبانا .".
وجوده صلى الله عليه وسلم في العطاء لبعض الناس إنما هو لتأليفهم على الإسلام، فكثيرا ما كان يخص حديثي العهد بالإسلام بوافر العطاء دون من تمكن الإيمان في نفوسهم. ففي غزوة حنين أعطى أكابر قريش المئات من الإبل ومنهم صفوان بن أمية فقد روى مسلم في صحيحة أنه قال: ﴿لقد أعطاني رسول اللهصلى الله عليه وسلم ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليّ فما برح يعطيني حتى إنه من أحب الناس إلي﴾
وروى أيضا عن أنس رضي الله عنه قال: ﴿ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر﴾.
وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يلبث إلا يسيرا حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها، أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل تلك الغنم الكثيرة التي لكثرتها ملأت ما بين جبلين وماذا كانت نتيجة هذا الإعطاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ لقد كانت حصول الغرض الذي من أجله أعطاه وهي أنه أصبح داعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقد كان بدافع من نفسه رسولا لرسول الله إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام ويبين لهم كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبذل المال في سبيل نصرة الإسلام والدعوة إليه والترغيب فيه، ينفق مال الله الذي آتاه في سبيل الله حتى توفاه الله ودرعه مرهونة في دين عليه صلى الله عليه وسلم

زهدهصلى الله عليه وسلم
كان زهده صلى الله عليه وسلم زهد من علم فناء الدنيا وسرعة زوالها وقلة زادها وقصر عمرها، وبقاء الآخرة وما أعدّه الله لأوليائه فيها من نعيم مقيم وأجر عظيم وخلود دائم، فرفض صلى الله عليه وسلم الأخذ من الدنيا إلا بقدر ما يسدّ الرمق ويقيم الأود، مع العلم أن الدنيا عرضت عليه وتزيّنت له وأقبلت إليه، ولو أراد جبال الدنيا أن تكون ذهبا وفضة لكانت، بل آثر الزهد والكفاف، فربما بات جائعا ويمرّ الشهر لا توقد في بيته نار، ويستمر الأيام طاويا لا يجد رديء التمر يسدّ به جوعه، وما شبع من خبز الشعير ثلاث ليال متواليات.
وكان ينام على الحصير حتى أثّر في جنبه، وربط الحجر على بطنه من الجوع، وكان ربما عرف أصحابه أثر الجوع في وجهه صلى الله عليه وسلم
وكان بيته من طين، متقارب الأطراف، داني السقف، وقد رهن درعه في ثلاثين صاعا من شعير عند يهودي، وربما لبس إزارا ورداء فحسب، وكان أصحابه ربما أرسلوا له الطعام لما يعلمون من حاجته إليه، كل ذلك إكراما لنفسه عن أدران الدنيا، وتهذيبا لروحه وحفظا لدينه ليبقى أجره كاملا عند ربه، وليتحقق له وعد مولاه ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾﴿الضحى:5﴾.
فكان يقسم الأموال على الناس ثم لا يحوز منها درهما واحدا، ويوّزع الإبل والبقر والغنم على الأصحاب والأتباع والمؤلفة قلوبهم ثم لا يهب بناقة ولا بقرة ولا شاة، بل يقول صلى الله عليه وسلم ﴿لو كان لي كعضاة ـ أي شجر ـ تهامة مالا لقسمته ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذابا ولا جبانا﴾.«أخرجه مالك والطبراني»
وكان صلى الله عليه وسلم الأسوة العظمى في الإقبال على الآخرة وترك الدنيا وعدم الإلتفات إليها أو الفرح بها أو جمعها أو التلذذ بطيباتها أو التنعم بخيراتها، فلم يبن قصرا، ولم يدّخر مالا، ولم يكن له كنز ولا جنة يأكل منها، ولم يخلف بستانا ولا مزروعة،وهوالقائل﴿لا نورّث، ما تركناه صدقة﴾«أخرجه البخاري ومسلم »
وكان يدعو بقوله وفعله وحاله الى الزهد في الدنيا والاستعداد للآخرة والعمل.بل خُيّر بين أن يكون ملكا رسولا أو عبدا رسولا فاختار أن يكون عبدا رسولا، يشبع يوما ويجوع يوما، حتى لقي الله عز وجل.ومن زهده في الدنيا سخاؤه وجوده كما تقدم، فكان لا يرد سائلا ولا يحجب طالبا ولا يخيّب قاصدا، وأخبر أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وقال: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب او عابر سبيل﴾« أخرجه البخاري».
ويروى عنه أنه قال: ﴿ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس﴾« أخرجه ابن ماجه والطبراني».
وقالصلى الله عليه وسلم ﴿ مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل رجل قال في ظل شجرة ثم قام وتركها﴾«أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه».
وقال صلى الله عليه وسلم ﴿الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلما﴾«أخرجه الترمذي وابن ماجه »
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم ﴿ ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت﴾« أخرجه مسلم»
قال صلى الله عليه وسلم ﴿اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا﴾ "أي ما يسدُّ الجوع" «متفق عليه»
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:﴿ لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوى من الجوع، ما يجد ما يملأ من الدقل بطنه. الدقل: رديء التمر﴾« رواه مسلم»
عن عائشة رضي الله عنها قالت:﴿ ما شبع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز بُرّ﴾ «أخرجه البخاري ومسلم»
عدله صلى الله عليه وسلم
إن العدل خلاف الجوْر أمر الله تعالى به في القول والحكم فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾﴿الأنعام :152﴾ ,﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾﴿النساء:58﴾.
وعلى العدل قام أمر السماء والأرض، ومن هنا كيف لا يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم عادلاً وهو القائل ﴿ إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط﴾« رواه أبو داود وحسنه الألباني» والمقسط أي: العادل، وذكر أن سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وعد منهم الإمام العادل، وقال إن المقسطين على منابرٍ من نور يوم القيامة، وبين أنهم الذين يعدلون في حكمهم وما ولوا.
ولذا كان صلى الله عليه وسلم عادلاً في قوله وفعله وحكمه، لا يجور ولا يحيف، وكان العدل من أخلاقه وأوصافه اللازمة له، فقد عُرف به في الجاهلية قبل الإسلام.
وهذه مواقف له صلى الله عليه وسلم يتجلى فيها هذا الخلق النبوي الكريم وهي:
لما سرقت المخزوميّة، وشق على المسلمين إقامة الحد عليها فتقطع يدها فتوسطوا له بحبّه وابن حبّه أسامة بن زيد فرفع إليه القضية، فقال أتشفع في حدٍ من حدود الله يا أسامة؟ والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها «متفق عليه» فكان هذا مظهرًا عظيمًا للعدل المحمدي.
وقوله للأعرابي الذي قال له: اعدل فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ﴿ويحك فمن يعدل إن لم أعدل؟! خبتُ وخسرتُ إن لم أعدل﴾ « رواه البخاري ومسلم».
وفي الطعام والشراب كان يقول صلى الله عليه وسلم ﴿ ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ولابد فاعلاً، فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس﴾« رواه الترمذى».
وكان صلى الله عليه وسلم يقسم وقته ثلاثة أجزاء: جزءًا لربه تعالى، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنفسه، ويقسم الجزء الذي لنفسه بينه وبين الناس.وهكذا يتجلى خلق العدل في الحبيب صلى الله عليه وسلم بصورةٍ واضحة، يدعو كلّ مؤمن إلى التّخَلُّق به ائتساءً به صلى الله عليه وسلم وهو أسوة كل مؤمن ومؤمنة في هذه الحياة.
ويظهر هذا الخلق العظيم منه صلى الله عليه وسلم في أبهى صورة ، عندما يطلب ممن ظن أنه أخطأ في حقه، أن يستوفي حقه ، بالقود منه ، فعن أبي سعيد الخدري قال: ﴿بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم شيئا ، أقبل رجل فأكب عليه ، فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرجون كان معه ، فخرج الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعال فاستقد ، قال : بل قد عفوت يا رسول الله﴾« رواه النسائي».
والعدل ملازم للرسول صلى الله عليه وسلم في حله وترحاله ، فهو يكره التميز على أصحابه ، بل يحب العدل والمساواة ، وتحمل المشاق والمتاعب مثلهم ، فعن عبد الله بن مسعود قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، وكان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:﴿ وكانت عقبة -دور- رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : نحن نمشي عنك، فقال : ما أنتما بأقوى مني ، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما﴾«رواه أحمد في مسنده».
ولم ينشغل صلى الله عليه وسلم بالدولة وقيادتها ، والغزوات وكثرتها ، عن ممارسة العدل في نطاق الأسرة الكريمة ، وبين زوجاته أمهات المؤمنين ، فقد كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول:﴿اللهم هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ﴾«رواه الترمذي» ومعنى قوله لا تلمني فيما تملك ولا أملك، أي الحب والمودة القلبية.
صدقه صلى الله عليه وسلم
فهو أصدق من تكلم، كلامه حق وصدق وعدل، لم يعرف الكذب في حياته جادّا أو مازحا، بل حرّم الكذب وذمّ أهله ونهى عنه، وقال صلى الله عليه وسلم ﴿ إنّ الصدق يهدي الى البر، وإن البرّ يهدي الى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا.........﴾ «رواه البخاري ومسلم».
وأخبر ان المؤمن قد يبخل وقد يجبن، لكنه لا يكذب أبدا، وحذر من الكذب في المزاح لإضحاك القوم، فعاش صلى الله عليه وسلم والصدق حبيبه وصاحبه، ويكفيه صدقا صلى الله عليه وسلم أنه أخبر عن الله بعلم الغيب، وائتمنه الله على الرسالة، فأداها للأمة كاملة تامة، لم ينقص حرفا ولم يزد حرفا، وبلّغ الأمانة عن ربه بأتمّ البلاغ، فكل قوله وعمله وحاله مبني على الصدق، فهو صادق في سلمه وحربه، ورضاه وغضبه، وجدّه وهزله، وبيانه وحكمه، صادق مع القريب والبعيد، والصديق والعدو، والرجل والمرأة، صادق في نفسه ومع الناس، في حضره وسفره، وحلّه وإقامته، ومحاربته ومصالحته، وبيعه وشرائه، وعقوده وعهوده ومواثيقه، وخطبه ورسائله، وفتاويه وقصصه، وقوله ونقله، وروايته ودرايته، بل معصوم من أن يكذب، فالله مانعه وحاميه من هذا الخلق المشين، قد أقام لسانه وسدّد لفظه، وأصلح نطقه وقوّم حديثه، فهو الصادق المصدوق، الذي لم يحفظ له حرف واحد غير صادق فيه، ولا كلمة واحدة خلاف الحق، ولم يخالف ظاهره باطنه، بل حتى كان صادقا في لحظاته ولفظاته وإشارات عينيه،
وهو الذي يقول:﴿ ما كان لنبي أن تكون له خائنة أعين﴾« أخرجه أبو داود والنسائي» ، وذلك لما قال له أصحابه: ألا أشرت لنا بعينك في قتل الأسير؟! بل هو الذي جاء بالصدق من عند ربه، فكلامه صدق وسنّته صدق، ورضاه صدق وغضبه صدق، ومدخله صدق ومخرجه صدق، وضحكه صدق وبكاؤه صدق، ويقظته صدق ومنامه صدق﴿ لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ ﴿الأحزاب:8﴾﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِين﴾ ﴿التوبة:119﴾﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾﴿محمد:21﴾
فهو صلى الله عليه وسلم صادق مع ربه، صادق مع نفسه، صادق مع الناس، صادق مع
أهله، صادق مع أعدائه، فلو كان الصدق رجلاً لكان محمداً صلى الله عليه وسلم وهل يُتعلم الصدق إلا منه بأبي هو وأمى؟ وهل ينقل الصدق إلا عنه بنفسي هو؟ فهو الصادق الأمين في الجاهلية قبل الإسلام والرسالة.
فعندما أمره الله تعالى بإظهار دعوته وقف صلى الله عليه وسلم على جبل الصفا و جعل ينادى بطون قريش فلما اجتمعوا قال‏:‏﴿ ‏‏أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى بسَفْح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مُصَدِّقِىَّ‏؟‏‏﴾‏‏.‏ قالوا‏:‏ نعم،ما جربنا عليك كذبًا، ما جربنا عليك إلا صدقًا‏..
هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الوحى ؛ فكيف حاله بالله بعد الوحي والهداية ونزول جبريل عليه ونبوّته وإكرام الله له بالإصطفاء والاجتباء والاختيار؟
عفوه صلى الله عليه وسلم
إن العفو هو ترك المؤاخذة عند القدرة على الأخذ من المسيء المبطل، وهو من خلال الكمال، وصفات الجمال الخلقي، أمر الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله من سورة الأعراف﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ﴿الأعراف: 199﴾.
قالت عائشة رضي الله عنها:﴿ ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى فينتقم لله بها﴾«رواه البخاري ومسلم».
كان الحلم والعفو والصفح شيمة هذا الرسول الكريم، حتى إنه لم ينتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حدود الله تعالى؛ فـقد كـان لرجـل مـن اليــهـود دَيْـن علـى رسـول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه يتقـاضاه منـه وأغـلظ له فـي الكـلام، فردَّ عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بحـلم وصفح على ما يتبين من هذه الرواية حتى أدّاه ذلك إلى الإسـلام.
فـقد كـان زيـد بن سـعنة من أحبار اليهود وأتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه فجبذ ثوبه عن منكبه الأيمن، ثم قال: إنكم يا بني عبد المطلب أصحاب مطل، وإني بكم لعارف. فانتهره عمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمر! أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج: أن تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي، انطلق يا عمر أوفه حقه، أما أنه قد بقي من أجله ثلاث أي: لم يحن أجل الدَّيْن بعدُ، بل بقي منه ثلاثة أيام؛ فزِدْه ثلاثـين صاعاً.
ورواه ابن حبان وفيه:"فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ونفر من أصحابه، فلما صلى على الجنازة دنا من جدار فجلس إليه، فأخـذت بمـجامع قمـيصه ونـظرت إليـه بوجه غليظ، ثم قلت: ألا تقضيني يا محمد حقي؟ فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب بمُطْل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم، قال: ونظرت إلى عمر بن الخطاب وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره، وقال: أيْ عدوَّ الله! أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع وتفعل به ما أرى؟ فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي هذا عنقك؛ ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة، ثم قال: إنَّا كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر! أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فـاقضـه حقه وزده عشرين صاعاً من غيره، مكان ما روعته، قال زيد: فذهب بي عمر فقضاني حقي وزادني عشرين صاعاً مـن تمر، فقلت: ما هذه الزيادة؟ قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أزيدك مكان ما روعتك، فقلت: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا، فمن أنت؟ قلت: أنا زيد بن سعنة، قال: الحَبْر؟ قلت: نعم! الحَبْر، قال: فما دعاك أن تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلت وتفعل به ما فعلت؟ فقلت: يا عمر! كل علامات النبوة قد عرفتها في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أختبرهما منه: يسبق حِلمُه جهلَه، ولا يزيده شدةُ الجهل عليه إلا حِلماً، فقد اختبرتهما، فأشهدك يا عمر! أني قد رضيت بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، وأشهدك أن شطر مالي ـ فإني أكثرها مالاً ـ صدقة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال عمر: أو على بعضهم؟ فإنـك لا تسـعهم كلهم، قـلت: أو على بعضهم، فرجع عمر وزيـد إلى رسـول الله صلى الله عليه وسلم فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبـده ورسوله... الحديث."فحلم عليه، ولم يردّ عليه بمثل ما قال، بل زاده فـي حقه مـن أجـل انتـهار عمر له.
وعن أنس بن مالك ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسـول الله صلى الله عليه وسلم قـد أثـرت بهـا حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء؛ فلم يقابل جفاء الأعـرابـي وغلـظته وقـسوته علـيه إلا أن الـتفت إليـه وضحك، ثم أعطاه ما سأل؛ فما أحلمك يا رسول الله!
وقد حاربته قريش أشد المحاربة، وألَّبوا عليه القبائل وآذوه وآذوا أصحابه، فلما أمكنه الله منهم وأظهره عليهم ودخل مكة فـاتحـاً في عـام الفـتح فـي مـوقـف النـصر والعزة والتمكين، لم يعاملهم بما يستحقونه من العقاب البليغ، بل عفا عنهم وقال لهم حين اجتمعوا في المسجد:﴿ما ترون أني صانع بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء﴾. تصدّى له غوْرث بن الحارث ليفتك به صلى الله عليه وسلم ورسول الله مطرح تحت شجرة وحده قائلاً، وأصحابه قائلون كذلك، وذلك في غزاة، فلم ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وغورث قائم على رأسه، والسيف مصلت في يده، وقال: من يمنعك مني؟ فقال صلى الله عليه وسلم الله. فسقط السيف من يد غورث، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: من يمنعك؟ قال غورث: كن خير آخذٍ فتركه وعفا عنه. فعاد إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس﴾» رواه البخاري ومسلم«.
ما دام أنه رسول الله فلا بد أن يكون أحلم الناس وأوسعهم صدرا، وألينهم عريكة وأدمثهم خلقا وألطفهم عشرة، فقد كان يكظم غيظه ويعفو ويصفح ويغفر لمن زلّ، ويتنازل عن حقوقه الخاصة ما لم تكن حقوقا لله.
وقد عفا عن ابن عمّه سفيان بن الحارث يوم الفتح لما وقف أمامه وقال له: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، فقال صلى الله عليه وسلم ﴿لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾﴿ يوسف:92﴾
وقد واجهه الأعراب بالجفاء وسوء الأدب، فحلم وصفح، وقد امتثل أمر ربه في قوله﴿ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيل﴾﴿الحجر:85﴾، فكان لا يكافئ على السيئة بالسيئة، بل يعفو ويصفح، وكان لا ينفذ غضبه إذا كان لنفسه، ولا ينتقم لشخصه، بل إذا غضب ازداد حلما، وربّما تبسّم في وجه من أغضبه، ونصح أحد أصحابه فقال:﴿لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب﴾»أخرجه البخاري«.
وكان يبلغه الكلام السيء فيه، فلا يبحث عمن قاله ولا يعاتبه ولا يعاقبه. وورد عنه أنه قال: لا يبلغني أحد منكم ما قيل فيّ، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر﴾»أخرجه احمد وأبو داود والترمذي«.
وبلّغه ابن مسعود كلاما قيل فيه، فتغيّر وجهه وقال: ﴿رحم الله موسى، أوذي بأكثر من هذا فصبر﴾»أخرجه البخاري ومسلم «.
وقد أوذي من خصومه في رسالته وعرضه وسمعته وأهله، فلما قدر عليهم عفا عنهم وحلم عليهم، وقال:﴿ من كف غضبه كف الله عنه عذابه﴾ »أخرجه أبو يعلى والبيهقي في الشعب«.
وقـال له رجل: اعدل، فقال: ﴿خبت وخسرت إذا لم أعدل﴾»أخرجه البخاري ومسلم« واللفظ له عن جابر بن عبدالله، ولم يعاقبه بل صفح عنه. وواجهه بعص اليهود بما يكره، فعفا وصفح، وقد وسع بخلقه وتسامحه الناس، وأطفـأ بحلمه نار العداوات ممتثلا قول ربـه : ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾﴿المؤمنون:96﴾
وكان مع أهله أحلم الناس، يمازحهم ويلاطفهم ويعفو عنهم فيما يصدر منهم، ويدخل عليهم باسما ضحاكا، يملأ قلوبهم وبيوتهم أنسا وسعادة.
حياؤه صلى الله عليه وسلم
إن الحياء خلق فاضل فاقده لا خير فيه، إذ هو من الإيمان، وهو خير كله، وحقيقته أنه تغّير يسببه الخوف مما يكره قوله أو فعله، أو يُذم عليه, ويظهر أثره في احمرار الوجه، وترك ما يخشى معه الذم والملامة، وهو في المرأة بمنزلة الشجاعة في الرجل، أي كما أن الشجاعة محمودة في الرجل أكثر ما هي محمودة في المرأة، فكذلك الحياء هو في المرأة محمود أكثر مما هو في الرجل, ومع هذا فهو خلق فاضل كريم قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿الحياء من الإيمان﴾، وقال:﴿ الحياء كله خير﴾, و﴿الحياء لا يأتي إلا بخير﴾، و﴿الحياء شعبة من الإيمان﴾ في أحاديث صحاح.
ومن مظاهر الحياء المحمدي التي يتجلى فيها بوضوح ما يلي:
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر الناس حياءً وأعظمهم اتصافاً بهذا الخلق الرفيع، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال :﴿كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها﴾« متفق عليه».وكان صلى الله عليه وسلم يستحي من الخالق سبحانه وتعالى ومن الخلق.
أما حياؤه من الخالق جلّ وعلا: فهو أكمل الحياء،ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لموسى عليه السلام ليلة المعراج لما طلب منه مرة بعد مرة أن يرجع إلى ربه فيسأله التخفيف من الصلوات قال:﴿ استحييت من ربي﴾«رواه البخاري».
وأما حياؤه من الناس: فأدلته كثيرة منها ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها،أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، ﴿قال خذي فرصة من مسك فتطهري، بها قالت كيف أتطهر؟ قال تطهري بها قالت كيف؟ قال سبحان الله! تطهري، و استحيا وأعرض عنها، فجذبتْها عائشة رضي الله عنها وقالت تتبعي بها أثر الدم﴾« متفق عليه».
فانظر كيف حمله الحياء على الإعراض عن التفصيل في هذا الأمر، حتى تولته أم المؤمنين، لتعلقه بأمور النساء الخاصة.
ومن الأدلة على حيائه كذلك ما رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه في قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، فبعد أن أكل الصحابة تفرقوا، وبقي ثلاثة منهم في البيت يتحدثون، والنبي صلى الله عليه وسلم يريد خروجهم، قال أنس رضي الله عنه : وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء. وفي رواية، جعل النبي صلى الله عليه وسلم يستحي منهم أن يقول لهم شيئاً.
وهذا الحديث من أعظم الأدلة على شدة حيائه صلى الله عليه وسلم فقد حمله الحياء على عدم مواجهة أصحابه بشأن خروجهم، حتى تولى الله تعالى بيان ذلك، إعظاماً لحق نبيه صلى الله عليه وسلم قال تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذى النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق ﴾ ﴿الأحزاب:53﴾.
قول عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن أحد ما يكرهه لم يقل ما بال فلان يقول كذا؟ ولكن يقول:﴿ ما بال أقوامٍ يصنعون أو يقولون كذا﴾، ينهى ولا يسمي فاعله.
وفاؤه صلى الله عليه وسلم
روى البخاري في الأدب المفرد عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بهدية قال: ﴿اذهبوا بها إلى بيت فلانة فإنها كانت صديقة لخديجة، إنها كانت تحب خديجة﴾ أي وفاء هذا يا عباد الله؟! إنه يكرم أحباء خديجة وصديقاتها بعد موتها رضي الله عنها.
وحَدَّثَتْ عائشة رضي الله عنها فقالت: ما غرت من امرأة ما غرت من خديجة لما كنت أسمعه يذكرها، وإن كان ليذبح الشاة فيُهديها إلى خلائلها، واستأذنت عليه أختها فارتاح إليها ودخلت عليه امرأة فهش لها وأحسن السؤال عنها فلما خرجت، قال:﴿إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان﴾.
وهكذا يتجلى خلق الوفاء في الحبيب صلى الله عليه وسلم فلم ينس بوفائه من مات فضلاً عمن هو حيّ.
عبادته صلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم أعبد الناس ، و من كريم أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه كان عبداً لله شكوراً. فإن من تمام كريم الأخلاق هو التأدب مع الله رب العالمين وذلك بأن يعرف العبد حقّ ربه سبحانه وتعالى عليه فيسعى لتأدية ما أوجب الله عز وجل عليه من الفرائض ثم يتمم ذلك بما يسّر الله تعالى له من النوافل ، وكلما بلغ العبد درجةً مرتفعةً عاليةً في العلم والفضل والتقى كلما عرف حق الله تعالى عليه فسارع إلى تأديته والتقرب إليه عز وجل بالنوافل. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العالمين في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه إن الله تعالى قال: ﴿ وما يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه﴾« رواه البخاري»
فقد كان صلى الله عليه وسلم يعرف حق ربه عز وجل عليه وهو الذي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر على الرغم من ذلك كان صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتفطر قدماه ويسجد فيدعو ويسبح ويدعو ويثني على الله تبارك وتعالى ويخشع لله عز وجل حتى يُسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل. فعن عبدالله بن الشخير رضي الله عنه قال: ﴿أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيزٌ كأزيز المرجل من البكاء﴾ «رواه أبو داود وصححه الألباني»
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ:﴿ أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً"﴾« رواه البخاري» وكان مـن تـمثله صلى الله عليه وسلم للقـرآن أنه يذكر الله تعالى كثيراً، قال عز وجل :
﴿ ....وَالذّاكِـرِينَ اللّهَ كَثِيراً وَالذّاكِرَاتِ أَعَدّ اللّهُ لَهُـم مّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيـماً ﴾﴿الأحزاب 35 ﴾
وقال تعالى:﴿ فَاذْكُرُونِيَ أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ﴾﴿ البقرة 152 ﴾.
ومن تخلقه صلى الله عليه وسلم بأخلاق القرآن وآدابه تنفيذاً لأمر ربه عز وجل أنه كان يحب ذكر الله ويأمر به ويحث عليه، قال صلى الله عليه وسلم ﴿ لأن أقول سبحانه الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس﴾« رواه مسلم». وقال صلى الله عليه وسلم ﴿مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره ، مثل الحي والميت﴾ «رواه البخاري».
وقال صلى الله عليه وسلم ﴿ما عمل ابن آدم عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله﴾«أخرجه الطبراني».
كان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس دعاءً، وكان من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول:﴿ اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾«متفق عليه» . وعن عائشة رضي الله عنها أنه كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته: ﴿اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل﴾ «رواه النسائي وصححه الألباني»
مجلسه صلى الله عليه وسلم
كان يجلِس على الأرض، وعلى الحصير، والبِساط، ؛عن أنس رضي الله عنه قال :﴿كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده، ولا يصرف وجهه من وجهه حتى يكون الرجل هو يصرفه، ولم ير مقدمًا ركبتيه بين يدي جليس له﴾«رواه أبو داود والترمذي »
عن أبي أمامة الباهلي قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئًا على عصا، فقمنا إليه، فقال لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضًا « رواه أبو داود أبن ماجة »

من الهدى النبوى

هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ َقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالطَّهَارَةِ
*عدم إستقبال القبلة: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ﴿إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلا يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلا يَسْتَدْبِرْهَا﴾«رواه مسلم»
* أن لا يمسّ ذَكَرَه بيمينه وهو يبول لقوله صلى الله عليه وسلم ﴿ إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ﴾« رواه البخارى»
* أن لا يزيل النّجاسة بيمينه بل يستخدم شماله لمباشرة النجاسة في إزالتها للحديث المتقدّم ولقوله صلى الله عليه وسلم ﴿إِذَا تَمَسَّحَ أَحَدُكُمْ فَلا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ﴾ «رواه البخارى»
* أن يكون غسل النجاسة أو مسحها ثلاث مرات أو وترا بعد الثلاث بحسب ما تدعو إليه حاجة التطهير ، لما جاء عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَغْسِلُ مَقْعَدَتَهُ ثَلاثًا قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَعَلْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ دَوَاءً وَطُهُورًا« رواه ابن ماجه»
ولما رواه أبو هُرَيْرََةُ رضي الله عنه عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :﴿إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ وِتْرًا ﴾« رواه الإمام أحمد وحسنه»
*أن لا يبول الإنسان في الماء الراكد . لما رواه جَابِر رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ«رواه مسلم» ولأنّ في ذلك تنجيسا للماء وإيذاء لمستعمليه .
* أن لا يبول في طريق النّاس ولا في ظلّ يستظلّ به النّاس ، لأنّ في ذلك إيذاء لهم ، وقد روى أبو هُرَيْرَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ :﴿اتَّقُوا اللاعِنَيْنِ قَالُوا وَمَا اللاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهِمْ ﴾«رواه أبو داود»
* أن لا يسلّم على من يقضي حاجته ولا يردّ السّلام وهو في مكان قضاء الحاجة تنزيها لله أنْ يُذكر اسمه في الأماكن المستقذرة عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلا مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ﴿ إِذَا رَأَيْتَنِي عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَلا تُسَلِّمْ عَلَيَّ فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ أَرُدَّ عَلَيْكَ﴾«رواه ابن ماجه» وجمهور العلماء على كراهية الكلام في الخلاء لغير حاجة.
* كان إذا دخل الخلاء قال: ﴿اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث﴾ «متفق عليه»، وإذا خرج يقول: ﴿غفرانك﴾« صحيح الترمذي».
* وكان أكثر ما يبول وهو قاعد.
* وكان يستنجي بالماء تارةً، ويستجمر بالأحجار تارةً، ويجمع بينهما تارةً.
* وكان إذا استنجى بالماء ضرب يده بعد ذلك على الأرض.
* وكان إذا ذهب في سفره للحاجة انطلق حتى يتوارى عن أصحابه.
* وكان يستتر بالهدف تارةً وبحائش النخل تارة، وبشجر الوادي تارةً.
* وكان يرتاد لبوله الموضعَ الدَّمِث اللين الرخو من الأرض
* وكان إذا جلس لحاجته لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض.
صفة إغتساله صلى الله عليه وسلم
للاغتسال في شريعة الإسلام وصف كامل ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم يسن الإقتداء به وهو كالآتي :
1- يغسل يديه ثلاث مرات .
2- يغسل أعضاءه التناسلية حتى لايضطر إلى مسها بعد ذلك فينتقض وضوءه إذا نوى الوضوء .
3- يتوضأ وضوءه للصلاة ويؤخر غسل رجليه إلى نهاية الغسل وذلك حتى لايعلق شيء من النجاسة من الماء المسكوب على الأرض في قدميه أثناء الغسل
4- يبدأ بسكب الماء على رأسه ثلاثا حتى يصل الماء إلى أصول الشعر .
5- ثم يسكب الماء على بقية جسمه ويبدأ بالأجزاء اليمنى من الجسم ثم اليسرى .
6- بعد الانتهاء من سكب الماء على جميع أجزاء البدن يغسل قدميه ثم يخرج من مستحمه . وأصل ذلك كله ماورد في الصحيحين البخاري ومسلم . عن عائشة رضي عنها :﴿ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا رأى أنه قد استبرأ أي أوصل الماء إلى أصول الشعر ؛ حفن على رأسه ثلاث حثيات ثم أفاض الماء على سائر جسده﴾.
وعن ميمونة رضي الله عنها قالت وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم ماء يغتسل به فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثا ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره ثم دلك يده بالأرض ثم مضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثم غسل رأسه ثلاثا ثم أفرغ على جسده ثم تنحى من مقامه فغسل قدميه..
وغسل المرأة كغسل الرجل إلا أنها لاتنقض ضفيرتها إذا كان لها ضفيرة والمقصود إيصال الماء إلى أصول الشعر فإذا وصل فلا حاجة إلى فك الضفيرة
كما أنه يستحب للمرأة إذا اغتسلت من حيض أو نفاس أن تأخذ قطنة وتضع عليها مسكا أو طيبا وتمسح بها فرجها لتزيل أثر الدم ورائحته.. ويجوز للرجل وزوجته أن يغتسلا معا وقد ثبت عن عائشة أنها كانت تغتسل مع الرسول صلى الله عليه وسلم من إناء واحد
صفة وضؤه صلى الله عليه وسلم
* أن ينوي الإنسان الطهارة ورفع الحدث ، ولا يتلفظ بالنيّة ، لأنّ محلها القلب وكذا سائر العبادات
* يقول بسم الله
* ثم يغسل كفيه ثلاث مرات
* ثم يتمضمض ثلاث مرات ، والمضمضة هي إدارة الماء في الفم ويستنشق ثلاث مرات وينثر الماء من أنفه بيساره ، والاستنشاق هو إيصال الماء إلى داخل الأنف ، والاستنثار هو إخراجه من الأنف .
* يغسل وجهه ثلاث مرات ، وحد الوجه من منابت شعر الرأس المعتاد إلى ما انحدر من اللحيين والذقن ، طولاً ، ومن حدّ الأذن اليمنى إلى حد الأذن اليسرى عرضا ، والرجل يغسل شعر لحيته لأنه من الوجه ،فإن كانت خفيفة وجب غسل ظاهرها وباطنها ، وإن كانت كثيفة أي ساترة للجلد ، غسل ظاهرها فقط وخللها .
* ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاث مرات ، وحَدُّ اليد من رؤوس الأصابع مع الأظافر إلى أول العضد ، ولا بد أن يزيل ما علق باليد قبل الغسل من عجين أو طين ، وصبغ ونحوه مما يمنع وصول الماء إلى البشرة .
* ثم بعد ذلك يمسح رأسه وأذنيه مرة واحدة بماء جديد غير البلل الباقي من غسل يديه ، وصفة مسح الرأس أن يضع يديه مبلولتين بالماء على مقدم رأسه ويمرُّهما إلى قفاه ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه ، ثم يدخل أصبعيه السبابتين في خرقي أذنيه ، ويمسح ظاهرهما بإبهاميه . وبالنسبة لشعر المرأة فإنها تمسح عليه سواء كان نازلا أو ملفوفا من مقدَّم الرأس إلى منابت شعرها على الرقبة ، ولا يجب مسح ما طال من شعرها على ظهرها .
* ثم يغسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين ، والكعبان هما العظمان الناتئان في أسفل الساق .
والدليل على ذلك ما تقدّم من حديث حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ﴾« رواه مسلم»
* ويستحب أن يقول بعد الفراغ من الوضوء : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله لقول النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ أَوْ فَيُسْبِغُ الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاء﴾«رواه مسلم» ، وفي زيادة عند الترمذي ﴿اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين﴾.
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيِنْ
* صح عنه أنه مسح في الحضر والسفر، وَوَقَّتَ للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثةَ أيام ولياليهن؛ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ : أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقَالَتْ : عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ فَسَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّه ِ صلى الله عليه وسلم ، فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ : جَعَلَ رَسُولُ اللَّه ِصلى الله عليه وسلم ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيم﴾« رواه مسلم»
* وكان يمسح ظاهر الخفين، ومسح على الجوربين، ومسح على العمامة مقتصرًا عليها، ومع الناصية.
* ولم يكن يتكلف ضد الحالة التي عليها قدماه، بل إن كانتا في الخفين مسح، وإن كانتا مكشوفتين غسل.
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ التَّيَمُّمِ
*حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما في صفة التيمم:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا ؛ فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهَا ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ ﴾«رواه البخارى ومسلم»
* كان يتيمم بالأرض التي يصلي عليها ترابًا كانت أو سبخة أو رملاً، ويقول:﴿ حيثما أدركت رجلاً من أمتي الصلاةُ فعنده مسجدُهُ وطهورُهُ﴾
* ولم يصح عنه التيمم لكل صلاة، ولا أمر به، بل أطلق التيمم وجعله قائمًا مقام الوضوء.
* وكان يتيمم بضربة واحدة للوجه والكفين.
صفة تيممه صلى الله عليه وسلم
يقول : بسم الله ناوياً التيمم ، ثم يضرب بكفيه وجه الأرض ضربة واحدة ، ثم يمسح ظاهر كفه الأيمن براحة يده اليسرى ، وظاهر كفه الأيسر براحة يده اليمنى ، ثم يمسح وجهه بيديه . ويقال بعد التيمم ما يقال بعد الوضوء من الأذكار.
صفة صلاته صلى الله عليه وسلم
أولاً : أعتقد أنك إذا قمت إلى الصلاة فإنما تقوم بين يدي الله عز وجل الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم ما توسوس به نفسك ، وحينئذٍ حافظ على أن يكون قلبك مشغولاً بصلاتك، كما أن جسمك مشغول بصلاتك، جسمك متجه إلى القبلة إلى الجهة التي أمرك الله عز وجل فليكن قلبك أيضاً متجهاً إلى الله . أما أن يتجه الجسم إلى ما أمر الله بالتوجه إليه ولكن القلب ضائع فهذا نقص كبير، حتى إن بعض العلماء يقول: إذا غلب الوسواس ـ أي الهواجس ـ على أكثر الصلاة فإنها تبطل ، والأمر شديد؛فإذا أقبلت إلى الصلاة فاعتقد أنك مقبل على الله عز وجل .
وإذا وقفت تصلى فاعتقد أنك تناجي الله عز وجل ، كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿إذا قام أحدكم يصلي ، فإنه يناجي ربه﴾«رواه البخاري» .
وإذا وقفت في الصلاة فاعتقد أن الله عز وجل قبل وجهك ، ليس في الأرض التي أنت فيها، ولكنه قبل وجهك وهو على عرشه عز وجل ، وما ذلك على الله بعسير، فإن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته ، فهو فوق عرشه ، وهو قبل وجه المصلي إذا صلى ، وحينئذٍ تدخل وقلبك مملوء بتعظيم الله عز وجل ، ومحبته ، والتقرب إليه ؛ ويسن أن تجعل لك سترة تصلي إليها إن كنت إماماً أو منفرداً، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك
ثم تكبر وتقول : الله أكبر .
ومع هذا التكبير ترفع يديك حذو منكبيك ، أو إلى فروع أذنيك .
ثم تضع يدك اليمنى على يدك اليسرى، على الذراع، كما صح ذلك في البخاري من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال : كان الناس يؤمرون أن
يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة «رواه البخاري» .
ثم تخفض رأسك فلا ترفعه إلى السماء لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة« رواه البخاري».
واشتد قوله في ذلك حتى قال صلى الله عليه وسلم ﴿ لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم ﴾«رواه البخاري ومسلم» .
ولهذا ذهب من ذهب من أهل العلم إلى تحريم رفع المصلي بصره إلى السماء، وهو قول وجيه جداً لأنه لا وعيد على شيء إلا وهو محرم .
فتخفض بصرك وتطأطيء رأسك لكن كما قال العلماء : لا يضع ذقنه على صدره ـ أي لا يخفضه كثيراً ـ حتى يقع الذقن وهو مجمع اللحيين على الصدر بل يخفضه مع فاصل يسير عن صدره .
ويستفتح ويقول : ﴿اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد﴾«رواه أبو داود»، وهذا هو الاستفتاح الذي سأل أبو هريرة النبي صلى الله عليه وسلم حين قال : يا رسول الله أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول ؟ فذكر له الحديث .
وله أن يستفتح بغير ذلك وهو :﴿سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك وتعالى جدك ، ولا إله غيرك﴾«رواه أبو داود».
وتارة يقول‏:‏ ﴿‏‏وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً مُسلِماً وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ، إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَماتِي للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَبِذلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ، لاَ إلهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعتَرَفتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِر لِي ذُنُوبِي جَمِيعَهَا، إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَاهدِنِي لأَحْسَنِ الأَخلاَق لاَ يَهْدِي لأِحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّىءَ الأَخْلاَقِ، لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَها إِلاَّ أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلٌ بِيَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ﴾«‏رواه أحمد ومسلم والترمذى وأبوداود»
وتارة يقول‏:‏﴿ ‏‏اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ للَّهِ كَثِيراً، الْحَمْدُ للَّهِ كَثِيراً، الْحَمْدُ للَّهِ كَثِيراً، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، سُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، سُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ‏﴾«رواه أحمد وأبوداودوابن ماجه».
ويستفتح صلاة الليل بما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستفتح به وهو :﴿اللهم رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل ، فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كان فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم﴾«رواه مسلم» .
ولكن لا يجمع بين هذه الاستفتاحات، بل يقول هذه مرة وهذه مرة ليأتي بالسنة على جميع وجوهها
ثم يقول" بسم الله الرحمن الرحيم " بعد التعوذ .
ويقرأ الفاتحة ، والفاتحة سبع آيات أولها الحمد لله رب العالمين، وآخرها غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :﴿ قال الله تبارك وتعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد :"الحمد الله رب العالمين" يقول الله تعالى : حمدني عبدي ويقول العبد :"الرحمن الرحيم" قال الله : أثنى على عبدي . ويقول العبد:" مالك يوم الدين" يقول الله تعالى: مجدني عبدي . فإذا قال " إياك نعبد وإياك نستعين" قال الله : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل . فإذا قال"أهدنا الصراط المستقيم ........ الآية ﴾" قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل﴾ « رواه مسلم».
فإذا انتهى من الفاتحة يقول:" آمين" ومعاناها : اللهم استجب، فهي اسم فعل أمر بمعنى استجب .
ثم يقرأ بعد ذلك سورة ينبغي أن تكون: في المغرب غالباً بقصار المفصّل
من "الضحى" إلى آخر القرآن.؛ وفي الفجر بطوال المفصّل من "ق" إلى "عم" ؛وفي الباقي بأوساطه من "عم" إلى"الضحى"
ولا بأس بل من السنة أن يقرأ الإنسان بطوال المفصل، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في المغرب بـ" الطور" و"المرسلات"«"رواه البخاري ومسلم"».
وبعد أن يقرأ السورة مع الفاتحة .
يرفع يديه مكبراً ليركع ويضع اليدين على الركبتين، مفرجتي الأصابع، ويجافي عضديه عن جانبيه، ويسوي ظهره برأسه فلا يقوسه، قالت عائشة رضي الله عنها :" كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك" «رواه أحمد ومسلم وأبو داود» .
ويقول :"سبحان ربي العظيم«رواه أحمد وأبو داود»يكررها ثلاث مرات.
ويقول أيضاً"سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي«رواه البخاري».
ويقول أيضاً : "سبوح قدوس رب الملائكة والروح«رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي».
ويقول :﴿اللهم لك ركعت؛وبك آمنت ؛ولك أسلمت؛أنت ربى خشع سمعى وبصرى ومخى وعظمى وعصبى ومااستقلت به قدمى لله رب العالمين﴾ «رواه أحمد ومسلم وأبوداود»
ويكثر من تعظيم الله سبحانه وتعالى في حال الركوع.
ويصح أن يقتصر المصلى على التسبيح ؛أو يضيف إليه أحد الأذكار السابقة
ثم يرفع رأسه قائلاً:" سمع الله لمن حمده«رواه البخاري ومسلم» رافعاً يديه إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه .
ويضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى في هذا القيام لقول سهل بن سعد : كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة «رواه أحمد والبخاري».
وهذا عام يستثنى منه السجود والجلوس والركوع ؛لأن السجود توضع فيه اليد على الأرض ؛والجلوس على الفخذين ؛والركوع على الركبتين.
فيبقى القيام الذي قبل الركوع والذي بعده داخلاً في عموم قوله: "في الصلاة" .
ويقول بعد رفعه" ربنا لك الحمد«رواه البخاري ومسلم».
أو" ربنا ولك الحمد" «رواه البخاري ومسلم».
أو"اللهم ربنا لك الحمد" «رواه البخاري ومسلم »أو "اللهم ربنا ولك الحمد« رواه مسلم».
فهذه أربع صفات ولكن لا يقولها في آن واحد بل يقول هذا مرة وهذا مرة.
وهذه قاعدة ينبغي لطالب العلم أن يفهمها: أن العبادات إذا وردت على وجوه متنوعة فإنها تفعل على هذه الوجوه، على هذه مرة ، وعلى هذه مرة ، وفي ذلك ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: الإتيان بالسنة على جميع وجوهها.
الفائدة الثانية: حفظ السنة، لأنك لو أهملت إحدى الصفتين نُسيت ولم تحفظ.
الفائدة الثالثة: ألا يكون فعل الإنسان لهذه السنة على سبيل العادة، لأن كثيراً من الناس إذا أخذ بسنة واحدة صار يفعلها على سبيل العادة ولا يستحضرها، ولكن إذا كان يعودّ نفسه أن يقول هذا مرة وهذا مرة صار متنبهاً للسنة.
وإذا كان الإنسان مأموماً فإنه لا يقول"سمع الله لمن حمده" لقول النبي صلى الله عليه وسلم "وإذا قال - أي الإمام – سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد" "رواه مسلم" ويكون هذا في حال رفعه من الركوع قبل أن يستقيم قائماً .
وبعد أن يقول" ربنا ولك الحمد" بصفتها الأربع ، يقول : ﴿ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعده، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد﴾«رواه مسلم والنسائي».
ثم يكبر للسجود بدون رفع اليدين، لقول ابن عمر:" وكان لا يفعل ذلك في السجود".
ويخرُّ على الركبتين لا على يديه لقول النبي صلى الله عليه وسلم ﴿إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير﴾«رواه البخاري». والبعير عند بروكه يقدم اليدين فيخرّ البعير لوجهه، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرّ الإنسان في سجوده على يديه، لأنه إذا فعل ذلك برك كما يبرك البعير، هذا ما يدل عليه الحديث
إذاً يخرّ على ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه.
ويسجد على سبعة أعضاء لقول النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم﴾ ثم فصلها النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ على الجبهة، والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين ﴾«رواه البخاري ومسلم»فيسجد الإنسان على هذه الأعضاء.
وينصب ذراعيه فلا يضعهما على الأرض ولا على ركبتيه ؛ويجافي عضديه عن جنبيه وبطنه عن فخذيه فيكون الظهر مرفوعاً ؛ولا يمد ظهره كما يفعله بعض الناس.
وفي حال السجود يقول"سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات" «رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة».
ويقول" سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي "«رواه البخاري ومسلم»
أو" سبوح قدوس"« رواه مسلم» . وورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول فى سجوده:
﴿اللهم لك سجدت ؛وبك آمنت ؛ولك أسلمت ؛سجد وجهى للذى خلقه فصوره فأحسن صوره؛فشق سمعه وبصره ؛فتبارك الله أحسن الخالقين﴾. «رواه أحمد ومسلم»
﴿رب أعط نفسى تقواها ؛وزكها أنت خير من زكاها؛ أنت وليها ومولاها﴾ «رواه أحمد»
﴿اللهم اغفر لى ذنبى كله؛دقه وجله؛وأوله وآخره؛وعلانيته وسره﴾ « رواه مسلم وأبو داود »
"اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك ؛ وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ؛ وأعوذ بك منك لاأحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" «رواه »
ويكثر في السجود من الدعاء لقول النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم﴾«رواه مسلم ». أي حري أن يستجاب لكم ، وذلك لأنه أقرب ما يكون من ربه في هذا الحال ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ﴾«رواه البخاري» .
ولكن لاحظ أنك إذا كنت مع الإمام فالمشروع في حقك متابعة الإمام فلا تمكث في السجود لتدعو ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول﴿"إذا سجد فاسجدوا وإذا ركع فاركعوا﴾ «رواه البخاري» . فأمرنا أن نتابع الإمام وألا نتأخر عنه .
ثم ينهض من السجود مكبراً؛ويجلس بين السجدتين مفترشاً وكيفيته: أن يجعل الرجل اليسرى فراشاً له ، وينصب الرجل اليمنى من الجانب الأيمن؛أما اليدان فيضع يده اليمنى على فخذه اليمنى أو على رأس الركبة، ويده اليسرى على فخذه اليسرى أو يلقمها الركبة، فكلتاهما صفتان واردتان عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن اليد اليمنى يضم منها الخنصر والبنصر والوسطى والإبهام ، أو تحلق الإبهام على الوسط وأما السبابة فتبقى مفتوحة غير مضمومة، ويحركها عند الدعاء فقط. أما اليد اليسرى فإنها مبسوطة . ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن اليد اليمنى تكون مبسوطة وإنما ورد أنه يقبض منها الخنصر والبنصر
وفي هذا الجلوس يقول : ﴿رب اغفر لي وارحمني واهدني ، واجبرني وعافني وارزقني﴾« رواه الترمذي وأبو داود »، سواء كان إماماً أو مأموماً أو مفرداً .
ثم يسجد للسجدة الثانية كالسجدة الأولى في الكيفية وفيما يقال فيها .
ثم ينهض للركعة الثانية مكبراً معتمداً على ركبتيه قائماً بدون جلوس، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد . وقيل بل يجلس ثم يقوم معتمداً على يديه، كما هو المشهور من مذهب الشافعي، وهذه الجلسة مشهورة عند العلماء باسم جلسة الاستراحة.
وفي الركعة الثانية ، يفعل كما يفعل في الركعة الأولى ، إلا في شيء واحد وهو الاستفتاح ، فإنه لا يستفتح، وأما التعوذ ففيه خلاف بين العلماء منهم من يرى أنه يتعوذ في كل ركعة ، ومنهم من يرى أنه لا يتعوذ إلا في الركعة الأولى .
فإذا صلى الركعة الثانية جلس للتشهد كجلوسه بين السجدتين في كيفية الرجلين ، وفي كيفية اليدين ؛ويقرأ التشهد وقد ورد فيه صفات متعددة وقولنا فيه كقولنا في دعاء الاستفتاح ، أي أن الإنسان ينبغي له أن يأتي مرة بتشهد ابن عباس ومرة بتشهد ابن مسعود ، ومرة بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير هاتين الصفتين فيقول: ﴿التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴾«رواه البخاري» .
وإن كان في ثلاثية أو رباعية قام بعد التشهد الأول رافعاً يده كما رفعها عند تكبيرة الإحرام، وصلى بقية الصلاة وتكون بالفاتحة فقط فلا يقرأ معها سورة أخرى ، وإن قرأ أحياناً فلا بأس لوروده في ظاهر حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه .
ثم يجلس إذا كان في ثلاثية أو رباعية للتشهد الثاني ، وهذا التشهد يختلف عن التشهد الأول وفي كيفية الجلوس لأنه يجلس متوركاً والتورك له ثلاثُ صفات :
الصفة الأولى : أن ينصب الرجل اليمنى ويخرج الرجل اليسرى من تحت الساق، ويجلس بإِلييتيه على الأرض .
والصفة الثانية : أن يفرش رجليه جميعاً ويخرجها من الجانب الأيمن ، وتكون الرجل اليسرى تحت ساق اليمنى .
والصفة الثالثة : أن يفرش الرجل اليمنى ويجعل الرجل اليسرى بين الفخذ والساق .
فهذه ثلاثُ صفات للتورك ينبغي أن يفعل هذا تارة ، وأن يفعل هذا تارة أخرى .
ثم يقرأ التشهد الأخير ويضيف على التشهد الأول : ﴿اللهم صل على محمد ، وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد . اللهم بارك على محمد ، وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم ، إنك حميد مجيد﴾«رواه البخاري ومسلم» .
ويقول : ﴿أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال﴾«رواه مسلم»
وعن على رضى الله عنه قال :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة؛ يكون آخر مايقول بين التشهد والتسليم:" اللهم اغفرلى ماقدمت وماأخرت؛وماأسررت وماأعلنت؛وماأسرفت وماأنت أعلم به منى ؛أنت المقدم وأنت المؤخر ؛لاإله إلا أنت.«رواه مسلم»
عن عبد الله بن عمرو :أن أبابكر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم علمنى دعاء أدعو به فى صلاتى؟ قال :﴿قل:اللهم إنى ظلمت نفسى ظلما كثيراولايغفر الذنوب إلا أنت فاغفرلى مغفرة من عندك وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم.﴾«متفق عليه» ثم يدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة .
وبعد ذلك تسلم ﴿ السلام عليكم ورحمة الله﴾ ، وعن يسارك ﴿ السلام عليكم ورحمة الله ﴾ .
وبهذا تنتهي الصلاة .
وينبغي للإنسان إن كان يحب أن يدعو الله عز وجل أن يجعل دعاءه قبل أن يسلم أي بعد أن يكمل التشهد، وما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من التعوذ، يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة ،فأنت إذا كنت تريد الدعاء فادع الله قبل أن تسلّم وبذلك نعرف أن ما اعتاده كثير من الناس اليوم كلما سلّم من التطوع ذهب يدعو الله عز وجل حتى يجعله من الأمور الراتبة والسنن اللازمة فهذا أمر لا دليل عليه والسنة إنما جاءت بالدعاء قبل السلام .
هذه صفة الصلاة فيما نعلمه من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فينبغي للإنسان أن يحرص على تطبيق ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في تطبيق كيفية الصلاة ليكون ممتثلاً لقوله صلى الله عليه وسلم ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي ﴾«رواه البخاري وأحمد».
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ أَفْعَالِهِ بَعْدَ الصَّلاَةِ
* كان إذا سَلَّمَ استغفر ثلاثًا، ثم قال: ﴿اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام﴾«رواه الجماعة إلا البخارى»، ولم يمكث مستقبل القبلة إلا مقدار ما يقول ذلك، بل يسرع الانتقال إلى المأمومين، وكان ينفتل عن يمينه وعن يساره.
* وكان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس.
* وكان يقول دبر كل صلاة مكتوبة:﴿ لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد﴾«متفق عليه»
﴿ ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون﴾«رواه مسلم»
* عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ﴿من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين؛وحمد الله ثلاثا وثلاثين؛وكبر الله ثلاثاوثلاثين تلك تسع وتسعون . ثم قال تمام المائة لاإله إلا الله وحده لاشريك له ؛له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير ؛غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ﴾ «رواه البخارى ومسلم وأحمد وأبو داود»
*عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ﴿مَنْ قَالَ فِي دُبُرِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَيْهِ قَبْلَ أن يَتكَلَّمَ، لاَ إلهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ يُحيِي وَيُمِيتُ وهو عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّات، كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَ عَنْهَُ عشر سَيِّئَاتٍ، وَرُفعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ يَوْمَهُ ذلِكَ كُلَّهُ في حِرْزٍ مِنْ كُلِّ مَكْرُوه وَحُرِسَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَمْ يَنْبَغِ لِذَنْبٍ أَنْ يُدْرِكَهُ فِي ذلِكَ الْيَوْم إِلاَّ الشِّرْكَ بالله﴾«رواه الترمذي‏»
وفي ‏‏صحيح ابن حبان عن أبي أيوب الأنصاري يرفعه‏:‏ ‏‏مَنْ قَالَ إِذا أَصْبَحَ‏:‏ لاَ إلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْد وَهُوَ عَلَى كُلَ شىء قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ، كُتِبَ لَهُ بِهِنَّ عَشرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ بِهِنَّ عَشْرُ سَيئَاتٍ، وَ لَهُ بهنَّ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكُنَّ لَهُ عِدْلَ عَتَاقَةِ أَرْبَع رِقَابٍ، وَكُنَّ لَهُ حَرَساً مِنَ الشيطان حَتَى يُمْسِى، وَمَنْ قَالَهُنَّ إِذَا صَلَّى المَغْرِبَ دُبُرَ صَلاتِهِ فَمِثْلُ ذلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ‏.
* وذكر ابن حبان في ‏‏صحيحه‏‏عن الحارث بن مسلم التميمي قالَ‏:‏ قال لي النبيّ صلى الله عليه وسلم ‏ ‏﴿ ‏‏إِذَا صَلَّيتَ الصُّبْحَ، فَقُلْ قَبْلَ أَنت تتكَلَّم‏:‏ اللَّهُمَّ أَجِرْني مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ مِنْ يَوْمِكَ، كَتَبَ اللَّهُ لَكَ جَواراً مِنَ النَّار، وَإِذَا صَلَيْتَ المَغْرِبَ، فَقُلْ قَبْلَ أَنْ تتكَلَّمَ‏:‏ اللَّهُمَّ أَجِرْني مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَإِنَّكَ إِنْ مُتَ مِنْ لَيْلَتِكَ كَتَبَ اللَّهُ لَكَ جِوَاراً مِنَ النَّارِ﴾.
* روى الطبراني في ‏‏معجمه‏‏ أيضاً من حديث عبد اللّه بن حسن عن أبيه، عن جده قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏ ﴿‏‏مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ في دُبُرِ الصَّلاَةِ المَكْتُوبَةِ، كَانَ في ذِمَّةِ اللَّهِ إِلَى الصَّلاَةِ الأُخْرَى﴾‏
* وفي المسند والسُّنن، عن عُقبة بن عامر قال‏:‏ ‏‏أمرني رسولُ اللَّه ِصلى الله عليه وسلم ‏‏ أن أقرأ بالمُعَوِّذَاتِ في دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ«رواه أبو حاتم و ابن حبان والحاكم»
* وأوصى معاذاً أن يقول في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ‏:‏ ﴿اللَّهمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ﴾«‏رواه أحمد وأبو داود والنسائى». وَدُبُرُ الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده.

هديه صلى الله عليه وسلم في سجود السهو
* ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏﴿ ‏‏إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ،أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُوني‏﴾‏‏.
* وقال مالك رحمه اللّه‏:‏ كُلُّ سهو كان نقصاناً في الصلاة، فإن سجوده قبل السلام، وكُلُّ سهو كان زيادة في الصلاة، فإن سجوده بعد السلام، وإذا اجتمع سهوانِ‏:‏ زيادة ونقصان، فالسجودُ لهما قبل السلام‏.‏
* قال صلى الله عليه وسلم ﴿‏‏إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ، فلَمْ يَدْرِ كَمَْ صلى أَثَلاَثاً أَمْ أَرْبَعَاً، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَليَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أن يُسَلِّمَ‏﴾‏.
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ صلاة التَّطَوُّعِ
* كان يصلي عامة السنن والتطوع الذي لا سبب له في بيته؛والصلوات التي كان رسول الله يصليها أو يرغب في صلاتها هى:
راتبة صلاة الفجر: وهي ركعتان قبل الفريضة.عن عائشة رضي الله عنها ؛عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ﴿ ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها﴾«رواه مسلم»
وعنها قالت: لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم على شئ من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتى الفجر.«متفق عليه»
عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ فى ركعتى الفجر "قل ياأيها الكافرون"و"قل هو الله أحد" «رواه مسلم»
راتبة صلاة الظهر : وهي أربع ركعات قبل الفريضة وأربع أو اثنتان بعدها:عن أم حبيبة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:﴿من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار﴾« أخرجه الترمذي وابن ماجة وصححه الألباني»
وله أن يصلي ركعتين بعدها لحديث عائشة قالت:﴿كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يدخل فيصلي ركعتين﴾« أخرجه مسلم»
ولما فاتته الركعتان بعد الظهر قضاها بعد العصر
راتبة صلاة المغرب :وهي ركعتان بعد الفريضة: لحديث عائشة قالت: ﴿وكان صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين ﴾«رواه مسلم»
راتبة صلاة العشاء: وهي ركعتان بعد الفريضة لحديث ابن عمر قال "وركعتين بعد العشاء في بيته«أخرجه البخاري ومسلم»
صلاة ركعتين بعد الوضوء: عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال:﴿ يابلال حدثنى بأرجى عمل عملته فى الإسلام ؛ فإنى سمعت دف نعليك بين يدى فى الجنة ؛ قال : ماعملت عملا أرجى عندى من أنى لم أتطهر طهورا فى ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ماكتب لى أن أصلى ﴾ « متفق عليه»
صلاة تحية المسجد: يشرع للمسلم إذا دخل المسجد وأراد الجلوس فيه أن يصلي ركعتين.
فعن أبي قتادة السلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال﴿إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس﴾«أخرجه الشيخان».
وفي رواية البخاري" إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين".
الصلاة بين الآذان والإقامة : عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء﴾«أخرجه البخاري» والمقصود بالأذانين هنا الأذان والإقامة.
هديه صلى الله عليه وسلم فى قيام الليل
*عن عائشة رضى الله عنها قالت : كان النبى صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تنفطر قدماه ؛ فقلت له:لم تصنع هذا يارسول الله وقد غفر لك ماتقدم من ذنبك وماتأخر؟ قال :﴿أفلا أكون عبدا شكورا﴾«.متفق عليه»
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله :﴿صلى الله عليه وسلم أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ؛ وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل﴾ «رواه مسلم»
عن ابن عمر رضى الله عنهما ؛ أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ﴿صلاة الليل مثنى مثنى؛فإن خفت الصبح فأوتر بواحدة﴾« متفق عليه»
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿رحم الله رجلا قام من الليل ؛فصلى وأيقظ امرأته ؛فإن أبت نضح فى وجهها الماء؛ رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت ؛ وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت فى وجهه الماء﴾«رواه أبو داود بسند صحيح»
عن عائشة رضى الله عنها قالت : ﴿كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين﴾«رواه مسلم»
عن عبد الله بن سلام رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ﴿أيها الناس أفشوا السلام ؛ وأطعموا الطعام؛ وصلوا بالليل والناس نيام ؛تدخلوا الجنة بسلام﴾«رواه الترمذى فى صحيحه»
عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهم ؛ عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم الرجل عبد الله لو كان يصلى من الليل ؛ قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لاينام من الليل إلا قليلا.« متفق عليه»
عن جابر رضى الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ﴿ إن فى الليل لساعة ؛لايوافقها رجل مسلم يسأل الله تعالى خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه؛ وذلك كل ليلة﴾«رواه مسلم»
* ولم يكن يدع صلاة الليل حضرًا ولا سفرًا.
* وكان أكثر صلاته بالليل قائمًا، وربما يصلي قاعدًا، وربما يقرأ قاعدًا، فإذا بقي يسير من قراءته قام فركع قائمًا.
* وكان يصلي ثماني ركعات، يسلم بعد كل ركعتين، ثم يوتر بخمس سردًا متواليات، لا يجلس إلا في آخرهن، أو يوتر بتسع ركعات يسرد منهن ثمانيًا لا يجلس إلا في الثامنة، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، ثم يقعد فيتشهد ويسلم، أو يوتر بسبع كالتسع المذكورة .
* وكان يوتر أول الليل ووسطه وآخره، وقال صلى الله عليه وسلم ﴿ اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا﴾« متفق عليه»
* وكان إذا غلبه نوم أو وجع صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة.
* وقام ليلة بآية يتلوها ويرددها حتى الصباح.
* وكان يُسِرُّ بالقرآن في صلاة الليل تارةً، ويجهر تارةً، ويطيل القيام تارة، ويخففه تارةً.
* وكان يقرأ في الوتر بـ"سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى"، و"قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ"، و"قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ"، فإذا سلم قال" سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات، يمد صوته في الثالثة ويرفع« رواه النسائي».
صلاة الضحى
*عن عائشة رضى الله عنها قالت‏:‏ "كان رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم يُصلي الضحى أربعاً، ويزيد ما شاء اللّه"«رواه مسلم».
* عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ أوصاني خليلي محمد صلى الله عليه وسلم بصيامِ ثلاثَةِ أيام مِن كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أُوتِرَ قبل أن أنام‏" «رواه البخارى ومسلم»
* عن أبي ذر قال‏:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏﴿يُصبِحُ عَلَى كُلِّ سُلاَمىَ مِن أَحَدِكُم صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسبِيْحَةٍ صدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحمِيْدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وتجْزِىءُ مِن ذَلِكَ رَكْعَتانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضحَى﴾«رواه مسلم»
* عن مُعاذ بن أنس الجُهَني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ ‏ قال‏:‏﴿مَن قَعَدَ في مُصَلاَّهُ حينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ رَكعتَي الضُّحى لا يقول إِلاَّ خَيراً،غَفَرَ الله خَطَايَاهُ وإِن كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البحْر﴾« ‏رواه أحمد»
* وقال مجاهد‏:‏ صلَّى رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم يوماً الضحى ركعتين، ثم يوماً أربعاً، ثم يوماً سِتّاً، ثم يوماً ثمانياً ثم تركَ‏.‏

سجود الشكر:
*عن أبي بكرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمرٌ يَسُرُّه، خرَّ لله سَاجِداً شُكْراً لله تَعَالى‏.‏
*وفي سنن أبي داود من حديث سعد بن أبي وقاص، أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رفع يديه فسأل اللّه ساعة، ثم خرّ ساجداً ثلاثَ مرات، ثم قال‏:‏ ﴿‏‏إنِّي سَأَلْتُ رَبي وشَفَعْتُ لأمَّتي، فَأَعْطَاني ثلُثَ أُمَّتي، فَخرَرْت سَاجِداً شُكْرَاً لِرَبِّي، ثُمَّ رَفعت رأسْي، فَسَألتُ رَبِّي لأمَّتي، فَأَعْطَاني الثُّلثَ الثاني، فَخَرَرَت سَاجداً شكْراً لِرَبي ثمّ رَفَعت رَأسي، فَسَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتي، فأعطَاني الثُّلثَ الآخَرَ، فَخَررَتُ ساجداً لربِّي‏﴾
صلاة الاستخارة
وكان يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمهم السورة من القرآن فقال صلى الله عليه وسلم ﴿ إذا هم أحدُّكُم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ـ ويسمي حاجته ـ خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ـ أو قال: عاجله وآجله ـ فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ـ أو قال: عاجله وآجله ـ فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضِّني به﴾«رواه البخاري»
صلاة الكسوف
* لما كسفت الشمس خرج إلى المسجد مسرعًا فزعًا يجر رداءه، فتقدم وصلى ركعتين، قرأ في الأولى بالفاتحة وسورة طويلة، وجهر بالقراءة، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع فأطال القيام، وهو دون القيام الأول، وقال لما رفع رأسه من الركوع: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد؛ ثم أخذ في القراءة ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع رأسه من الركوع، ثم سجد سجدة طويلة فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل في الركعة الأولى، فكان في كل ركعة ركوعان وسجودان. ثم انصرف فخطب بهم خطبة بليغة.
* وأمر في الكسوف بذكر الله والصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتاقة.
صلاة الاستسقاء
* كان يستسقي على المنبر في أثناء الخطبة، وكان يستسقي في غير الجمعة، واستسقى وهو جالس في المسجد ورفع يديه ودعا الله عز وجل.
* وحفظ من دعائه في الاستسقاء: "اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت"« صحيح أبي داود»،" واللهم اسقنا غيثا مغيثًا مريئًا مريعًا نافعًا غير ضار، عاجلاً غير آجل"«صحيح أبي داود».
* وكان إذا رأى الغيم والريح عُرِفَ ذلك في وجهه، فأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سُرِّيَ عنه.
* وكان إذا رأى المطر قال"اللهم صَيِّبًا نافعًا" " متفق عليه"، ويحسر ثوبه حتى يصيبه من المطر، فسئل عن ذلك: فقال"لأنه حديث عهد بربه" «رواه مسلم»
صَلاَةِ الْخَوْفِ
* كان من هديه إذا كان العدو بينه وبين القبلة أن يَصُفَّ المسلمين خلفه صفين، فيكبر ويكبرون جميعًا، ثم يركعون ويرفعون جميعًا ثم يسجد أول الصف الذي يليه خاصة، ويقوم الصف المؤخر مواجه العدو، فإذا نهض للثانية سجد الصف المؤخر سجدتين، ثم قاموا فتقدموا إلى مكان الصف الأول، وتأخر الصف الأول مكانهم؛ لتحصل فضيلة الصف الأول للطائفتين؛ وليدرك الصف الثاني معه السجدتين في الثانية، فإذا ركع صنع الطائفتان كما صنعوا أول مرة، فإذا جلس للتشهد سجد الصف المؤخر سجدتين، ولحقوه في التشهد، فسلم بهم جميعًا.
* وإن كان في غير جهة القبلة؛ فإنه تارة يجعلهم فرقتين: فرقة بإزاء العدو، وفرقة تصلي معه، فتصلي معه إحدى الفرقتين ركعة، ثم تنصرف في صلاتها إلى مكان الفرقة الأخرى، وتجيء الأخرى إلى مكان هذه، فتصلي معه الركعة الثانية ثم يسلم، وتقضي كل طائفة ركعة بعد سلام الإمام.
* وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعة، ثم يقوم إلى الثانية، وتقضي هي ركعة وهو واقف، وتسلم قبل ركوعه، وتأتي الطائفة الأخرى فتصلي معه الركعة الثانية، فإذا جلس في التشهد قامت فقضت ركعة، وهو ينتظرها في التشهد، فإذا تشهدت سَلَّمَ بهم.
* وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعتين ويسلم بهم، وتأتي الأخرى فيصلي بهم ركعتين ويسلم بهم.
* وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعة، ثم تذهب ولا تقضي شيئًا، وتجيء الأخرى فيصلي بهم ركعة ولا تقضي شيئًا، فيكون له ركعتان، ولهم ركعة ركعة
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ الْجُمُعَةِ
كان من هديه تعظيم يوم الجمعة وتشريفه وتخصيصه بخصائص؛ منها: الاغتسال في يومها، وأن يلبس فيه أحسن ثيابه، والإنصات للخطبة وجوبًا، وكثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
عن ابن عمر رضى الله عنهما ؛أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:﴿ إذا جاء أحدكم الجمعة؛فليغتسل﴾«متفق عليه»
عن أبى هريرة رضى الله عنه ؛أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:﴿من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة؛ ثم راح فى الساعة الأولى؛فكأنما قرب بدنة؛ومن راح فى الساعة الثانية ؛ فكأنما قرب بقرة ؛ ومن راح فى الساعة الثالثة ؛ فكأنما قرب كبشا أقرن؛ ومن راح فى الساعة الرابعة ؛فكأنما قرب دجاجة؛ ومن راح فى الساعة الخامسة؛فكأنما قرب بيضة؛فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر﴾«متفق عليه»
عن سلمان رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿لايغتسل رجل يوم الجمعة ؛ ويتطهر مااستطاع من طهر ؛ ويدهن من دهنه؛ أو يمس من طيب بيته ؛ ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين؛ ثم يصلى ماكتب له؛ ثم ينصت إذا تكلم الإمام ؛ إلا غفر له مابينه وبين الجمعة الأخرى﴾«رواه البخارى»
عن أوس بن أوس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة ؛ فأكثروا على من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة على﴾«رواه أبو داود»
ويستحب قرآءة سورة الكهف في يوم الجمعة لحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله" صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين ". «رواه الحاكم والبيهقي»
ويجب الانصات للخطبة والاهتمام بما يقال فيها، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت "«متفق عليه» وزاد أحمد في روايته:" ومن لغا فليس له في جمعته تلك شيء ". وعند أبي داوود: " ومن لغا أو تخطى، كانت له ظهراً "
ويكره إفراد يوم الجمعة بصيام وليلته بقيام لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم « رواه مسلم»
والواجب على من أراد صيامه أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده لحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده « "متفق عليه واللفظ للبخاري»
وإذا دخل المسلم المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب صلى ركعتين خفيفتين قبل أن يجلس. لحديث جابر بن عبد الله قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة، والنبي يخطب، فجلس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :﴿إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليصل ركعتين، ثم ليجلس﴾«رواه مسلم»
ونهى النبى صلى الله عليه وسلم عن تخطي الرقاب والتفريق بين اثنين وايذاء الجالسين والتضييق عليهم. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل تخطى رقاب الناس يوم الجمعة وهو يخطب" اجلس فقد آذيت وآنيت" « رواه ابن ماجه»
وكذلك نهى صلى الله عليه وسلم عن إقامة الرجل والجلوس مكانه. فعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة، ثم يخالف إلى مقعده فيقعد فيه، ولكن يقول: افسحوا ﴾«رواه مسلم»
ونهى أيضاعن تطويل الخطبة وتقصير الصلاة، فعن عمار قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته متنه من فقهه - أي علامة - فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة، وإن من البيان سحراً ﴾ «رواه مسلم» والضابط في ذلك هو حاجة الناس ومراعاة أحوالهم. فعن جابر بن سمرة قال: كنت أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً «رواه مسلم» قصداً: أي وسطاً بين الطول والقصر.
أما سنة الجمعة فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين "متفق عليه". وورد أنه أمر من كان مصلياً بعد الجمعة أن يصلي أربعاً «رواه مسلم»
قال اسحاق: إن صلى في المسجد يوم الجمعة صلى أربعاً، وإن صلى في بيته صلى ركعتين.
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ الْعِيدَيْنِ
* الغسل والتطيب ؛ولبس أجمل الثياب.
* وكان يأكل في عيد الفطر قبل خروجه تمرات، ويأكلهن وترًا، وأما في الأضحى فكان لا يطعم حتى يرجع من المصلى، فيأكل من أضحيته؛ عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو حتى يأكل تمرات , وقال : كان يأكلهن وتراً « أخرجه البخاري» وذلك في عيد الفطر دون عيد الأضحى .
عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي " «أخرجه الترمذي»
* خروج النساء والحيض للمصلى : من السنة أن تخرج المرأة إلى صلاة العيد لتشهد عن كثب هذه الشعيرة وإن كانت حائضاً . عن أم عطية رضي الله عنها قالت : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى العوائق والحيض وذوات الخدور , فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين قلت : يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب قال : لتلبسها أختها من جلبابها " «أخرجه مسلم». والعواتق : جمع عاتق وهي الشابة أول ما تدرك , كما في النهاية في غريب الحديث والأثر لأبن الأثير .
وعنها رضي الله عنها قالت : " كنا نؤمر بالخروج في العيدين والخبأة والبكر , قالت : الحيض يخرجن فيكن خلف الناس يكبرن مع الناس" «أخرجه مسلم»
* المشي للصلاة ومخالفة الطريق : من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في العيد خروجه للصلاة مشياً ومخالفة الطريق في الرجعة . عن ابن عمر رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى العيد ماشياً ويرجع ماشياً " «أخرجه ابن ماجه وحسنه الألباني» .
وعن جابر رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق «أخرجه البخاري ». وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج يوم العيد في طريق رجع من غيره " «أخرجه الترمذي وصححه الألباني».
* التكبير : من السنة في العيد الجهر بالتكبير للرجال دون النساء؛ووقت التكبير فى عيد الفطر من غروب الشمس ليلة الفطرإلى إبتداء الخطبة؛ووقته فى عيد الأضحى من صبح يوم عرفة إلى عصر ثالث أيام التشريق؛أما صيغ التكبير فالأمر فيها واسع وأصح ماورد فيها (﴿الله أكبرالله أكبرالله أكبر لاإله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد﴾
*لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم يصلى قبل صلاة العيد ولابعدها أى صلاة ؛فليس لها سنة قبلها ولابعدها.
* يجوز للنساء في العيد إظهار البهجة والسرور من خلال الغناء المباح وهو الإنشاد المهذب لفظه ومعناه , كما يجوز فيه الضرب بالدفوف أسوة بالنكاح . أما الغناء الماجن المتضمن للكلام البذيء المصاحب للمعازف فهو محرم في العيد وغيره؛ كما يشرع للرجال التوسعة على الأهل والعيال في أيام العيد بشيء من اللهو المباح
هديه صلى الله عليه وسلم فىصلاة العيد
لصلاة العيد صفة خاصة ثابتة بالسنة وهي على النحو التالي :
أ - ليس لها أذان ولا إقامة : عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العيد غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة «أخرجه مسلم».
ب - التبكير بها : يسن التبكير بصلاة العيد بعد طلوع الشمس.
ج - وضع السترة أمام الإمام : لما كانت السنة في صلاة العيد أن تؤدى في
مصلى خارج المسجد لزم الإمام وضع سترة أمامه . عن ابن عمر رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تركز الحربة قدامه يوم الفطر والنحر ثم يصلي« أخرجه البخاري ».
د - البدء بالصلاة ثم الخطبة : المشروع في صلاة العيد تقديم الصلاة على الخطبة .عن أبي سعيدالخدري رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى , فأول شيء يبدأ به الصلاة , ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم , ويوصيهم , ويأمرهم . فإن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه أو يأمر بشيء أمر به« أخرجه البخاري» .
هـ - عدد ركعاتها : عن ابن عباس رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصلي قبلها ولا بعدها ومعه بلال «أخرجه البخاري» .
و - عدد تكبيراتها ومحلها : عن عائشة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمساً «أخرجه أبو داود وصححه الألباني».
ي - القراءة فيها : عن النعمان بن بشير رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة ب " سبح اسم ربك الأعلى " و "هل أتاك حديث الغاشية" «أخرجه النسائي وصححه الألباني» .
وعن عمر رضي الله عنه : أنه خرج يوم عيد فسأل أبا واقد الليثي بأي شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في هذا اليوم ؟ فقال : ب"ق" و " اقتربت " «أخرجه النسائي وصححه الألباني».


هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ
* هديه فيها أكمل الهدي في وقتها وقدرها ونصابها، ومن تجب عليه ومصرفها، راعى فيها مصلحة أرباب الأموال ومصلحة المساكين، ففرض في أموال الأغنياء ما يكفي الفقراء من غير إجحاف.
* وكان إذا علم من الرجل أنه من أهلها أعطاه وإن سأله منها مَنْ لا يعرف حاله أعطاه بعد أن يخبره أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب.
* وكان من هديه تفريقها على المستحقين في بلد المال، وما فضل عنهم منها حُمِلَ إليه ففرقه.
* ولم يكن يبعثهم إلا إلى أهل الأموال الظاهرة من المواشي والزروع والثمار.
* ولم يكن من هديه أخذ كرائم الأموال، بل وسطه.
* وكان ينهى المتصدق أن يشتري صدقته، وكان يبيح للغني أن يأكل منها إذا أهداها إليه الفقير.
* وكان إذا جاء الرجل بالزكاة دعا له، يقول:" اللهم بارك فيه وفي إبله" «صحيح النسائي»، وتارة يقول" اللهم صَلِّ عليه" « متفق عليه».
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ زَكَاةِ الْفِطْرِ
*عن ابن عمررضى الله عنهما قال :" فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر , والذكر والأنثى , والصغير والكبير , من المسلمين , وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ".
*عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : كنا نعطيها في زمان النبي صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام , أو صاعا من تمر , أو صاعا من شعير , أو صاعا من زبيب «رواه البخاري».
*وقد بين ابن عباس رضي الله عنهما الحكمة من مشروعية زكاة الفطر , فقال : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين , فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة , ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقة . «رواه أبو داود».
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ صَدَقةِ التَّطَوُّعِ
* كان أعظم الناس صدقة بما ملكت يده وكان لا يستكثر شيئًا أعطاه لله، ولا يستقله.
* وكان لا يسأله أحدٌ شيئًا عنده إلا أعطاه، قليلاً كان أو كثيرًا.
* وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظمَ من سرور الآخذ بما أخذه.
* وكان إذا عرض له محتاجٌ آثره على نفسه، تارةً بطعامه، وتارةً بلباسه.
* وكان ينوع في أصناف إعطائه وصدقته، فتارةً بالهدية، وتارةً بالصدقة، وتارةً بالهبة، وتارةً بشراء الشيء ثم يعطي البائع السلعة والثمن، وتارةً يقترض الشيء فيرد أكثر منه، وتارة يقبل الهدية ويكافئ عليها بأكثر منها.
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ
كان على النحو التالى:
الأول : المقيّد بحال الشخص ، كالشاب الذي لم يستطع الزواج كما في حديث عَبْد اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَبَابًا لا نَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ﴿يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ﴾«رواه البخاري و مسلم». فإن مشروعية الصيام في حقه تتأكد مادام أعزب ، ويزداد التأكد كلما ازدادت المثيرات له ، من غير تحديد بأيام معينة .
الثاني : المقيد بوقت معين ، و هذا متنوع فبعضه أسبوعي ، وبعضه شهري وبعضه سنوي .
فالأسبوعي: هو استحباب صيام الاثنين و الخميس: فعن عَائِشَةَ قَالَتْ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَحَرَّى صِيَامَ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس «رواه النسائيِ وغيره» وسئل صلى الله عليه وسلم عن صيام يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ قَال:" ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ" «رواه النسائي وابن ماجه وأحمد » وسُئِلَ عَنْ صَوْمِ الاثْنَيْنِ فَقَال َصلى الله عليه وسلم " فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ" «رواه مسلم».
والشهري هو: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلاثٍ لا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ صَوْمِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَلاةِ الضُّحَى وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ" « رواه البخاري و مسلم». والمستحب كونها أوسط الشهر الهجري المسماة أيام البيض فعن أَبِي ذَرٍّ قَال : "قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا صُمْتَ شَيْئًا مِنْ الشَّهْرِ فَصُمْ ثَلاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ " «رواه النسائي و ابن ماجه و أحمد».
والسنوي منه ما هو يوم معين و منه ما هو فترة يسن الصوم فيها .
فمن الأيام المعينة :
1 ـ يوم عاشوراء :وهو اليوم العاشر من شهر محرم فعن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا :َسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ مَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَامَ يَوْمًا يَطْلُبُ فَضْلَهُ عَلَى الأَيَّامِ إِلاَّ هَذَا الْيَوْمَ وَلا شَهْرًا إِلا هَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي رَمَضَانَ "«رواه البخاري و مسلم».
عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يا رسول الله إنه يوم يعظمه اليهود والنصارى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع إن شاء الله تعالى قال فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم «رواه مسلم وأبو داؤد»
2 ـ يوم عرفة : وهو اليوم التاسع من ذي الحجة ، واستحبابه خاص بمن لم يكن واقفاً بعرفة ،كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ﴿صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ﴾«رواه مسلم».

أما الفترات التي يسن الصوم فيها فمنها :
1 ـ شهر شوال : يسن صيام ستة أيام منه لقول رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ﴿مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ ﴾«رواه مسلم»
2 ـ شهر محرم : يسن صيام ما تيسَّر منه للحديث أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ وَأَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ«رواه مسلم»
3 ـ شهر شعبان :كما ثبت عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إَِلا قَلِيلاً «رواه البخاري و مسلم».
صفة صومه صلى الله عليه وسلم
1- النيـــة:
وجوب تبييت النية في صوم الفريضة قبل طلوع الفجر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من لم يُجمِع الصيام قبل الفجر فلا صيام له"« صحيح أبي داود»
وقال صلى الله عليه وسلم "من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له" «صحيح النسائي»
والنية محلها القلب، والتلفظ بها لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم
2- وقت الصوم:
قال تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾﴿البقرة: 187﴾
فإذا أقبل الليل من جهة الشرق وأدبر من جهة الغرب وغربت الشمس فليفطر0 قال صلى الله عليه وسلم ﴿إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم﴾« متفق عليه» وهذا أمر يتحقق بعد غروب قرص الشمس مباشرة وإن كان ضوءها ظاهراً0
3- السحور:
قال صلى الله عليه وسلم ﴿فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر﴾«رواه مسلم»وقال:﴿البركة في ثلاثة: الجماعة، والثريد، والسحور﴾« رواه الطبراني»
وكون السحور بركة ظاهرة لا ينبغي تركه، لأنه اتباع للسنة، ويقوي على الصيام0 وهو الغذاء المبارك كما سماه الرسول صلى الله عليه وسلم "هلمّ إلى الغذاء المبارك"«صحيح أبي داود».
وقال صلى الله عليه وسلم ﴿السحور أكلة بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين﴾« رواه الإمام أحمد» 0
وقال صلى الله عليه وسلم ﴿ نعم سحور المؤمن التمور﴾« صحيح أبي داود»
وكان من هديه تأخير السحور إلى قبيل الفجر0
4- ما يجب على الصائم تركه:
قول الزور: قال صلى الله عليه وسلم ﴿من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله عز وجل حاجة أن يدع طعامه وشرابه﴾« رواه البخاري».
اللغو والرفث: قال صلى الله عليه وسلم ﴿ليس الصيام من الأكل والشراب ، وإنما الصيام من اللغو والرفث ، فإن سابَّـك أحد أو جَهِل عليك فقل : إني صائم﴾ «صحيح ابن خزيمة» 0
5- الإفطـار :
تعجيل الفطر من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه مخالفة اليهود والنصارى ، فإنهم يؤخرون ، وتأخيرهم له أمد ، وهو ظهور النجم 00 قال صلى الله عليه وسلم ﴿لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر﴾«متفق عليه» 0

على ماذا يفطر؟
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :" كان النبي صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن رطبات فتمرات، فإن لم يكن تمرات حسا حسوات من ماء" «صحيح أبي داود».
ماذا يقول عند الإفطار؟
قال صلى الله عليه وسلم "للصائم عند فطره دعوة لا ترد" «صحيح ابن ماجه» 0
وكان صلى الله عليه وسلم يدعو عند إفطاره:﴿ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله﴾ «رواه أبي داود»
6- مفسدات الصوم :
الأكل والشرب متعمداً : سواء كان نافعاً أم ضاراً كالدخان0 أما إذا فعل ذلك ناسياً أو مخطئاً أو مكرهاً فلا شيء عليه إن شاء الله
قال صلى الله عليه وسلم ﴿إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه ، فإنما أطعمه الله وسقاه﴾ « متفق عليه».
تعمد القيء: وهو إخراج ما في المعدة عن طريق الفم لقوله صلى الله عليه وسلم "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض"« صحيح أبي داود» فإن قاء من غير قصد لم يفطر 0
الجماع: وإذا وقع في نهار رمضان من صائم يجب عليه الصوم فعليه مع القضاء كفارة مغلظة وهي عتق رقبة ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً 0
الحقن الغذائية: وهي إيصال بعض المواد الغذائية إلى الأمعاء أو إلى الدم بقصد تغذية المريض ، فهذا النوع يفطر الصائم ، لأنه إدخال إلى الجوف.
الحيض والنفاس: خروج دم من المرأة في جزء من النهار سواء وجد في أوله أو آخره أفطرت وقضت0
إنزال المني: يقظة باستمناء أو مباشرة أو تقبيل أو ضم أو نحو ذلك، وأما الإنزال بالاحتلام فلا يفطر لأنه بغير اختيار الصائم
7-قيام الليل التراويح:
لقد سن الرسول صلى الله عليه وسلم قيام رمضان جماعة، ثم تركه مخافة أن يفرض على الأمة فلا تستطيع القيام بهذه الفريضة0 وعدد ركعاتها ثمان ركعات دون الوتر لحديث عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة«متفق عليه»
عن أبى هريرة رضى الله عنه ؛عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:﴿ من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ماتقدم من ذنبه﴾«متفق عليه»
وعنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:﴿من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا ؛غفر له ماتقدم من ذنبه﴾«متفق عليه»
عن عائشة رضى الله عنها قالت:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان ؛أحيا الليل؛وأيقظ أهله ؛ وجد وشد المئزر.«متفق عليه»
وعنها قالت:﴿ قلت :يارسول الله أرأيت إن علمت أى ليلة ليلة القدر ماأقول فيها؟ قال: قولى:اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنى﴾«رواه الترمذى»
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ الاِعْتِكَافِ
* كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، وتركه مرة فقضاه في شوال.
* واعتكف مرة في العَشْر الأُوَل، ثم الأوسط، ثم العَشْر الأواخر يلتمس ليلة القدر، ثم تبين له أنها في العَشْر الأواخر، فداوم على الاعتكاف حتى لحق بربه عز وجل.
* ولم يفعله إلا مع الصوم.
* وكان يأمر بخباء، فيضرب له في المسجد يخلو فيه.
* وكان إذا أراد الاعتكاف صلى الفجر ثم دخله.
* وكان إذا اعتكف طُرِح له فراشه وسريره في معتكفه، وكان يدخل قبته وحده.
* وكان لا يدخل بيته إلا لحاجة الإنسان.
* وكان يُخِرج رأسه إلى بيت عائشة فترجِّله وهي حائض.
* وكان بعض أزواجه تزوره وهو معتكف، فإذا قامت تذهب قام معها يرافقها إلى البيت ثم يعود وكان ذلك ليلاً.
* ولم يكن يباشر امرأة من نسائه وهو معتكف لا بقُبلة ولا غيرها.
* وكان يعتكف كل سنة عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبِض فيه اعتكف عشرين يومًا.
صفة عمرته صلى الله عليه وسلم
أولاً : الإحرام
الإحرام هو نية الدخول في النسك –الحج أو العمرة-؛إذا أراد أن يحرم فالسنة أن يتجرد من ثيابه ويغتسل كما يغتسل للجنابة ، ويتطيب بأطيب ما يجد من مسك أو غيره ، في رأسه ولحيته ، ولا يضره بقاء ذلك بعد الإحرام لما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت :﴿ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم تطيب بأطيب ما يجد ، ثم أرى وبيص"بريق ولمعان" المسك في رأسه ولحيته بعد ذلك﴾«رواه البخاري ومسلم».
والاغتسال عند الإحرام سنة في حق الرجال والنساء ، حتى النفساء والحائض لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس حين نفست أن تغتسل عند إحرامها وتستثفر بثوب وتحرم.«رواه مسلم»
ثم بعد الاغتسال والتطيب يلبس ثياب الإحرام ، ثم يصلي غير الحائض والنفساء الفريضة إن كان في وقت فريضة ، وإلا صلى ركعتين ينوي بهما سنة الوضوء ، فإذا فرغ من الصلاة استقبل القبلة وأحرم ، وله أن يؤخر الإحرام حتى يركب دابته "سيارته" ويستعد للمسير ، فيحرم قبل انطلاقه من الميقات إلى مكة؛. ثم يقول : لبيك اللهم بعمرة . ثم يلبي بما لبى النبي صلى الله عليه وسلم به وهو:﴿ لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك﴾ ، وكان من تلبيته صلى الله عليه وسلم " لبيك إله الحق" .
يرفع الرجل صوته بذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم ﴿أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية﴾« رواه أبوداود»
وقال صلى الله عليه وسلم ﴿ أفضل الحج العجُّ والثج﴾« حسنه الألباني في صحيح الجامع»
والعج رفع الصوت بالتلبية ، والثج سيلان دماء الهدي؛ والمرأة تقول بقدر ما يسمع من بجنبها ، إلا أن يكون بجانبها رجل ليس من محارمها فإنها تلبي سراً؛.
وإذا كان من يريد الإحرام خائفا من عائق يعوقه عن إتمام نسكه " كمرض أو عدو أو حبس أو غير ذلك" فإنه ينبغي أن يشترط عند الإحرام فيقول : إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني - أي : إن منعني مانع من إتمام نسكي من مرض أو تأخر أو غيرهما فإني أحل من إحرامي - لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ضباعة بنت الزبير حين أرادت الإحرام وهي مريضة أن تشترط وقال : إن لك على ربك ما استثنيت« رواه البخاري ومسلم »فمتى اشترط وحصل له ما يمنعه من إتمام نسكه فإنه يحل من إحرامه ولا شيء عليه؛ وأما من لا يخاف من عائق يعوقه عن إتمام نسكه فإنه لا ينبغي له أن يشترط لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط ولم يأمر بالاشتراط كل أحد ، وإنما أمر به ضباعة بنت الزبير لوجود المرض بها.
وينبغي للمحرم أن يكثر من التلبية خصوصا عند تغير الأحوال والأزمان ، مثل أن يعلو مرتفعا أو ينزل منخفضا أو يقبل الليل أو النهار ، وأن يسأل الله بعدها رضوانه والجنة ، ويستعيذ برحمته من النار .
والتلبية مشروعة في العمرة من الإحرام إلى أن يبدأ في الطواف ؛ فإذا بدأ في الطواف قطع التلبية .
الاغتسال لدخول مكة
وينبغي إذا قرب من مكة أن يغتسل لدخولها إن تيسر له ذلك ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل عند دخوله مكة« رواه مسلم ».
ثانياً : الطواف
فإذا دخل المسجد الحرام قدم رجله اليمنى وقال :" بسم الله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، اللهم اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك ، أعوذ بالله العظيم ، وبوجهه الكريم ، وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم".
ثم يتقدم إلى الحجر الأسود ليبتدئ الطواف فيستلم الحجر بيده اليمنى ويقبله ، فإن لم يتيسر تقبيله استلمه بيده وقَبَّل يده والاستلام هو مسح الحجر بيده؛ فإن لم يتيسر استلامه بيده فإنه يستقبل الحجر ويشير إليه بيده ويكبر ، ولا يقبل يده ؛ وفي استلام الحجر الأسود فضل كبير ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم ﴿:ليبعثن الله الحجر يوم القيامة وله عينان يبصر بهما ، ولسان ينطق به ، يشهد على من استلمه بحق﴾ « صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب »
والأفضل أن لا يزاحم فيؤذي الناس ويتأذى بهم ، لما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر :﴿ يا عمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف ، إن وجدت خلوة فاستلمه ، وإلا فاستقبله وكبر﴾«رواه أحمد »
ثم يأخذ ذات اليمين ويجعل البيت عن يساره فإذا بلغ الركن اليماني وهو ثالث الأركان بعد الحجر الأسود استلمه من غير تقبيل ولا تكبير ، فإن لم يتيسر له استلامه انصرف ، ولا يزاحم عليه . ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار . « رواه أبو داوود وحسنه الألباني »وكلما مر بالحجر الأسود استقبله وكبر ، ويقول في بقية طوافه ما أحب من ذكر ودعاء وقراءة قرآن فإنما جعل الطواف بالبيت لإقامة ذكر الله تعالى
وفي هذا الطواف ينبغي للرجل أن يفعل شيئين :
أحدهما : الاضطباع من ابتداء الطواف إلى انتهائه , والاضطباع أن يكشف كتفه الأيمن بأن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على كتفه الأيسر فإذا فرغ من الطواف أعاد رداءه إلى حالته قبل الطواف ، لأن الاضطباع محله الطواف فقط .
والثاني : الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط ، والرمل هو إسراع المشي مع مقاربة الخطوات ، وأما الأشواط الأربعة الباقية فليس فيها رمل وإنما يمشي كعادته .
فإذا أتم الطواف سبعة أشواط غطى كتفه الأيمن ثم يتقدم إلى مقام إبراهيم فيقرأ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ثم يصلي ركعتين خلف المقام يقرأ في الأولى بعد الفاتحة " قل يا أيها الكافرون " وفي الثانية" قل هو الله أحد " بعد الفاتحة . ثم إذا فرغ من الصلاة ذهب إلى الحجر الأسود واستلمه إن تيسر له ، والمشروع هنا الاستلام فقط ، فإن لم يتمكن من الاستلام انصرف ولا يشير إليه .
ثالثاً : السعي
ثم يخرج إلى المسعى فإذا دنا من الصفا قرأ:﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ولا يستحب تكرارها كلما اقترب من الصفا والمروة كما يفعله بعض الناس ويقول :" نبدأ بما بدأ الله به" ثم يرقى على الصفا حتى يرى الكعبة فيستقبلها ويرفع يديه فيحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو
وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم هنا :﴿ لا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير . لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده﴾« رواه مسلم»
يكرر ذلك ثلاث مرات ويدعو بين ذلك . فيقول هذا الذكر ثم يدعو ، ثم يقوله الثانية ثم يدعو ، ثم يقوله الثالثة وينزل إلى المروة ولا يدعو بعد الثالثة .
فإذا بلغ العلم الأخضر ركض ركضا شديدا بقدر ما يستطيع ولا يؤذي أحداً لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى بين الصفا والمروة وهو يقول : ﴿لا يُقطع الأبطح إلا شَدًّا﴾ أي : إلا عَدْواً« رواه ابن ماجه وصححه الألباني»
والأبطح هى المسافة بين العلمين الأخضرين الموجودين الآن .
فإذا بلغ العلم الأخضر الثاني مشى كعادته حتى يصل إلى المروة فيرقى عليها ويستقبل القبلة ويرفع يديه ويقول ما قاله على الصفا ، ثم ينزل من المروة إلى الصفا فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه ، فإذا وصل الصفا فعل كما فعل أول مرة وهكذا المروة حتى يُكَمِّل سبعة أشواط , ذهابه من الصفا إلى المروة شوط , ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر ، ويقول في سعيه ما أحب من ذكر ودعاء وقراءة قرآن .
رابعاً : الحلق أو التقصير
فإذا أتم سعيه سبعة أشواط حلق رأسه إن كان رجلاً، أو قصر من شعره.
ويجب أن يكون الحلق شاملا لجميع الرأس ، وكذلك التقصير يعم به جميع جهات الرأس ، والحلق أفضل من التقصير لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة" » رواه مسلم«
وأما المرأة فإنها تُقصِّر من شعرها بمقدار أنملة .
وبهذه الأعمال تمت العمرة فتكون العمرة : الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير
صفة حجته صلى الله عليه وسلم
هذا بإيجاز هو حج المصطفى صلى الله عليه وسلم الذى قال : ﴿خذوا عنى مناسككم﴾ وهذه هى الحجة الوحيدة التى حجها النبى صلى الله عليه وسلم
قال جابر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يَحُجَّ ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجٌ
وقد استدل بعضُ أهل العلم بهذا على جواز التراخى في الحج لأن الرسول فُرض عليه الحج سنة تسع عند أكثر أهل العلم من المحققين وأخره النبى إلى السنة العاشرة ولكن النبىَّ أخره لأنه كره الاختلاط في الحج بأهل الشرك لأنهم كانوا يحجون ويطوفون بالبيت وهم عُراه فلما طهر الله البيت الحرام منهم حج النبى صلى الله عليه وسلم ولذا فمن يسر الله له النفقة والاستطاعة وجب عليه الحج فوراً لقول النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذى رواه أحمد وهو حديث حسن: ﴿تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ يَعْنِي الْفَرِيضَةَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ ﴾
يقول جابر بن عبد الله رضى الله عنه : ثم أذن في الناس في السنة العاشرة أن رسول الله حَاجٌ فقدم المدينة بشر كثيرٌ كلُهم يلتمَسُ أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعملَ مثلَ عملِهِ.
يقول جابر: فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحُليفة .
* وذو الحُليفة ميقاتُ أهل المدينة والذى يُسمى اليوم بأبيار على
* والميقاتُ الثا نى هو الجُحفة وتعرف الآن برابغ وهى ميقاتٌ لأهل الشام ومصر ومن مر بها.
* والميقات الثالث هو قرنُ المنازل ويُعرف الآن بالسيل الكبير وهو ميقاتٌ لآهل نجد والطائف ومن مر به.
* والميقات الرابع هو يَلمَلْمَ ويعرف الآن بالسعدية وهو ميقاتٌ لأهل اليمن ومن مر به.
هذه هى المواقيتُ المكانية لمن أراد الحج أو العمرة فيجب عليه ان يحرم منها أو بمحاذاتها ومن تجاوزها بدون إحرام فعليه دمُ جبران وهو قولُ جمهورِ أهل العلم.
يقول جابر: فخرجنا مع رسول الله حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماءً بنت عُمِيْس محمدَ بنَ أبى بكر فأرسلت إلى رسول الله كيف أصنع ؟ قال: اغتسلى واستنثرى بثوب وأحرمي.
وفي هذا دليل على استحباب الغسل للحائض والنُفساء وهو قول الجمهور وفيه أيضاً صحةُ إحرام الحائض وأن عليها أن تفعل كل ما يفعله الحاجُ غير أنها لا تطوف بالبيت.
وفي الصحيح عن عائشة رضى الله عنها أنها حاضت قبل أداء مناسك العمرة فأمرها النبى أن تحرم بالحج غير أن لا تطوف باليت حتى تطهر وأن تفعل ما يفعله الحاج.
أما إن جاء الحيضُ بعد طواف الإفاضة والسعى وقبل طواف الوداع سقط عنها طوافُ الوداع لأن الحائض والنفساء ليس عليها طواف ُ الوداع.
يقول جابر: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ثم رَكِبَ القَصْواء وهو اسم لناقة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى إذا استوت به ناقُته على البيداء نظرتُ إلى مدَّ بصرى بين يديه من راكبٍ وماشٍ وعن يمينه مثلَ ذلك وعن يسار مثلَ ذلك ومن خَلفِه مثلَ ذلك.
ورسول الله بين أَظهُرنا وعليه ينزلُ القرآن وهو يعرفُ تأويله وما عمل به من شئٍ عملنا به فأهل النبى بالتوحيد :﴿ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ﴾
يقول جابر: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن. أى مسحة بيده وهو سنة في كل طواف وفى صحيح مسلم أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان لا يستلمُ إلا الحجر والركن اليمانى وقد أجمعت الأمة على استحباب استلام الركنين وتقبيل
الحجر الأسود إن أمكنَّ ذلك من غير إيذاء لأحدٍ من المسلمين والمسلمات.
وفى الحديث الذي رواه مسلم أن عمر بن الخطاب قَبَّل الحجر الأسود وقال"والله إنى لأُقبلُك وإنى أعلمُ أنك حجر وأنك لا تضرُ ولا تنفع ولولا أنى رأيتُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتُك"
يقول جابر: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فَرَمَلَ ثلاثاًَ ومشى أربعاً.
والرمل هو إسراعُ المشي مع تقارب الخطا وهو مستحب فى الأشواط الثلاثة الأُول.
وفى صحيح مسلم من حديث ابن عباس قال: قدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه مكة وقد وهنتهم حُمى يثرب فقال المشركون: إنه قدمُ عليكم غداً قومٌ قد وهنتهم الحمى وَلَقُوا منها شدة فجلسوا مما يلى الحِجْرَ وأمرهم النبى صلى الله عليه وسلم أن يرمُلُوا ثلاثة أشواطٍ وأن يمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جَلَدَهم فقال المشركون هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم هؤلاء أجلدٌ من كذا وكذا قال ابن عباس ولم يمنعْهُ أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كُلها إلا الإبقاءُ عليهم.
يقول جابر : ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾
فجعل المقام بينه وبين البيت وصلى ركعتين قرأ فيها" قل يا أيها الكافرون"، و"قل هو الله أحد" ثم رجع إلى الركن. فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ:﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾
ثم قال النبى : أبدأ بما بدأ به الله عز وجل فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة " وفى رواية أبى هريرة في صحيح مسلم ورفع يديه" فوحد الله وكبره وقال :﴿ لا إله إلا الله، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شئ قدير ، لا إله إلا اللهُ وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده﴾ ثم دعا بين ذلك قال مثلَ هذا ثلاث مرات.
ثم نزل إلى المروة حتى إذا أتى المروة ففعل عليها كما فعل على الصفا . حتى إذا كان آخرُ طوافهِ على المروة فقال:﴿لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً﴾
فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لأَبَدٍ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الأخْرَى وَقَالَ "دخلَتِ الْعُمْرَةُ فِيْ لأبَدٍ الأَبَدٍ".
قال جابر: فحل الناسُ كلُهم وقصَّروا إلا النبى صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدىٌ فلما كان يومُ التروية ويومُ التروية هو اليوم الثامن من ذى الحجة . توجهوا إلى مِنى فأهلوا بالحج وركب رسولُ الله فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمسُ وأمر بخيمة تُضرب له بِنَمره فسارَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشكُ قريشٌ إلا أنه واقف عند المشعرِ الحرام كما كانت قريشٌ تصنعُ فى الجاهلية فأجز رسولُ الله حتى أتى عرفه فوجد القبة قد ضُربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فَرحُِلَتْ له فأتى بطنَ الوادى فخطب الناس وقال:﴿إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ﴾
ثم قال صلى الله عليه وسلم ﴿ َاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ .. ثم قال صلى الله عليه وسلم وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ عز وجل ﴾
ثم قال صلى الله عليه وسلم ﴿وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ؛ فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾
ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَتَى الْمَوْقِف بالقرب من الصخرات وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يدعو الله عز وجل فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ. وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حتى لا تسرع؛ والرسول يشير إلى الناس بِيَدِهِ الْيُمْنَى أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ.... حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًاأى لم يصل بينهما نافلة.
ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ...
حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلاثًا وَسِتِّينَ بدنة بِيَدِهِ وفى مسند أحمد وصحيح مسلم من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منى فرمى ونحر ثم قال للحلاق خذ وأشار إلى جانبه اليمن ثم الأيسر ثم جعل يُعطيه للناس.
قال جابر: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ إلى مكة فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ أى طاف طواف الإفاضة وهو ركن من أركان الحج بإجماع المسلمين؛ ثم صَلَّى النبى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ وَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ:﴿ انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَوْلا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ﴾ فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ
ثم رجع رسولُ الله إلى مِنًى فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ كُلُّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَيُطِيلُ الْقِيَامَ وَيَتَضَرَّعُ وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ وَلاَ يَقِفُ عِنْدَهَا
وبعد انتهاء أيام التشريق عاد النبى صلى الله عليه وسلم مرة أخرى إلى مكة ليطوف طوافع الوداع كما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس قال: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ﴿لا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ﴾ .
هديه صلى الله عليه وسلم فى الجماع
* إخلاص النية لله عز وجل في هذا الأمر ، وأن ينوي بفعله حفظ نفسه وأهله عن الحرام وتكثير نسل الأمة الإسلامية ليرتفع شأنها فإنّ الكثرة عزّ ، وليعلم أنه مأجور على عمله هذا وإن كان يجد فيه من اللذة والسرور العاجل ما يجد ، فعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ﴿وفي بُضع أحدكم صدقة - أي في جماعه لأهله - فقالوا : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال عليه الصلاة والسلام :أرأيتم لو وضعها في الحرام؛أكان عليه وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ﴾ «رواه مسلم» وهذا من فضل الله العظيم على هذه الأمة المباركة ، فالحمد لله الذي جعلنا منها .
* أن يقدِّم بين يدي الجماع بالملاطفة والمداعبة والملاعبة والتقبيل ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يلاعب أهله ويقبلها .
* أن يقول حين يأتي أهله " بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فإن قضى الله بينهما ولدا ، لم يضره الشيطان أبدا ﴾« رواه البخاري ».
* يجوز له إتيان المرأة في قبلها من أي جهة شاء ، من الخلف أو الأمام شريطة أن يكون ذلك في قُبُلها وهو موضع خروج الولد ، لقول الله تبارك و تعالى : ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ .
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كانت اليهود تقول : إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول ! فنزلت : ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج ﴾«رواه البخاري ومسلم ».
* لا يجوز له بحال من الأحوال أن يأتي امرأته في الدبر ، قال الله عز وجل :﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ ومعلوم أن مكان الحرث هو الفرج وهو ما يبتغى به الولد ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ملعون من يأتي النساء في محاشِّهن : أي أدبارهن ﴾«رواه ابن عدي و صححه الألباني » . وذلك لما فيه من مخالفة للفطرة ومقارفة لما تأباه طبائع النفوس السوية ، كما أن فيه تفويتا لحظ المرأة من اللذة ، كما أن الدبر هو محل القذر ، إلى غير ذلك مما يؤكد حرمة هذا الأمر .
* إذا جامع الرجل أهله ثم أراد أن يعود إليها فليتوضأ ، لقوله صلى الله عليه وسلم ﴿ إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءا ، فإنه أنشط في العَوْد ﴾« رواه مسلم». وهو على الاستحباب لا على الوجوب . وإن تمكن من الغسل بين الجماعين فهو أفضل ، لحديث أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف ذات يوم على نسائه ، يغتسل عند هذه وعند هذه ، قال فقلت له :﴿ يا رسول الله ألا تجعله غسلا واحدا ؟ قال : هذا أزكى وأطيب وأطهر ﴾«رواه أبو داود والنسائي »
** يجب الغسل من الجنابة على الزوجين أو أحدهما في الحالات التالية :
*التقاء الختانين : لقوله صلى الله عليه وسلم " إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وفي رواية : مسّ الختان الختان" فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْل . « رواه أحمد ومسلم» وهذا الغسل واجب أنزل أو لم يُنزل . ومسّ الختان الختان هو إيلاج حشفة الذّكر في الفرج وليس مجرّد الملاصقة
* خروج المني و لو لم يلتق الختانان : لقوله صلى الله عليه وسلم ﴿ إنما الماء من الماء ﴾« رواه مسلم» ويجوز للزوجين الاغتسال معا في مكان واحد ولو رأى منها ورأت منه ، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : ﴿كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء بيني وبينه واحد تختلف أيدينا فيه فيبادرني حتى أقول : دع لي ، دع لي قالت : وهما جنبان﴾ . «رواه البخاري ومسلم»
* يجوز لمن وجب عليه الغسل أن ينام ويؤخر الغسل إلى قبل وقت الصلاة ، لكن يستحب له أن يتوضأ قبل نومه استحبابا مؤكدا لحديث عمر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم " أينام أحدنا وهو جنب ؟ فقال عليه اصلى الله عليه وسلم نعم ، ويتوضأ إن شاء "«رواه ابن حبان »
* ويحرم إتيان الحائض حال حيضها لقول الله عز وجل : ﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴾ ، وعلى من أتى زوجته وهي حائض أن يتصدق بدينار أو نصف دينار كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أجاب السائل الذي أتاه فسأله عن ذلك . "أخرجه أصحاب السنن وصححه الألباني ". لكن يجوز له أن يتمتع من الحائض بما دون الفرج لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : ﴿ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر إحدانا إذا كانت حائضا أن تتزر ثم يضاجعها زوجها ﴾« متفق عليه».
* يجوز للزوج العزل إذا لم يرد الولد ويجوز له كذلك استخدام الواقي ، إذا
أذنت الزوجة لأنّ لها حقّا في الاستمتاع وفي الولد ، ودليل ذلك حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال : كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا «رواه البخاري ومسلم».
ولكن الأولى ترك ذلك كله لأمور منها : أن فيه تفويتا للذة المرأة أو إنقاصا لها . ومنها أن فيه تفويت بعض مقاصد النكاح وهو تكثير النسل والولد
* يحرم على كل من الزوجين أن ينشر الأسرار المتعلقة بما يجري بينهما من أمور المعاشرة الزوجية ، بل هو من شر الأمور ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها ﴾« رواه مسلم».
وعن أسماء بنت يزيد أنها كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم والرجال والنساء قعود ، فقال : ﴿ لعل رجلا يقول ما يفعل بأهله ، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها ؟! فأرّم القوم - أي سكتوا ولم يجيبوا - ، فقلت : إي والله يا رسول الله ! إنهن ليفعلن ، وإنهم ليفعلون . قال : فلا تفعلوا ، فإنما ذلك مثل شيطان لقي شيطانة في طريق فغشيها والناس ينظرون ﴾ «رواه أبوداود ، وصححه الألباني»
هديه صلى الله عليه وسلم فى الطعام
** الحرص على أن يأكل طعامك تقي : عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:﴿لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي ﴾ «رواه أبوداود والترمذى» .
** عدم الأكل متكئاً : عن أبي جحيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ﴿ أما أنا فلا آكل متكئا﴾«رواه البخاري والترمذى»
** التواضع في الجلوس : عن عبد الله بن بسر قـال : كـان للنبي صلى الله عليه وسلم قصعة يقـال لهـا الغـراء لبياضها يحملها أربعة رجال فلما أضحوا ، وسجدوا الضحى ، أتي بتلك القصعة – يعني : وقد ثرد فيها - ، فالتفوا عليها فلما كثروا جثا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أعرابي : ما هذه الجِلْسة ؟ فقـال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله جعلني عبداً كريماً ولم يجعلني جباراً عنيداً "
** غسل اليدين : عن عائشة رضي الله عنها قالت : ﴿ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وإذا أراد أن يأكل غسل يديه﴾«رواه أحمد والنسائى» .
** كان لايعيب طعاما : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ﴿ ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً قط إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه﴾ «رواه البخاري والترمذى»
** وكان صلى الله عليه وسلم ينهى عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة فعن حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ﴿لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما ولا تلبسوا الحرير ولا الديباج فإنه لهم في الدنيا وهو لكم في الآخرة ﴾«رواه أحمد والستة».
** وكان صلى الله عليه وسلم يقول : ﴿ ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه و ثلث لشرابه وثلث لنفسه﴾«رواه الترمذى».
** التسمية في أول الطعام وعند النسيان . عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ من نسي أن يذكر الله في أول طعامه ، فليقل حين يذكر : بسم الله في أوله وآخره، فإنه يستقبل طعاماً جديداً ، ويمنع الخبيث ما كان يصيب منه ﴾«رواه ابن حبان»
وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :﴿ إذا أكل أحدكم فليقل : بسم الله فإن نسي فليقل بسم الله في أوله وآخره ﴾«رواه الترمذى».
وعنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل الطعام في ستة من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو سَمَّى لكفاكم" «رواه الترمذى»
وعن حذيفة رضي الله عنه قال : " كنا إذا حضرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده ، وإنا حضرنا معه مرة طعاماً فجاءت جارية كأنها تدفع ، فذهبت تضع يدها في الطعام ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها ، ثم جاء أعرابي كأنه يدفع ، فأخذ بيده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله تعالى عليه ، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها ، فأخذت بيدها ، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به ، فأخذت بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يديهما ، ثم ذكر اسم الله تعالى وأكل" «رواه مسلم».
** وكان صلى الله عليه وسلم يأكل بيمينه ، فعن حفصة رضي الله عنها قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل يمينه لأكله ، وشربه ، ووضوئه وثيابه ، وأخذه ، وعطـائه ، وشمـاله لما سوى ذلك" «رواه أحمد وأبوداود»
وعن جابر رضي الله عنه : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يأكل الرجل بشماله " "رواه مسلم"وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه : أن رجلاً أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله فقال : ﴿ كل بيمينك ؛ قال: لا أستطيع قال : لا استطعت ؛ما منعه إلا الكِبْرُ ، فما رفعها إلى فيه ﴾«رواه مسلم».
وقال صلى الله عليه وسلم ﴿ إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله﴾«صحيح الجامع» .
** عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال : كان صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاث أصابع ، ويَلْعَقُ يده قبل أن يمسحها«رواه مسلم وأحمد». قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله : " بأصابعه الثلاث الإبهام والسبابة والوسطى"
** عن سلمى رضي الله عنها قالت : ﴿ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره أن يؤخذ من رأس الطعام ﴾«رواه البيهقى».
وعن عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كنت غلاماً في حَجْرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم و كانت يدي تطيش في الصحفة ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا غلام ، سمِ الله، وكل بيمينك ، وكل مما يليك ، فما زالت تلك طعمتي بَعْدُ" «متفق عليه» .
وعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ﴿ البركة تنـزل وسط الطعام ، فكلوا من حافتيه ولاتأكلوا من وسطه ﴾«رواه أبوداود والترمذى».
وعن أنس قال : ﴿ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسلت الصحفة ، وقال : إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركةُ ﴾«رواه مسلم» .
** عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ إذا وقعت لقمة أحدكم ، فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى ، وليأكلها ، ولا يدعها للشيطان﴾«رواه مسلم» .
** عدم التجشؤ : عن ابن عمر رضي الله عنه قال : تجشأ رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ﴿ كف عنا جشاءك ، فإن أكثرهم شعباً في الدنيا ، أطولهم جوعاً يوم القيامة﴾«رواه الترمذى».
** قال صلى الله عليه وسلم ﴿ إذا وقع الذباب في شراب أحدكم ؛ فليغمسه ،ثم لينزعه ؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء﴾«رواه البخاري»
** قال صلى الله عليه وسلم ﴿ كلوا واشربوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة﴾ «رواه أحمد والنسائى».
** قال صلى الله عليه وسلم ﴿ إذا طبخ أحدكم قِدراً فليكثر مرقها ثم ليناول جاره منها﴾ «رواه البخاري»
** قال صلى الله عليه وسلم ﴿ من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا ، وليعتزل مسجدنا ، وليقعد في بيته﴾«رواه البخاري ومسلم» . وقال : ﴿ من أكل من هذه البقلة : الثوم والبصل والكرات ، فلا يقربنا في مسجدنا ، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ﴾«رواه مسلم».
وقال صلى الله عليه وسلم :﴿ من أكلهما فليتمهما طبخاً ﴾«رواه مسلم»
وقد ألحق العلماء بالمساجد ، المجامعَ العامةَ ، كمصلى العيد ، والجنازة ، ومكان الوليمة ، وألحقوا بالثوم والبصل كل ماله رائحة كريهة مما يتأذى بها الناس «صحيح الجامع»
** عن أنس رضي الله عنه قال : ﴿ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أكل طعاماً لَعَقَ أصابعه الثلاث ﴾«رواه الترمذى ومسلم»
وقال صلى الله عليه وسلم ﴿ إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه ، فإنه لا يدري في أيتهن البركة ﴾«رواه مسلم».
** عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثاً ويقول : ﴿ إنه أروى وأمرأ وأبرأ ﴾«رواه مسلم»
وقال صلى الله عليه وسلم ﴿ إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في القدح ولكن ليبن الإناء عن فيه﴾ «رواه ابن ماجه».
** عن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم ﴿ من أكل طعاماً فقال : الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة ، غفر له ما تقدم من ذنبه ﴾«رواه أبو داود»
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إن الله ليرضى من العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ، ويشرب الشربة فيحمده عليها﴾«رواه مسلم».
وعنه صلى الله عليه وسلم قال : ﴿ إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأطعمنا خيراً منه ، وإذا سقي لبناً فليقل : اللهم بارك لنا فيه ، وزدنا منه ، فإنه ليس شيء يجزي من الطعام والشراب ؛ إلا اللبن﴾«رواه الترمذى».
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع العشاء من بين يديه قال : ﴿ الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا ﴾«رواه البخاري»
وعن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشة قال : ﴿ الحمد لله أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا ، فكم من لا كافي له ولا مؤوي﴾«رواه مسلم» . وقال : ﴿ الحمد لله الذي يطعِم ولا يطعَم ، مَنَّ علينا فهدانا ، وأطعمنا وسقانا ، وكل بلاءٍ حسن أبلانا ، الحمد لله الذي أطعَمَ الطعام ، وسقى من الشراب ، وكسا من العُري ، وهدى من الضلالة ، وبَصَّرَ من العمى، وفَضَّلَ على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً ، الحمد لله رب العالمين﴾«رواه ابن حبان» .
** عن أنس قال : كان صلى الله عليه وسلم إذا أفطر عند قوم قال : ﴿أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار ، وتنزلت عليكم الملائكة﴾« صحيح الجامع» وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أكل طعامكم الأبرار ، وأفطر عندكم الصائمون ، وصلت عليكم الملائكة ﴾«رواه البيهقى»
وقال صلى الله عليه وسلم ﴿من لا يشكر الناس لا يشكر الله ﴾. وقال صلى الله عليه وسلم ﴿ اللهم بارك لهم فيما رزقتهم ، واغفر لهم وارحمهم ﴾«صحيح الجامع» .
**عن سويد بن النعمان رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ، فلما كنا بالصهباء دعا بطعام ، فما أتي إلا بسويق ، فأكلنا فقام إلى الصلاة فتمضمض ومضمضنا«رواه البخاري».
** التسوك بعد الطعام : قال صلى الله عليه وسلم ﴿ السواك مطهرة للفم مرضاة للرب﴾ «رواه أحمد والنسائى»
** عدم إحضار شخص للدعوة إلا بإذن من الداعي : عن أبي مسعود رضي الله عنه قال : جاء رجل من الأنصار ، يكنى أبا شُعَيْبٍ ، فقال لغلام له قَصَّابٍ : اجعل لي طعاما يكفي خمسة ، فإني أريد أن أدعو النبي صلى الله عليه وسلم خامس خمسة ، فإني قد عرفت في وجهه الجوع . فدعاهم ، فجاء معهم رجل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ إن هذا قد تبعنا ، فإن شئت أن تأذن له ، فأذن له ، وإن شئت أن يرجع رجع ؛ فقال : بل قد أذنت له﴾ « رواه البخاري»، وفي الحديث : أن من تطفل في الدعوة كان لصاحب الدعوة اختيار في حرمانه فإن دخل بغير إذنه كان له إخراجه .
** الحرص على الاجتماع للطعام وعدم التفرق : عن وحشي بن حرب رضي الله عنه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا﴿ يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع قال : فلعلكم تفترقون ؟ قالوا : نعـم قال : فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه﴾« رواه أبو داود وابن ماجه».وقال صلى الله عليه وسلم ﴿ طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية﴾ « رواه مسلم»
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ الشَّرَابِ
* كان هديه في الشراب من أكمل هدي يحفظ به الصحة، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد. وكان يشرب اللبن خالصًا تارة، ومشوبًا بالماء أخرى، ويقول:﴿ اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنه ليس شيئًا يجزي من الطعام والشراب إلا اللبن﴾« صحيح الترمذي»
* ولم يكن من هديه أن يشرب على طعامه.
* وكان من هديه المعتاد الشرب قاعدًا، وزجر عن الشرب قائمًا، وشرب مرة قائمًا، فقيل: لعذر، وقيل: نسخ لنهيه، وقيل: لجواز الأمر منه والنهي للكراهة.
* وكان يتنفس في الشراب ثلاثًا، ويقول: ﴿إنه أروى وأمرأ، وأبرأ﴾«رواه مسلم» ومعنى تنفسه في الشراب: إبانته القدح عن فيه وتنفسه خارجه كما جاء في قوله: ﴿إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في القدح ولكن ليُبِن الإناء عن فيه﴾« رواه ابن ماجه»، ونهى أن يُشرب من ثلمة القدح، ومن فيِّ السقاء. والثلمة: الفرجة والشق.
وكان يسمي إذا شرب ويحمد الله إذا فرغ وقال:﴿إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة يحمده عليها، ويشرب الشَّربة يحمده عليها﴾«رواه مسلم»
*وكان يُسْتَعْذَب له الماء وهو الطيب الذي لا ملوحة فيه.
* وكان إذا شرب ناول من على يمينه وإن كان مَنْ على يساره أكبر منه.
* وأمر بتخمير الإناء أي تغطيته، وإيكائه وأن يذكر اسم الله عند ذلك. والإيكاء: ربط فتحة الوعاء وشدُّها.
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في السَّلامِ والاِسْتِئْذَانِ
* كان من هَديه السلام عند المجيء إلى القوم، والسلام عند الانصراف عنهم، وأمر بإفشاء السلام.
* وقال: يسلم الصغير على الكبير، والراكب على الماشي، والقليل على الكثير ، والماشى على القاعِد، والماشيان أيهما بدأ، فهو أفضل‏
* وكان يبدأ من لقيه بالسلام، وإذا سَلَّمَ عليه أحدٌ رَدَّ عليه مثلَها أو أحسن على الفور إلا لعذر؛ مثل: الصلاة أو قضاء الحاجة.
* وكان يقول في الابتداء:"السلام عليكم ورحمة الله"، ويكره أن يقول المبتدئ: عليك السلام، وكان يرد على الْمُسَلِّمِ: وعليك السلام؛ بالواو.
* وكان من هَديه انتهاء السلام إلى وبركاته.
* وكان من هَديه في السلام على الجمع الكثير الذين لا يبلغهم سلام واحد أن يسلم ثلاثًا.
* وكان من هَديه أن الداخل إلى المسجد يبتدئ بركعتين تحية المسجد ثم يجيء فيسلم على القوم.
* ولم يكن يرد السلام بيده ولا برأسه ولا بإصبعه .
*ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه مرَّ بِصبيان، فسلَّم عليهم،« ذكره مسلم‏».‏
وذكر الترمذى في ‏‏جامعه‏ عنه صلى الله عليه وسلم ‏ ‏" ‏‏مرَّ يَوْماً بجماعةِ نسوة، فألوى بيده بالتسليم‏"‏
* وكان يُحَمِّل السلام للغائب ويتحمل السلام، وإذا بلغه أحدٌ السلام عن غيره أن يرد عليه وعلى المبلِّغ. روى‏‏ أن رجلاً قال له‏:‏ إنَّ أبى يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فَقَالَ لهُ‏:‏ ‏‏عَلَيْكَ وَعَلَى أبِيكَ السَّلامَ‏‏‏.
*وكان يترك السلام ابتداءً وَرَدًّا على من أحدث حتى يتوب.
*وكان لا يبتدئ اليهود والنصارى بالسلام، وإذا سلموا عليه رد بـ: وعليكم، وَمَرَّ على مجلس فيه أخلاط من المسلمين، والمشركين عبدة الأوثان، واليهود، فسلم عليهم «رواه مسلم»، وكتب إلى هرقل وغيره: "والسلام على من اتبع الهدى" «صحيح الترمذي».
*وقيل له: الرجل يلقى أخاه أينحني له؟ قال: لا، قيل: أيلتزمه ويقبله؟ قال: لا، قيل: أيصافحه؟ قال: نعم«صحيح الترمذي».
* ولم يكن ليفجأ أهله بغتة يتخونهم، ولكن كان يدخل على أهله على علم منهم بدخوله، وكان يسلم عليهم، وكان إذا دخل بدأ بالسؤال، أو سأل عنهم.
* وكان إذا دخل على أهله بالليل سَلَّمَ تسليمًا يُسمع اليقظان ولا يُوقظ النائم «رواه مسلم»
* وكان من هَدْيُهُ أن المستأذن إذا قيل له: من أنت؟ يقول: فلان بن فلان، أو يذكر كنيته أو لقبه، ولا يقول: أنا.
* وكان إذا استأذن يستأذن ثلاثًا؛ فإن لم يؤذن له ينصرف.
* وكان يعلم أصحابه التسليم قبل الاستئذان.
* وكان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من رُكْنِهِ الأيمنِ أو الأيسرِ؛وقال: ﴿ إنما جعل الاستئذان من أجل البصر﴾ «متفق عليه».
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في الْفِطْرَةِ وَاللِّبَاسِ وَالْهَيْئَةِ وَالزِّينَةِ
* كان صلى الله عليه وسلم يكثر التَّطَيُّبَ ويحب الطيب، ولا يَرُدُّهُ، وكان أحب الطيب إليه المسك قال صلى الله عليه وسلم ﴿ طيبُ الرجال ما ظهر ‏ريحه وخفي لونه وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ‏ريحه﴾.
*قال صلى الله عليه وسلم ﴿إذا أعطي أحدكم ‏الريحان فلا يرده فإنه خرج من الجنة﴾.‏
* وكان يحب السواك، وكان يستاك مفطرًا وصائمًا، ويستاك عند الانتباه من النوم، وعند الوضوء، وعند الصلاة وعند دخول المنزل.
* وقال: خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، وينبت الشعر" صحيح ابن ماجه".
* وكان يرجِّل- يسرح- رأسه ولحيته بنفسه تارة، وترجِّله عائشة تارة، وكان هَدْيُهُ في حلق رأسه تركه كله أو أخذه كلَّه.
* عن أبى هريرة رضى الله عنه ؛عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:﴿الفطرة خمس ؛أو خمس من الفطرة : الختان ؛والاستحداد؛ وتقليم الأظفار ؛ونتف الإبط ؛وقص الشارب﴾«.متفق عليه»
عن عائشة رضى الله عنها قالت:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿عشر من الفطرة:قص الشارب؛وإعفاء اللحية؛والسواك؛وقص الأظفار؛وغسل البراجم؛ونتف الإبط؛وحلق العانة؛وانتقاص الماء؛.قال الراوى:ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة﴾.
قال وكيع-وهو أحد رواته-انتقاص الماء:يعنى الإستنجاء«رواه مسلم» ؛البراجم :عقد الأصابع
عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال وقت لنا-رسول الله صلى الله عليه وسلم في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة «رواه أحمد وأبو داؤد»
* ولم يُحْفَظْ عنه حلق رأسه إلا في نُسُكٍ.
* وقال صلى الله عليه وسلم ﴿خالفوا المشركين، ووفروا اللحى وأحفوا الشارب﴾ «متفق عليه»
* وكان يلبس ما تيسر من اللباس: من الصوف تارةً، والقطن تارةً، والكتان تارةً، وكان أحب اللباس إليه القميص.
* ولبس البرود اليمانية، والبرد الأخضر، ولبس الجبة والقَباء والسراويل والإزار والرِّداء، والخفَّ والنَّعل والعمامة.
* ولبس الأسود، ولبس حُلَّةً حمراء والحلة: إزار ورداء.
* ولبس خاتمًا من فِضَةٍ، وكان يجعل فصه مما يلي باطن كَفِّهِ.
* وكان إذا اسْتَجَد ثوبًا سَمَّاهُ باسمه، وقال: ﴿اللهم أنت كسوتني هذا القميص أو الرداء أو العمامة، أسألك خيره وخير ما صُنع له، وأعوذ بك من شَرِّهِ وَشَرِّ ما صُنع له﴾« صحيح أبي داود».
* وكان إذا لبس قميصه بدأ بميامنه.
* وكان يعجبهُ التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِهِ وَتَرجُّلِهِ وطهورِه وَأَخْذِهِ وَعَطَائِهِ.
*عن على رضى الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا؛فجعله فى يمينه؛وذهبا فجعله فى شماله ؛ثم قال :﴿إن هذين حرام على ذكور أمتى﴾«رواه أبو داود »
*عن أبى هريرة رضى الله عنه ؛عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:﴿ماأسفل من الكعبين من الإزار ففى النار﴾«رواه البخاري».
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في ضحكه وبكائه و اخْتِيار الأَسْمَاءِوالألفاظ
كان ضحكه صلى الله عليه وسلم تبسماً، وغاية ما يكون من ضحكه أن تبدو نواجذه، فكان يَضْحَك مما يُضْحك منه، ويتعجب مما يُتعجب منه.
وكان بكاؤه صلى الله عليه وسلم من جنس ضحكه ، فلم يكن بكاءه بشهيق ولا برفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، بل كانت عيناه تدمعان حتى تهملا، ويُسمع لصدره أزيز.
وكان صلى الله عليه وسلم تارة يبكى رحمة للميت كما دمعت عيناه لموت ولده، وتارة يبكي خوفاً على أمته وشفقة عليها ، وتارة تفيض عيناه من خشية الله ، فقد بكى لما قرأ عليه ابن مسعود رضي الله عنه سورة النساء وانتهى إلى قوله تعالى ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾﴿النساء:41﴾ وتارة كان يبكي اشتياقاً ومحبة وإجلالاً لعظمة خالقه سبحانه وتعالى.
وكان يتخير في خطابه ويختار لأمته أحسن الألفاظ وأبعدها من ألفاظ أهل الجفاءِ وَالْفُحْشِ.وكان يكره أن يستعمل اللفظ الشريف في حق من ليس كذلك، وأن يستعمل اللفظ المكروه في حق من ليس من أهله.
منع أن يقال للمنافق: سيد، ومنع تسمية أبي جهل: بأبي الحكم، وأن يقال للسلطان: ملك الملوك أو خليفة الله. ونهى عن سب الدهر، وقال: إن الله هو الدهر« متفق عليه»
وأرشد من مسه شيء من الشيطان أن لا يلعنه ولا يسبه ولا يقول: تعس الشيطان، ونحو ذلك.
وكان يستحب الاسم الحسن، وأمر إذا أبردوا إليه بريدًا أن يكون حسن الاسم، حسن الوجه، وكان يأخذ المعاني من أسمائها، ويربط بين الاسم والمسمى.
وقال﴿ أحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن، وأصدقها: حارث، وهمام، وأقبحها: حرب ومرة ﴾ «رواه مسلم»
وغير اسم عاصية، وقال: أنت جميلة، وغير اسم أصرم بـزرعة، ولما قدم المدينة واسمها يثرب غيره: بـطيبة.
وكان يكني أصحابه، وربما كنى الصغير، وكنى بعض نسائه.
ونهى أن يهجر اسم العشاء ويغلب عليها اسم العتمة، ونهى عن تسمية العنب كَرْمًا، وقال صلى الله عليه وسلم ﴿ الكَرْمُ: قلبُ المؤمن﴾ «متفق عليه».
ونهى أن يقال: مطرنا بنوء كذا وما شاء الله وشئت، وأن يحلف بغير الله، ومن الإكثار من الحلف، وأن يقول في حلفه: هو يهودي ونحوه إن فعل كذا، وأن يقول السيد لمملوكه: عبدي وأمتي، وأن يقول الرجل: خبثت نفسي، أو تعس الشيطان، وعن قول: اللهم اغفر لي إن شئت.
ونهى عن سب الدهر، وعن سبِّ الريح، وَسَبِّ الحمى، وَسَبِّ الديك، ومن الدعاء بدعوى الجاهلية؛ كالدعاء إلى القبائل والعصبية لها، ومثل ذلك التعصب للمذهب، والطريقة والمشايخ.
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ النَّوْمِ وَالاِسْتيِقَاظِ والرُؤْى
* كان ينام على الفراش تارة، وعلى النطع تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى الأرض تارة، وعلى السرير تارة، وكان فراشه أدمًا حشوه ليف، وكذا وسادته.
* ولم يكن يأخذ من النوم فوق القدر المحتاج إليه، ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج إليه.
* وكان ينام أول الليل ويقوم آخره، وربما سهر أول الليل في مصالح المسلمين.
* وكان إذا نام لم يوقظوه حتى يكون هو الذي يستيقظ، وكانت تنام عيناه ولا ينام قلبه.
* وكان إذا أوى إلى فراشه للنوم قال: ﴿باسمك اللهم أحيا وأموت﴾ «رواه البخارى»
*عن على رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ولفاطمة رضى الله عنهما:﴿إذا أويتما إلى فراشكما ؛أو إذا أخذتما مضاجعكما؛فكبرا الله ثلاثا وثلاثين ؛وسبحاثلاثا وثلاثين؛واحمدا ثلاثا وثلاثين.وفى رواية:التسبيح:أربعاوثلاثين وفى رواية: التكبير أربعاوثلاثين﴾ « متفق عليه»
*وقال صلى الله عليه وسلم ﴿إذا أوى أحدكم إلى فراشه ؛فلينفض فراشه بداخلة إزاره فإنه لايدرى ماخلفه عليه؛ثم يقول: باسمك ربى وضعت جنبى ؛وبك أرفعه؛إن أمسكت نفسى فارحمها؛وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين﴾«متفق عليه»
*وكان صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه قال:﴿ الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا؛ وكفانا وآوانا؛فكم ممن لاكافى له ولا مؤؤى﴾« رواه مسلم»
*وكان صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه نفث فى يديه ؛وقرأ بالمعوذات ومسح بهما جسده«متفق عليه»
* وكان ينام على شقه الأيمن، ويضع يده تحت خَدِّه الأيمن، ثم يقول: ﴿اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك﴾« صحيح أبي داود».
وقال لبعض أصحابه: ﴿إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، واجعلهن آخر كلامك، فإن مِتَّ من ليلتك مِتَّ على الفطرة﴾ «متفق عليه»
* وكان إذا قام من الليل قال: ﴿ اللهم رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم﴾« رواه مسلم»
* وكان إذا انتبه من نومه قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، ويتسوك، وربما قرأ العشر الآيات من آخر آل عمران .«متفق عليه»
* وكان يستيقظ إذا صاح الصارخ ـ وهو الديك ـ؛ فيحمد الله ويكبره ويهلله ويدعوه.
* وقال: الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فمن رأى رؤيا يكره منها شيئًا، فلينفث عن يساره ثلاثًا، وليتعوذ بالله من الشيطان؛ فإنها لا تضره، ولا يخبر بها أحدًا، وإن رأى رؤيا حسنة، فليستبشر، ولا يخبر بها إلا من يحب« متفق عليه»
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ الْسَّفَرِ
* كان يستحب الخروج للسفر أول النهار، وفي يوم الخميس.
* وكان يكره للمسافر وحده أن يسير بالليل، ويكره السفر للواحد.
* وأمر المسافرين إذا كانوا ثلاثة أن يؤمِّروا أحدهم.
* وكان إذا ركب راحلته كبَّر ثلاثًا، ثم قال: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ؛اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا الْبِرَّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هوِّن علينا سفرَنا هذا وَاطْوِ عنَّا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إنى أعوذ بك من وعثاء السفر؛وكآبة المنظر؛وسوء المنقلب فى المال والأهل وإذا رجع قالهن وزاد فيهن : آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون﴾ «رواه مسلم»
* وكان إذا علا الثنايا كَبَّرَ، وإذا هبط الأودية سَبَّحَ، وقال له رجل: إني أريد سفرًا، قال: ﴿ أوصيك بتقوى الله والتكبير على كل شرف﴾«صحيح الترمذي».
* وكان إذا بدا له الفجر في السَّفر قال: ﴿سَمِع سامع بحمد الله وحُسن بلائه علينا، رَبَّنا صاحبنا وأفضل علينا عائذًا بالله من النار﴾«رواه مسلم».
* وكان إذا ودَّع أصحابه في السفر يقول لأحدهم: ﴿ أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك﴾« صحيح الترمذي».
* وقال: إذا نزل أحدكم منزلاً، فليقل:﴿ أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه﴾« رواه مسلم»
* وكان يأمر المسافر إذا قضى نهمته من سفر أن يُعجِّل الرجوع إلى أهله.
* وكان ينهى المرأة أن تسافر بغير مَحْرَم، ولو مسافة بريد، وينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو.
* ومنع من إقامة المسلم بين المشركين إذا قدر على الهجرة، وقال: ﴿أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين﴾« صحيح أبي داود».
* وكان سفره أربعة أسفار: سفر للهجرة، وسفر للجهاد ـ وهو أكثرها ـ؛ وسفر للعمرة، وسفر للحج.
* وقال: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها «صحيح أبي داود»
وكان يقصر الرباعية في سفره، فيصليها ركعتين من حين يخرج إلى أن يرجع، وكان يقتصر على الفرض ما عدا الوتر وسنة الفجر.
* ولم يحد لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر.
* ولم يكن من هديه الجمع راكبًا في سفره، ولا الجمع حال نزوله، وإنما كان الجمع إذا جدَّ به السير، وإذا سار عقيب الصلاة، وكان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، فإن زالت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب، وكان إذا أعجله السير أخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء في وقت العشاء.
* وكان يصلي التطوع بالليل والنهار على راحلته في السفر قِبَلَ أي وجه توجهت به، فيركع ويسجد عليها إيماء، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه.
* وسافر في رمضان وأفطر وَخَيَّر الصحابة بين الأمرين.
* ونهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً إذا طالت غيبته عنهم.
* وقال: لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس" رواه مسلم".
* وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين.
* وكان يعتنق القادم من سفره، ويقبله إذا كان من أهله.
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في الطِّبِّ وَالتَّدَاوِي وَعِيَادَةِ المَرضىَ
* كان من هديه فعل التداوي في نفسه، والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه.
* وقال: ﴿ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء﴾«رواه البخارى»، وقال: ﴿يا عباد الله تداووا﴾«صحيح الترمذي».
* وكان علاجه للمرض ثلاثة أنواع: أحدها: بالأدوية الطبيعية، والثاني: بالأدوية الإلهية، والثالث: بالمركب من الأمرين.
* ونهى عن التداوي بالخمر، ونهى عن التداوي بالخبيث؛عن أبى الدرداء رضى الله عنه قال ‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ‏ ﴿‏‏إنَّ اللهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاء ، وَجَعَلَ لِكُلِّ داءٍ دواءً ، فَتَدَاوَوْا ، ولا تَدَاوَوْا بِالْمُحَرَّم‏﴾‏؛ويُذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏:‏ ﴿‏‏مَنْ تَدَاوَى بِالْخَمْرِ ، فَلا شَفَاهُ اللهُ‏﴾ ‏.‏
* وكان يعود من مرض من أصحابه، وعاد غلامًا كان يخدمه من أهل الكتاب، وعاد عمَّه وهو مشرك، وعرض عليهما الإسلام، فأسلم اليهودي ولم يسلم عمُّه.
* وكان إذا دخل على من يعوده قال:﴿لابأس ؛طهور إن شاء الله﴾« رواه البخاري»
* ولم يكن من هديه أن يخص يومًا من الأيام بعيادة المريض، ولا وقتًا من الأوقات، وشرع لأمته عيادة المرضى ليلاً ونهارًا وفي سائر الأوقات


هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في الْعِلاَجِ بِالأَدْوِيَةِ الإِْلَهِيَّة
* كان يتعوذ من الجان، ومن عين الإنسان، وأمر بالرقية من العين، وقال: ﴿العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسل أحدكم فليغتسل﴾«رواه مسلم».
وقال صلى الله عليه وسلم ﴿‏ ‏‏لا رُقيةَ إلا في نَفْسٍ العين، أو حُمَةٍ ، أو لَدْغَةٍ﴾
‏فمن التعوُّذاتِ والرُّقَى الإكثارُ من قراءة المعوِّذتين ، وفاتحةِ الكتابِ ، وآيةِ الكُرسى ، ومنها التعوذاتُ النبوية مثل:" ‏أعوذُ بكلماتِ اللهِ التامَّاتِ مِن شرِّ ما خَلق‏"‏؛"‏‏أعوذُ بكلماتِ اللهِ التامَّةِ ، مِن كُلِّ شيطانٍ وهامَّةٍ ، ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ‏"‏؛"‏‏أعوذُ بكلماتِ اللهِ التَّامَّاتِ التي لا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌ ولا فاجرٌ ، مِن شَرِّ ما خلق وذرَأ وبرَأ ، ومِن شَرِّ ما ينزلُ من السماء ، ومِن شَرِّ ما يَعرُجُ فيها ، ومِن شَرِّ ما ذرأ في الأرض ، ومِن شَرِّ ما يخرُج مِنها ، ومِن شَرِّ فِتَنِ الليلِ والنهار ، ومِن شَرِّ طَوَارق الليلِ ، إلا طارقاً يَطرُق بخير يا رحمن‏"‏ ‏؛‏‏اللَّهُمَّ إنى أعوذُ بوجْهِكَ الكريم ، وكلماتِك التامَّاتِ من شرِّ ما أنت آخِذٌ بناصيته ، اللَّهُمَّ أنتَ تكشِفُ المأثَمَ والمَغْرَمَ ، اللَّهُمَّ إنه لا يُهْزَمُ جُنْدُكَ ، ولا يُخلَفُ وعدُك ، سبحانَك وبحمدِك‏‏ ‏؛‏أَعُوذُ بوجه اللهِ العظيمِ الذي لا شىءَ أعظمُ منه ، وبكلماتِه التامَّات التي لا يُجاوزُِهن بَرٌ ولا فاجرٌ ، وأسماءِ الله الحُسْنَى ، ما علمتُ منها وما لم أعلم ، مِن شَرِّ ما خلق وذرَأ وبرأ ، ومن شَرِّ كُلِّ ذى شرٍّ لا أُطيق شرَّه ، ومِن شَرِّ كُلِّ ذى شَرٍّ أنتَ آخِذٌ بناصيته ، إنَّ ربِّى على صِراط مستقيم‏‏‏.‏؛‏‏اللَّهُمَّ أنت ربِّى لا إله إلا أنتَ ، عليك توكلتُ ، وأنتَ ربُّ العرشِ العظيم ، ما شاء اللهُ كان ، وما لم يشأْ لم يكن ، لا حَوْلَ ولا قُوَّة إلا بالله ، أعلم أنَّ اللهَ على كُلِّ شىء قديرٌ ، وأنَّ الله قد أحاط بكل شىء علماً ، وأحصَى كُلَّ شىءٍ عدداً ، اللَّهُمَّ إنى أعوذُ بِكَ مِن شَرِّ نفسى ، وشَرِّ الشيطانِ وشِرْكه ، ومِن شَرِّ كُلِّ دابةٍ أنتَ آخذٌ بناصيتها ، إنَّ ربِّى على صِراط مستقيم‏‏ ‏.
.‏تحصَّنتُ باللهِ الذي لا إله إلا هُوَ ، إلهى وإله كُلِّ شىء ، واعتصمتُ بربى وربِّ كُلِّ شىء ، وتوكلتُ على الحىِّ الذي لا يموتُ ، واستَدْفَعتُ الشرَّ بلاحَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله ، حسبىَ اللهُ ونِعْمَ الوكيلُ ، حسبىَ الربُّ مِن العباد ، حسبىَ الخَالِقُ من المخلوق ، حسبىَ الرازقُ مِنَ المرزوق ، حسبىَ الذي هو حسبى ، حسبىَ الذي بيده ملكوتُ كُلِّ شىءٍ ، وهو يُجيرُ ولا يُجَارُ عليه ، حسبىَ الله وكَفَى ، سَمِعَ الله لمنْ دعا ، ليس وراء اللهِ مرمَى ، حسبىَ الله لا إله إلا هُوَ ، عليه توكلتُ ، وهُوَ ربُّ العرشِ العظيم‏"‏ ‏.
‏ومما يُدفع به إصابةَ العَيْن قولُ ‏:‏﴿ ‏ما شاء الله لا قُوَّة إلا بالله﴾؛‏ ومنها رُقْـيَةُ جِبريل عليه السَّلامُ للنبىِّ صلى الله عليه وسلم التي رواها مسلم في ‏‏صحيحه‏‏ ‏:﴿ ‏‏باسمِ اللهِ أَرْقِيكَ ، مِنْ كُلِّ شَىْءٍ يُؤذيكَ ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نفسٍ أو عَيْنِ حَاسدٍ اللهُ يَشفِيكَ ، باسمِ اللهِ أرْقِيكَ‏﴾ ‏.‏
* ورأى جارية في وجهها سفعة فقال: استرقوا لها؛ فإن بها النظرة" متفق عليه"والسفعة؛ أي: النظرة من الجن.
* وقال لبعض أصحابه لما رقى اللديغ بالفاتحة فبرأ: وما يدريك أنها رقية «متفق عليه».
* وجاءه رجل فقال: لدغتني عقرب البارحة، فقال: أما لو قلت حين أمسيت: ﴿أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرك﴾« رواه مسلم».
* وكان إذا اشتكى الإنسان أو كانت به قرحة أو جرح، وضع سبابته على الأرض، ثم رفعها وقال: بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا يشفى سقيمنا، بإذن ربنا« متفق عليه».
* وشكى له بعض صحابته وجعًا، فقال له: ضع يدك على الذي يألم من جسدك، وقل سبع مرات: ﴿أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر﴾«رواه مسلم».
* وكان يُعوِّذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول:﴿اللهم رب الناس أذهب الباس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا﴾ «متفق عليه».
*عن ابن عباس ؛رضى الله عنهما ؛عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:﴿من عاد مريضا لم يحضر أجله ؛فقال عنده سبع مرات:أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك ؛إلا عافاه الله من ذلك المرض﴾«رواه أبوداود»
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ الْعِلاَحِ بالأَدْوِيَةِ الطَّبِيعِيةِ
* قال صلى الله عليه وسلم إنما الحمى ـ أو شدة الحمى ـ من فَيْحِ جَهَنَّمَ؛ فَأَبِردُوهَا بالماء «متفق عليه»
* وقال: إذا حُمَّ أحدكم فليسنَّ عليه الماء البارد ثلاث ليال من السَّحر.
* وكان إذا حُمَّ دعا بقربة من ماء فأفرغها على رأسه فاغتسل.
وَذُكِرَتْ الحُمى عنده ذات مرة، فسبها رجل، فقال صلى الله عليه وسلم ﴿ لا تسبها؛ فإنها تنفي الذنوب كما تنفي النارُ خبثَ الحدي﴾ « صحيح ابن ماجه».
*وأتاه رجل فقال: إن أخي يشتكي بطنه ـ وفي رواية: استطلق بطنه فقال: اسقه عسلاً" متفق عليه"، وكان يشربه بالماء على الريق.
* واشتكى قوم اجتووا المدينة من داء الاستسقاء، فقال: لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من أبوالها وألبانها؛ ففعلوا وصحوا «متفق عليه».
والجوى: داء من أدواء الجوف، والاستسقاء: مرض يسبب انتفاخ البطن.
* ولما جرح في أحد أخذت فاطمة قطعة حصير فأحرقتها حتى إذا صارت رمادًا ألصقته بالجرح؛ فاستمسك الدم.وبعث إلى أبي بن كعب طبيبًا فقطع له عِرْقًا وكواه عليه.
وقال: الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة مجحم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي« رواه البخارى»، وقال: وما أحب أن أكتوي« متفق عليه». إشارة إلى أن يؤخر الأخذ به حتى تدفع الضرورة إليه، لما فيه من استعجال الألم الشديد.
* وَاحْتَجَمَ صلى الله عليه وسلم وأعطى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وقال صلى الله عليه وسلم ﴿ إن خير ما تحتجمون فيه يوم سبع عشرة، ويوم تسع عشرة، ويوم إحدى وعشرين﴾ «صحيح الجامع»، وقال: خير ما تداويتم به الحجامة« متفق عليه».
واحتجم وهو مُحْرِمٌ في رأسه لصداع، واحتجم في وركه من وثء كان به.وكان يحتجم ثلاثًا: واحدة على كَاهِلِهِ واثنتين على الأخدعين.واحتجم على الكاهل ثلاثًا لَمَّا أَكَلَ من الشَّاة المسمومة، وأمر أصحابه بالحجامة
* وما شكى إليه أحد وجعًا في رأسه إلا قال له: احتجم، ولا شكى إليه وجعًا في رجليه إلا قال له: اختضب بالحناء« صحيح أبي داود».
* وفي سنن الترمذي عن سلمى أم رافع خادمة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: وكان لا يصيبه قرحة ولا شوكة إلا وضع عليها الحناء «صحيح ابن ماجه».
* وقال: دواء عرق النسا ألية شاة تشرب على الريق في كل يوم جزء «صحيح ابن ماجه».
وعرق النسا: وجع يبتدئ من مفصل الورك، وينزل من خلف على الفخذ.
* وقال في علاج يبس الطبع واحتياجه إلى ما يمشيه ويلينه:﴿ عليكم بالسنا والسنوت؛ فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام وهو الموت﴾ « صحيح ابن ماجه».
والسنا: نبت حجازي. أما السنوت: ففيه أقوال كثيرة؛ منها: أنه العسل، أو العسل الذي يكون في زِقاق السمن.
* وقال:﴿ خير أكحالكم الإثمد: يجلو البصر، وينبت الشعر﴾ « صحيح أبي داود». والإثمد: هو الكحل الأسود.
* وقال:﴿ من تَصَبَّحَ بسبع تمرات من تمر العالية لم يضره ذلك اليوم سُمُّ ولا سِحْرٌ﴾ « متفق عليه».
* وقال:﴿ لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإن الله يطعمهم ويسقيه﴾ « صحيح الترمذي».
* وقال:﴿ إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء﴾ «رواه البخارى»
*وقال:﴿ التلبينة مَجَمَّةٌ لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن﴾« متفق عليه»
.والتلبينة حساء متخذ من دقيق الشعير بنخالته.
* وقال: ﴿عليكم بهذه الحبة السوادء؛ فإن فيها شفاء من كل داء إلا السَّام﴾ «متفق عليه».
* وقال:﴿ فِرَّ من المجذوم كما تفر من الأسد﴾« رواه البخارى»
* وكان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ارجع فقد بايعناك﴾ « رواه مسلم»
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ عِلاَج الكَرّبِ وَالهَمِّ وَالغَمِّ وَالحَزَنِ
* كان يقول عند الكرب: ﴿لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب العرش الكريم﴾. «متفق عليه»
* وكان إذا حزبه أمر قال:﴿ يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث﴾« صحيح الترمذي» وقال: دعوات المكروب:﴿ اللهم رحمتك أرجو؛ فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت﴾«صحيح أبي داود»
وكان إذا حزبه أمر صلى« صحيح أبي داود»
* وقال: ما أصاب عبدًا همٌّ ولا حزن فقال﴿ اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري،وجلاء حزني، وذهاب همي ـ إلا أذهب الله حزنه وهمه، وأبدله مكانه فرحًا﴾ « السلسلة الصحيحة»
* وكان يعلمهم عند الفزع: ﴿أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشيطان، وأعوذ بك رب أن يحضرون﴾ «صحيح أبي داود»
* وقال: ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول:﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها ـ إلا أجاره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها﴾ « رواه مسلم».
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ الذِّكْرِ
كان أكمل الناس ذكرًا لله عز وجل، بل كان كلامه كُلُّهُ في ذكر الله وما والاه، وكان أمره ونهيه وتشريعه ذكرًا منه لله، وسكوته ذكرًا منه له بقلبه، فكان ذكره لله يجري مع أنفاسه قائمًا وقاعدًا وعلى جنبه وفي مشيه وركوبه وسيره ونزوله وَسفره وإقامته.
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ الْذِكرِ إذَا أَصْبَحَ أَو أَمْسَى
* وكان إذا أصبح قال:﴿ أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وملة أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين﴾. وكان يقول:﴿ اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور﴾ « صحيح الترمذي»
وقال: إذا أصبح أحدكم فليقل:﴿ أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين، الهم إني أسألك خير هذا اليوم فتحه ونصره ونوره وبركته وهدايته، وأعوذ بك من شر ما فيه وشر ما بعده. ثم إذا أمسى فليقل مثل ذلك﴾« صحيح الجامع»
* وقال: من قال حين يصبح:﴿ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في اليوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه﴾«متفق عليه».
* وكان يدعو حين يصبح وحين يمسي بهذه الدعوات:﴿ اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي﴾ «صحيح أبي داود».
* وقال: ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة:﴿ بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات، إلا لم يضره شيء﴾« صحيح أبي داود»
* وقال له أبو بكر: علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت قال له قل ﴿ اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه ومالكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشِرْكه، وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إلى مسلم. قال: قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك﴾« صحيح أبي داود»
*وكان يَقُولُ‏ إذا أصبح:‏ ﴿‏‏أصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ المُلْكُ لِلَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أسْأَلُكَ خَيْرَ مَا في هذَا اليَوْم، وَخَيْرَ مَا بَعْدَهُ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ شرِّ هذَا اليَوْمِ، وَشرِّ مَا بَعْدَهُ، رَبِّ أعُوذُ بِكًَ مِنَ الكَسَلِ، وَسُوءِ الكِبَر، رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ في النَّارِ، وعَذَابٍ في القَبْرِ، وإذَا أمْسَى قَالَ‏:‏ أمْسَيْنَا وَأَمْسَى المُلْكُ لِلَّهِ‏.‏‏.‏‏.﴾ إلى آخِرِهِ‏.‏ «رواه مسلم»
*وقال‏:‏ ‏‏مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِى‏:‏﴿ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبَّاً، وَبِالإسْلاَمِ دِينَاً، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيَّاً، كَانَ حَقَّاً عَلَى اللَّهِ أنْ يُرْضِيَهُ‏﴾« صححه الترمذى والحاكم»
*وقال‏:‏ ‏‏مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِى‏:‏ ﴿اللَّهُمَّ إنِّى أصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ، وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلائِكَتَكَ، وَجَمِيعَ خَلْقِكَ، أنَّكَ أنتَ اللَّهُ الذي لاَ إلَهَ إلاَّ أنْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، أَعْتَقَ اللَّهُ رُبْعَهُ مِنَ النَّارِ، وَإنْ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ، أَعْتَقَ اللَّهُ نِصْفَهُ مِنَ النَّارِ، وإنْ قَالَهَا ثَلاثاً، أَعْتَقَ اللَّهُ ثَلاثَة أَرْبَاعِهِ مِنَ النَّارِ، وَإنْ قَالَهَا أرْبَعاً أَعْتَقَهُ اللَّهُ مِنَ النَّار﴾ِ‏« حديث حسن»
*وقالَ‏:‏ ‏‏مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ‏:‏﴿ اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِى مِنْ نِعْمَةٍ أوْ بأحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، فَمِنْكَ وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ، لَكَ الحَمْدُ، وَلَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ، وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِيْنَ يُمْسِى، فَقَدْ أدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ‏﴾« حديث حسن»
*وكانَ يدعو حينَ يُصبح وحينَ يُمْسِى بهذِهِ الدعَواتِ‏:﴿‏ ‏‏اللَّهُمَّ إنِّى أسْأَلُكَ العَافِيَةَ في الدُّنْيَا والآخِرَة، اللَّهُمَّ إنِّى أَسْأَلُكَ العَفْوَ وَالعَافِية في دِينِى وَدُنْيَاىَ وَأهْلِى وَمَالِى، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِى، وآمِنْ رَوْعَاتِى، اللَّهُمَّ احْفظْنِى مِنْ بَيْن يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِى، وَعَنْ يمينى وَعَنْ شِمَالِى، وَمِنْ فَوْقِى، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِى‏﴾«صححه الحاكم»
*وَيذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏‏مَنْ قَالَ في كُلِّ يَوْمٍ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِى‏:‏ حَسْبِىَ اللَّهُ لاَ إلَه إلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمُ - سَبْعَ مَرَّاتٍ - كَفَاهُ اللَّهُ مَا أهَمَّهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ‏‏.
*ويُذكر عنه صلى الله عليه وسلم ﴿‏ إن العبد إذا قالَ حِينَ يُصبِحُ ثلاثَ مرات‏:‏ ‏‏اللَّهُمَّ إنِّى أَصْبَحْتُ مِنْكَ في نِعْمَةٍ وَعَافِيَةٍ وَسِتْرٍ، فَأَتْمِمْ عَلَىَّ نِعْمَتَكَ وَعَافِيَتَكَ وَسِتْرَكَ في الدُّنيَا والآخِرَةِ، وإذَا أمْسى، قالَ ذلِك، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ﴾‏.‏‏
*ويُذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه من قالَ هذِهِ الكَلِمَاتِ في أوَّلِ نَهَارِهِ، لَمْ تُصِبْهُ مُصِيبَةٌ حَتَّى يُمْسِىَ، وَمَنْ قَالَهَا آخِرَ نَهَارِهِ لَمْ تُصِبْهُ مُصِيبَةٌ حَتَّى يُصْبِحَ‏:‏﴿ ‏‏اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّى، لاَ إله إلاَّ أنْتَ، عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَأنْتَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ باللَّهِ العَلِىِّ العَظِيمِ، أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، وَأنَّ اللَّهَ قَدْ أحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْماً، اللَّهُمَّ إنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِى، وَشَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، إنَّ رَبِّى عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ‏‏﴾، وقَد قِيلَ لأبى الدرداء‏:‏ قدِ احترق بيتُك فقالَ‏:‏ ما احترقَ، ولم يكن اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِيفعل، لِكَلِمَاتٍ سمعتهُنَّ مِنْ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فذكرها‏.‏
‏*وَقَالَ صلى الله عليه وسلم ‏ ﴿‏ ‏‏مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ عَشْرَ مَرَّاتٍ‏:‏ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، ولَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ اللَّه لَهُ بِهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ بها عَشْرَ سَيِّئَاتٍ، وَكَانَتْ كَعِدْل عَشْر رِقَابٍ، وَأَجَارهُ اللَّهُ يَوْمَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَإِذَا أمْسَى فَمِثْلُ ذلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ﴾‏.‏
هديه صلى الله عليه وسلم فى الإستغفار
*عن أبى هريرة رضى الله عنه قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:﴿والذى نفسى بيده لو لم تذنبوا ؛لذهب الله تعالى بكم ؛ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم﴾«رواه مسلم»
*عن ابن عمر رضى الله عنهما قال:كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى المجلس الواحد مائة مرة :﴿ رب اغفر لى؛وتب على إنك أنت التواب الرحيم﴾«رواه الترمذى وأبوداود»
*عن ابن مسعود رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ من قال :استغفر الله الذى لاإله إلا هو الحى القيوم ؛وأتوب إليه؛غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف﴾«رواه أبوداود والترمذى»
*عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول :﴿ سبحان الله وبحمده ؛أستغفر الله ؛وأتوب إليه﴾«.متفق عليه»
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ الذِكْر إذَا خَرَجَ مِنْ بَيِتِهِ أَو دَخَلَ
* كان إذا خرج من بيته يقول:﴿ بسم الله، توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ أو أزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظْلِمَ أو أُظِلَمَ أو أجهلَ أو يُجْهَلَ علي﴾ « صحيح الترمذي».
* وقال: من قال إذا خرج من بيته:﴿ بسم الله، توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ يقال له: هُديتَ وكُفيتَ، ووقيتَ، وتنحى عنه الشيطان﴾ «صحيح الترمذي»
* وإذا خرج إلى الفجر قال:﴿ اللهم اجعل في قلبي نورًا، واجعل في لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، واجعل من تحتي نورًا، اللهم أعظم لي نورًا﴾« متفق عليه».
* وقال:﴿ إذا وَلَجَ الرجُّل بيته فليقل: اللهم إني أسألك خير الْمَوْلِجِ وَخَيْرَ الْمَخْرَجِ، بسم الله وَلَجْنَا، وعلى الله ربنا توكَّلنا ثم ليسلم على أهله﴾ .
*قال صلى الله عليه وسلم ﴿‏‏إذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَر اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ‏:‏ لا مَبِيتَ لَكُمْ وَلاَ عَشَاءَ، وَإذَا دَخَلَ، فَلَمْ يذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَيْطَانُ‏:‏ أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ، وَإذَا لَمْ يذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ‏:‏ أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ والعَشَاء﴾‏.«رواه مسلم»
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ الذِكْر عِنْدَ دُخُول المَسجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنِهُ
* كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم«صحيح أبي داود»
* وقال: إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل:﴿ اللهم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج؛ فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك﴾ «صحيح أبي داود»
*وَذُكر عنه‏:‏ ‏‏أنَّهُ كانَ إذَا دَخَلَ المَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَقُولُ‏:‏ ‏‏﴿اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى ذنوبى، وافْتَحْ لِى أبْوَابَ رَحْمَتِكَ، فَإذَا خَرَجَ صَلَّى عَلى مُحمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّم، ثُمَّ يَقُولُ‏:‏ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى ذُنُوبِى وَافْتَح لِى أبْوَابَ فَضْلِكَ‏‏﴾
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ ذِكْر رُؤيةِ الْهِلاَل
كان صلى الله عليه وسلم ﴿ إذا رأى الهلال يقول:﴿ اللهم أَهِلَّهُ علينا بالأمن والإيمان، والسَّلامة والإسلام، ربي وربك الله؛هلال رشد وخير﴾« رواه الترمذي».



هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ الذِكْر عِنْدَ العُطاس والتثاؤب
* ثبت صلى الله عليه وسلم ﴿ إن الله يحب العُطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم وحمد الله، كان حقًا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله، وأما التثاؤب؛ فإنما هو من الشيطان؛ فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع؛ فإن أحدكم إذا تثاءب، ضحك منه الشيطان﴾« رواه البخارى»
* وكان إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه، وخفض أو غضَّ بها صوته. «صحيح أبي داود».
* وكان إذا عطس فقيل له: يرحمك الله، قال: يرحمنا الله وإياكم، ويغفر لنا ولكم«صحيح الأدب المفرد»
* وقال: ﴿إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم﴾ «رواه البخارى».
* وقال:﴿ إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمِّتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه﴾ «رواه مسلم» وكان إذا زاد العاطس عن ثلاث مرات لم يشمته وقال: هذا رجل مزكوم".
* وصح عنه: أن اليهود كانوا يتعاطسون عنده، يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله، فكان يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم« صحيح الترمذي».
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَقُولُ مَنْ رَأَىَ مُبْتَلَىَ
قال:﴿ما من رجل رأى مبتلى، فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً، إلا لم يصبه ذلك البلاء كائنًا ما كان﴾ «صحيح الترمذي»
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ سَمَاعِ نَهِيق الْحِمَار وَصِيَاح الدِيَكة
أمر أمته إذا سمعوا نهيق الحمار أن يتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، وإذا سمعوا صياح الديكة أن يسألوا الله من فضله »صحيح أبي داود«.

هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ مَنْ اشتَدَّ غَضَبُه
أمر من اشتد غضبه بالوضوء، والقعود إن كان قائمًا، والاضطجاع إن كان قاعدًا، والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
هديه صلى الله عليه وسلم فيما يقال بعد الأذان
*عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:﴿إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل مايقول ؛ ثم صلوا على؛ فإنه من صلى على صلاة صلى الله عليه بها عشرا؛ ثم سلوا الله لى الوسيلة ؛ فإنها منزلة فى الجنةلاتنبغى إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو؛ فمن سأل لى الوسيلة حلت له الشفاعة ﴾» رواه مسلم«
*عن جابر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالمن قال حين يسمع النداء : ﴿اللهم رب هذه الدعوة التامة ؛ والصلاة القائمة ؛ آت محمدا الوسيلة؛ والفضيلة؛ وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته ؛ حلت له شفاعتى يوم القيامة﴾» رواه البخاري«
*عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :من قال حين يسمع المؤذن: ﴿أشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له؛ وأن محمدا عبده ورسوله ؛ رصيت بالله ربا؛وبمحمد رسولا؛ وبالإسلام دينا ؛غفر له ذنبه﴾» رواه مسلم«
*عن أنس رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿الدعاء لايرد بين الأذان والإقامة﴾» رواه أبو داود والترمذى«
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ
*كان له حزب يقرؤه ولا يَخِلُّ به.
* وكانت قراءته ترتيلاً، لا هَذًّا ولا عجلة بل قراءة مفسرة حرفًا حرفًا.
* وكان يُقَطِّع قراءته ويقف عند كل آية، وكان يرتل السورة حتى تكون أطولَ من أطولِ منها.
* وكان يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في أول قراءته فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وربما كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه .
* وكان يقرأ القرآن قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا ومتوضئًا ومحدثًا، ولم يكن يمنعه من قراءته إلا الجنابة.
* وكان يتغنى بالقرآن، ويقول:﴿ ليس منا من لم يتغن بالقرآن﴾ » رواه البخارى«، وقال:﴿زينوا القرآن بأصواتكم﴾» صحيح أبي داود«
* وكان يحب أن يسمع القرآن من غيره.
* وكان إذا مر بآية سجدة كَبَّرَ وَسَجَدَ، وربما قال في سجوده: ﴿سجد وجهيِ للذي خلقه وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سمعَه وبصرَه بحوله وقوته﴾ » صحيح النسائي«، وربما قال:﴿ اللهم احطط عني بها وزرًا، واكتب لي بها أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود﴾» صحيح الترمذي«، ولم ينقل عنه أنه كان يكبر للرفع من هذا السجود، ولا تشهد ولا سلم البتة.
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ الجَنَائِزِ
* كان هديه في الجنائز أكمل هدي، مخالفًا لهدي سائر الأمم، مشتملاً على الإحسان إلى الميت وإلى أهله وأقاربه، فأول ذلك تعاهده في مرضه، وتذكيره الآخرة، وأمره بالوصية والتوبة، وأمر من حضره بتلقينه شهادة أن لا إله إلا الله؛ لتكون آخر كلامه.
* وكان أرضى الخلق عن الله في قضائه وأعظمهم له حمدًا، وبكى لموت ابنه إبراهيم رأفة به ورحمة له ورقة عليه، والقلب ممتلئ بالرضا عن الله وشكره، واللسان مشتغل بذكره وحمده. ويقول﴿تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب﴾» متفق عليه«
* ونهى عن لطم الخدود، ورفع الصوت بالنياحة والنَّدب.
* وكان من هديه الإسراع بتجهيز الميت ، وتطهيره وتنظيفه وتكفينه في ثياب البياض.
* وكان من هديه تغطية وجه الميت وبدنه، وتغميض عينيه.
* وكان ربما يُقَبِّلُ الميت.
* وكان يأمر بغسل الميت ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر بحسب ما يراه الغاسل، ويأمر بالكافور في الغسلة الأخيرة.
* وكان لا يغسل الشَّهيد قتيل المعركة، وكان ينزع عن الشهداء الجلود والحديد، ويدفنهم في ثيابهم ولا يصلي عليهم.
* وأمر بغسل الْمُحْرِمِ بماء وسدر، ويكفن في ثوب إحرامه، ونهى عن تطييبه وتغطية رأسه.
* وكان يأمر وَلِيَّ الميت أن يُحْسِنَ كَفَنَهُ ويكفنه في البياض، ونهى عن المغالاة في الكفن.
* وكان إذا قصر الكفن عن ستر جميع البدن غطى رأسه، وجعل على رجليه شيئًا من العشب.
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ الصَّلاَةِ عَلَى الْمَيِّتِ
* كان يصلي على الميت خارج المسجد، وربما صلى عليه في المسجد ولكن لم يكن ذلك من هديه الراتب.
* وكان إذا قُدِم عليه بميت سأل: هل عليه دين؟ فإن لم يكن عليه دين صلى عليه، وإن كان عليه دين لم يصل عليه، وأمر أصحابه أن يُصَلُّوا عليه. ولما فتح الله عليه كان يصلي على المدين ويتحمل دينه، ويدع ماله لورثته.
* وكان إذا أخذ في الصلاة يكبر أربع تكبيرات؛يتعوذ بعد الأولى ثم يقرأ بفاتحة الكتاب ؛ ثم يكبر الثانية ؛ثم يصلى على النبى صلى الله عليه وسلم كما فى التشهد للصلاة ؛ثم يكبر الثالثة ؛ويدعو للميت ومن دعاؤه صلى الله عليه وسلم ﴿ اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلاً خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من القبر ومن عذاب النار﴾»رواه مسلم«؛ثم يكبر الرابعة ويدعوومن أحسن الدعاء:﴿اللهم لاتحرمنا أجره ؛ولاتفتنا بعده؛واغفر لنا وله﴾.
وكان لايرفع يديه إلا فى أول تكبيرة فقط؛ثم يسلم بعد التكبيرة الرابعة.
* وكان يقول :"إذا صليتم على الميت ؛فأخلصوا له الدعاء" "رواه أبو داود"
* وكان يقوم عند رأس الرجل، ووسط المرأة.
* وكان يصلي على الطفل ؛وقال صلى الله عليه وسلم ﴿مامن مسلم يموت له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم﴾»متفق عليه«
*لا يصلي على من قتل نفسه، ولا على من غَلَّ من الغنيمة.
* وكان من هديه إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر.
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ الدَّفْنِ وَتَوَابِعِهِ
* كان إذا صلى على الميت تبعه إلى المقابر ماشيًا أمامه، وسن للراكب أن يكون وراءها، وإن كان ماشيًا يكون قريبًا منها، وكان يأمر بالإسراع بها؛وكان لا يجلس حتى توضع.
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا؛وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها ؛فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد ؛ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن ؛فإنه يرجع بقيراط﴾»رواه البخاري«
* وأمر بالقيام للجنازة لما مرت به، وصح عنه أنه قعد.
* وكان من هديه اللحد، وتعميق القبر، وتوسيعه عند رأس الميت ورجليه.
* وكان يحثو التراب على الميت إذا دفن من قِبَل رأسه ثلاثًا.
* وكان إذا فرغ من دفن الميت قام على قبره وسأل له التثبيت، وأمر أصحابه بذلك.
* ولم يكن يجلس يقرأ على القبر ولا يلقن الميت.
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ الْمَقَابِرِ وَالتَّعْزِيَةِ
* لم يكن من هديه تعلية القبور ولا بناؤها ولا تطيينها، فكانت سنته تسوية القبور المشرفة كلها.
* ونهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه؛وكان يعلم من أراد أن يعرف قبره بصخرة.
* ونهى عن اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السُّرُجِ عليها، ولعن فاعله.
* ونهى عن الصلاة إليها، ونهى أن يتخذ قبره عيدًا.
* وكان من هديه أن لا تهان القبور ولا توطأ، ولا يجلس عليها، ولا يتكأ عليها، ولا تعظم.
* وكان يزور قبور أصحابه للدعاء لهم، والاستغفار لهم، وسن للزائر أن يقول:﴿ السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية﴾»رواه مسلم«
* وكان من هديه تعزية أهل الميت، ولم يكن من هديه أن يجتمع ويقرأ له القرآن، لا عند القبر ولا غيره.
* وكان من هديه أن أهل الميت لا يتكلفون الطعام للناس، بل أمر أن يصنع الناس لهم طعامًا؛واتفق الأئمة على كراهة صنع أهل الميت طعاما للناس يجتمعون عليه؛وذهب بعض العلماء إلى التحريم.
*قال صلى الله عليه وسلم ﴿لاتحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا﴾» رواه الجماعة«
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ الأَضَاحِي.
* لم يكن يدع الأضحية وكان يضحي بكبشين، وكان ينحرهما بعد صلاة العيد. وقال: كل أيام التشريق ذبح.
* وأخبر أن من ذبح قبل الصلاة فليس من النسك في شيء، وإنما هو لحم قدمه لأهله» متفق عليه«.
* وأمرهم أن يذبحوا الجذع من الضأن ـ وهو ما أتم ستة أشهر ـ والثني مما سواه ـ والثني من الإبل: ما استكمل خمس سنين، ومن البقر والمعز: ما دخل في السنة الثالثة.
* وكان من هديه اختيار الأضحية واستحسانها وسلامتها من العيوب، ونهى أن يُضحَّي بمقطوعة الأذن ؛ومكسورة القرن، والعوراء، والعرجاء والكسيرة والعجفاء. وأمر أن تستشرق العين والأذن ـ أي: ينظر إلى سلامتها
* وأمر من أراد التضحية ألا يأخذ من شعره وبشره شيئًا إذا دخل العشر من ذى الحجة.
* وكان من هديه أن الشاة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته ولو كثر عددهم.
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ العَقِيقَة
* صح عنه: عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة»صحيح الترمذي«.
* وقال صلى الله عليه وسلم ﴿كل غلام رهن بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويُحلق رأسه ويُسمى﴾» صحيح أبي داود«.
صور من محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته
قرأ صلى الله عليه وسلم يوماً قول اللـه فى إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾﴿إبراهيم: 36﴾
وقرأ قول اللـه فى عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾﴿المائدة: 118﴾.
فبكى صلى الله عليه وسلم فأنزل اللـه إليه جبريل عليه السلام وقال: يا جبريل سل محمدًا ما الذي يبكيك؟
وهو أعلم-، فنزل جبريل وقال: ما يبكيك يا رسول اللـه؟ قال: أمتي.. أمتي يا جبريل، فصعد جبريل إلى الملك الجليل. وقال: يبكى على أمته واللـه أعلم، فقال لجبريل: انزل إلى محمد وقل له إنا سنرضيك فى أمتك»رواه مسلم«
قوله صلى الله عليه وسلم ﴿ لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها ، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخر﴾ »رواه البخاري«.
أقبل صلى الله عليه وسلم ذات يوم من العالية. حتى إذا مر بمسجد بني معاوية ، دخل فركع فيه ركعتين . ودعا ربه طويلا . ثم قال صلى الله عليه وسلم ﴿ سألت ربي ثلاثا فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة ؛ سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها ؛ وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها . وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها﴾ »رواه مسلم«
كان صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم الريح والغيم ، عرف ذلك في وجهه ، وأقبل وأدبر. فإذا أمطرت ، سر به ، وذهب عنه ذلك . قالت عائشة ﴿ فسألته؛ فقال: إني خشيت أن يكون عذابا سلط على أمتي . ويقول ، إذا رأى المطر: رحمة﴾0. »رواه مسلم «.
جاء في صحيح البخاري في حديث الشفاعة العظمى عن أنس رضي الله عنه وفي الحديث قول صلى الله عليه وسلم ﴿ فيأتوني ، فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه ، فإذا رأيته وقعت ساجدا ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، فيقول : ارفع محمد ، وقل يسمع ، واشفع تشفع ، وسل تعط ، قال : فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ،قال:ثم أشفع فيحد لي حدا ، فأخرج فأدخلهم الجنة - قال قتادة : وسمعته أيضا يقول : فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة - ثم أعود فأستأذن على ربي في داره ، فيؤذن لي عليه ، فإذا رأيته وقعت ساجدا ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقول : ارفع محمد ، وقل يسمع ، واشفع تشفع ، وسل تعط ، قال : فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ، قال : ثم أشفع فيحد لي حدا ، فأخرج فأدخلهم الجنة - قال قتادة : وسمعته يقول : فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة - ثم أعود الثالثة ، فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه ، فإذا رأيته وقعت له ساجدا ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقول : ارفع محمد ، وقل يسمع ، واشفع تشفع ، وسل تعطه ، قال : فأرفع رأسي ، فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ، قال : ثم أشفع فيحد لي حدا ، فأخرج فأدخلهم الجنة - قال قتادة : وقد سمعته يقول : فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة - حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن . أي وجب عليه الخلود ﴾. قال : ثم تلا هذه الآية : ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ . قال : وهذا المقام المحمود الذي وعده نبيكم صلى الله عليه وسلم
ويذكر ابن القيم رحمه الله أن شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ستة أنواع هي:
1- شفاعته العظمى التي يتأخر عنها أولو العزم من الرسل حتى تنتهي إليه صلى الله عليه وسلم فيقول أنا لها أنا لها، وهذه الشفاعة تكون للإراحة من هول الموقف وتعجيل الحساب.
2- شفاعته لأهل الجنة في دخولها.
3- شفاعته لقوم من العصاة من أمته قد استوجبوا النار بذنوبهم، فيشفع لهم الرسول ألا يدخلوها.
4- شفاعته في العصاة من أهل التوحيد الذين يدخلون النار بذنوبهم.
5- شفاعته لقوم من أهل الجنة في زيادة ثوابهم ورفعة درجاتهم.
6- شفاعته في بعض أهله الكفار من أهل النار حتى يخفف عذابه، وهذه خاصة بعمه أبي طالب وحده.
حقوق الحبيب صلى الله عليه وسلم الواجبه له على أمته
أولا: الإيمان الصادق به صلى الله عليه وسلم وتصديقه فيما أتى به:
قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿سورة التغابن:8﴾.
وقال تعالى:﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾﴿ سورة الأعراف:158﴾.
وقال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ﴿سورة الحديد:28﴾.
وقال تعالى :﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ ﴿ سورة الفتح:13﴾
وقَالَ صلى الله عليه وسلم ﴿أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ﴾»رواه مسلم«.
والإيمان به صلى الله عليه وسلم يعني التصديق الجازم الذي لاشك فيه بأن رسالته ونبوته هي حق من عند الله تعالى والعمل بِمقتضى ذلك ، والتصديق بأن كل ما جاء به من الدين وما أخبر به عن الله تعالى حق صحيح ، ولابد من تصديق ذلك بالقلب واللسان فلا يكفي الإيمان باللسان والقلب منكر لذلك ، قال تعالى:﴿ يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله﴾ ، فالإيمان به صلى الله عليه وسلم وبرسالته وبكل ما أخبر به من الأمور التي وقعت والتي لم تـقع مما أطلعه الله عليه واجب حتى يكمل إيمان المرء ، فمن شك في نبوته أو رسالته فهو كافر .
ثانيًا: وجوب طاعته صلّى الله عليه وسلّم، والحذر من معصيته:
فإذا وجب الإيمان به وتصديقه فيما جاء به وجبت طاعته؛ لأن ذلك مما أتى به, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾﴿سورة الأنفال:20﴾.
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾﴿سورة الحشر:7﴾. وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾﴿سورة النور:63﴾
وقال تعالى:﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾﴿سورة النساء:13؛14﴾
وعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:﴿ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ﴾»رواه البخاري ومسلم«
وعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ﴿كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ أَبَى؛ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى﴾ » رواه البخاري«
إن طاعته صلى الله عليه وسلم واجبة بأمر الله ، قال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ﴾ قال ابن سعدي : " لما أخبر الله تعالى أنه مع المؤمنين أمرهم أن يقوموا بمقتضى الإيمان الذي يدركون معيته ، وذلك بامتثال أوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم وتنفيذ أوامره ووصاياه ونصائحه ، ولا يكتفي بمجرد الدعوى الخالية التي لا حقيقة لها ، فإنها حالة لا يرضاها الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم فليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقـته الأعمال.
وقال صلى الله عليه وسلم ﴿ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته ويقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ﴾» رواه أحمد وأبو داود بسند صحيح»
فالواجب على المؤمن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيما أحلّ وحرّم ، ومما يدلل على عظم شأن طاعته صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قد قرن طاعته سبحانه بطاعة نبـيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى :﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ .
ولابد من الحذر من معصية ومخالفة أمره صلى الله عليه وسلم فإن ذلك يُحبط الأعمال ويوجب النيران ، قال تعالى:﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً﴾وطاعته صلى الله عليه وسلم تعني التمسك بسنته وما أمر به واجتناب ما نهى عنه والاهتداء بهديه قال تعالى : ﴿ وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾
وقال صلى الله عليه وسلم ﴿إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فانتهوا ﴾ «رواه مسلم »
ثالثًا: اتباعه صلى الله عليه وسلم واتخاذه قدوة في جميع الأمور، والاقتداء بهديه:
إن اتباعه صلى الله عليه وسلم في الاعتقاد والقول والعمل واجبة وهي الدين كله ، وهي شرط لمحبة الله للعبد ، قال تعالى : ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ﴾﴿آل عمران:31﴾ .
ومعنى المتابعة له صلى الله عليه وسلم أن يكون اعتقاد العبد وقوله وعمله تابعاً لاعتقاد وعمل النبي صلى الله عليه وسلم فلا يخالفه في شيء ، وكذلك لا يـبتدع المسلم بدعة ولا يعمل ببدعة ابتدعها غيره بل يعمل على إزالة كل بدعة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ، لقوله صلى الله عليه وسلم " فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " ، وعلى المسلم رد كل قول لقوله صلى الله عليه وسلم وترك كل تشريع لشرعه والإعراض عن كل ما خالف هديه صلى الله عليه وسلم في القول والعمل والاعتقاد ، والأخذ بكل ما صح عنه وثبت نسبته إليه صلى الله عليه وسلم
قال ابن رجب : " وقوله صلى الله عليه وسلم ﴿ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ﴾ «رواه الحاكم في المستدرك»
هذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بما سيقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات وأن أمته ستفترق على بضع وسبعين فرقه كلها في النار إلا واحدة وهي الفرقة الناجية التي اتبعت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في العقيدة والعبادة والسلوك .
فالحذر من مُخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ففي مخالفته خروج من الدين وارتداد عنه- عياذاً بالله - قال تعالى : ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾﴿سورة الأعراف:158﴾ فهو أمر من الله تعالى بإتباع نبيه صلى الله عليه وسلم لمن أراد الهداية ومن خالف أمره فليس له إلا الغواية والندامة .
قال تعالى : ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ﴾ ، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بِمن سبقه من الأنبياء والرسل ، وأمرنا نحن باتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به ، فقال تعالى ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ﴾ أي أن لكم فيه صلى الله عليه وسلم قدوة صالحة في أفعاله وأقواله فمن اقتدى وتأسى به صلى الله عليه وسلم سلك الطريق الَموصل إلى كرامة الله وهو الصراط المستقيم والجنة ، ومن ترك الاقتداء به صلى الله عليه وسلم فقد ضل وهلك وخسر في الدنيا والآخرة .
قال أبو عثمان : من أمّر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة ، ومن أمّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: اقتصاد في سُـنَّة خير من اجتهاد في بدعة .
رابعًا: محبته صلى الله عليه وسلم أكثر من الأهل والولد، والوالد، والناس أجمعين:
قال تعالى:﴿ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾﴿سورة التوبة:24﴾.
وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ﴿لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين﴾«رواه البخاري ومسلم».
وقد ثبت في الحديث أن من ثواب محبته الاجتماع معه في الجنة: وذلك عندما سأله رجل عن الساعة فقال صلى الله عليه وسلم ﴿مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلاةٍ وَلا صِيَامٍ وَلا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ﴾«رواه البخاري ومسلم».
ولما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه﴿ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ:'فَإِنَّهُ الآنَ وَاللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الآنَ يَا عُمَرُ﴾« رواه البخاري».
وقَالَ صلى الله عليه وسلم ﴿ ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ؛ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ﴾ «رواه البخاري ومسلم».
ولاشك أن من وفَّقه الله تعالى لذلك ذاق طعم الإيمان ووجد حلاوته, فيستلذ الطاعة ويتحمل المشاقّ في رضى الله عز وجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه رضي به رسولاً, وأحبه، ومن أحبه من قلبه صدقاً أطاعه صلى الله عليه وسلم ولهذا قال القائل:
تعصي الإله وأنت تُظْهر حُبَّهُ هذا لعمري في القياسِ بديعُ
لو كان حُبَّكَ صادقاً لأطعتـــه إن المُحبَّ لمن يُحِبُّ مُطيـــــعُ
ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره يرجع إلى أمرين:
* صـفـاتـه الشـخصية وشمائله التي تحلّى بها، والتي لا تدع لأي منصف اطلع عليها إلا أن يحب هذا الرسول ويوقره ويعظمه، وهذه تكون من المسلمين كما تكون من المنصفين من غير المسلمين، وهناك كمٌّ كبير من أقوالهم في ذلك،
*أمر الله بذلك وإيجابه على المسلمين، وهذه يختص بها الذين آمنوا بالله ورسوله، حتى يفديه المؤمن بأبيه وأمه، بل يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من كل شيء،بل لا بد أن يكون الرسول أحب إلى المسلم من نفسه التي بين جوانحه، فيؤْثر مرضاة الرسول على ما تطمح إليه نفسـه، ويقدم أمره وسنته على محبوباته ورغباته.
وقد كان المسلمون من محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعرِّضون أنفسهم للمهالك والردى في سبيل حفظ الرسول ونجاته، فعن أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال:لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وكان رجلاً رامياً شديد القد يكسر يومئذ قوسين أو ثلاثاً، وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول: انثرها لأبي طلحة، فأشرف النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: يا نبي الله! بأبي أنت وأمي لا تشرف يصبْك سهـم مـن سـهام القـوم، نـحري دون نـحرك«رواه البخاري».
وإزاء كل ما تقدم لم يكن من المسلمين لرسولهم إلا الحب والإجلال والإكبار والرغبة في فدائه بكل ما يملكون، ولم يكن أحد من أصحابه يطيق أن يسمع شيئاً مما قد يكون فيه أدنى نقص من قدره صلى الله عليه وسلم
فعن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: استبَّ رجلان: رجل من المسلمين ورجل من اليهود، قال المسلم: والذي اصطفى محمداً على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده عند ذلك فلـطم وجـه اليهودي، فـذهب اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بمـا كان من أمره وأمر المسلم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلم فسأله عـن ذلك فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تخيِّروني على موسى؛ فـإن النـاس يُصـعقون يوم القـيامة فأُصـعق معهم فأكون أول من يفـيق، فـإذا موسى واقف جانب العرش فلا أدري أكان فيـمن صـعـق فأفـاق قـبلي، أو كان ممن استثنى الله، فلم يحتمل الصحابي الجليل أن يسمع من اليهودي تفضيل مـوسـىعليه السـلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقد روى ابن عباس ـ رضي الله تـعالى عنـهما ـ قصة تبين مدى حب الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعنه "أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه فأخـذ المِغْـوَل فوضـعه فـي بطنـها واتـكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجلــيها طــفل فلـطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجمع الناس فقال: أنشد الله رجلاً فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام، فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتـزلـزل، حتـى قـعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جـعلت تشـتمـك وتـقع فـيك، فـأخـذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا اشهدوا أن دمها هدر«رواه أبو داود»
ولم يكن يتصور أن يقوم أحد ممن آمن به بانتقاصه أو سبّه أو السخرية منه أو الاستهزاء به.
وقد أجمع علماء المسلمين علـى أن مـن سبّ الرسول صلى الله عليه وسلم أو أحداً من أنبياء الله ورسله أنه مرتد ويـجب قتله، كما أن من سبّه من أهل العهد والذمة فإن عهده ينتقض بذلك ويجب قتله، فإنَّا لم نعاهدهم على سب رسولنا أو الانتقاص منه. قال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم والمتنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعـذابه كــفر.
وقـال ابـن تـيمـية: وتحـريـر الـقول فيه: أن السابَّ إن كان مسلماً فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وإن كان ذمياً فإنه يقتل ـ أيضاً ـ في مذهب مالك وأهل المدينة، وقد نص أحمد على ذلك في مواضع متعددة. قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول :كل من شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو تنقَّصه ـ مسلماً كان أو كافراً ـ فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب.
وبعـد: فهل وفـيتُ حـق الرسـول صلى الله عليه وسلم ؟ لا، وألـف لا، بـل ولا قطـرة في بحر حقه وفضله، فبأبي أنت وأمي يا رسول الله! اللــهم إنَّا قد أحـببنا نبـيك وأصحاب نبـيك، فاللـهم احشرنا في زمرتهم
وعلامات محبته صلّى الله عليه وسلّم
تظهر في الاقتداء به صلى الله عليه وسلم واتباع سنته, وامتثال أوامره, واجتناب نواهيه, والتأدب بآدابه, في الشدة والرخاء, وفي العسر واليسر, ولا شك أن من أحب شيئاً آثره, وآثر موافقته, وإلا لم يكن صادقاً في حبه ويكون مدّعياً.
ولا شك أن من علامات محبته: النصيحة له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم َ ﴿ الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ﴾ «رواه مسلم». والنصيحة لرسوله صلى الله عليه وسلم التصديق بنبوته, وطاعته فيما أمر به, واجتناب ما نهى عنه, ومُؤازرته, ونصرته وحمايته حياً وميتاً, وإحياء سنته والعمل بها وتعلمها, وتعليمها والذب عنها, ونشرها, والتخلق بأخلاقه الكريمة, وآدابه الجميلة.
خامسًا: احترامه، وتوقيره، ونصرته:
نصـرة الرسـول صلى الله عليه وسلم مـن لـوازم الإيـمان، وقـد ضـمـن الله ـ تعالى ـ الفلاح لمن آمن برسوله ونَصَرَه، فقال تعالى:﴿ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾﴿الأعراف: 157﴾، فالذين عزّروه هم الذين وقَّروه، والذين نصروه هم الذين أعانوه على أعداء الله وأعدائه بجهادهم ونصب الحرب لهم
التعزير: النصرة والحماية، والتوقير: التعظيم والإجلال، وكل ذلك يستحقه الرسول الكريم، وبذلك أمرنا رب السماوات والأرضين. قال الله تعالى: ﴿إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾﴿الفتح: 8 – 9﴾
وقد مدح الله ـ تعالى ـ المهاجرين الذيـن نصروا رسوله وشـهد لهم بالـصـدق فـي إيمـانهـم فقال تعالى:﴿ لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾﴿ الحشر: 8﴾
كما شهد لمن آوى المهاجرين ونصر الرسول بأنهم هم المؤمنون حقاً فقال تعالى:﴿ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾﴿الأنفال: 74﴾، فكان البذل والعطاء في سبيل الله سواء بالهجرة أو بالنصرة دليل الإيمان الحق. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مكة قبل الهجرة يطوف على الناس يطلب النصرة حتى يتمكن من إبلاغ رسالة الله تعالى للعالمين؛ فعن جـابر ـ رضي الله تعالى عنه ـ قـال:"مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنى، يقول: من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي، وله الجنة؟ .. الحديث« رواه الإمام أحمد»، وعندما أراد الهـجرة إليــهم فـي المدينـة أخـذ البـيعـة علـيهم أن ينصروه وأن يمنعوه مما يمنعون منه أهليهم، ففي الحديث المتقدم قال لهم:"وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة" «رواه الإمام أحمد». وقد أخذ الله ـ تعالى ـ الميثاق على من تقدّمنا من الأمم بنصرة الرسول الكريم؛ فما أتعس قوماً أخذ عليهم الميثاق بنصرته صلى الله عليه وسلم فإذا هم يسخرون ويستهزئون! قال الله تعالى في أخذه الميثاق على من سبق من الأمم:﴿وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾﴿آل عمران: 81﴾.
فأخذ الميثاق على النبيين كلهم وأممهم تبع لهم فيه. قال ابن كثير: قال علي ابن أبي طالب وابن عمه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أُخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمداً وهو حي ليؤمنن به وينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه"
. وقد بين الله تعالى أنه ناصر رسوله، وأن رسوله ليس في حـاجة إلى نصرهم، والمسلم عندما ينصر الرسولَ صلى الله عليه وسلم فإنما يـسعى لخير نفسه، وإذا تقاعس فلن يضر إلا نفسه، وقد نصر الله رسوله في أحلك الظروف وأصعب الأوقات عندما هاجر من مكة إلى المدينة وقريش كلها تطارده بخيلها ورجلها تأمل العثور عليه، لكن الله أنجاه منهم مع ضعف الإمكانات وقلة الزاد والمعين، قال الله تعالى يبين ذلك:﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾﴿التـوبـة: 40﴾ فمـن تقــاعـس عـن نصـرة الرسـول فـلا يُــزري إلا بنفسه،
وهي منزلة من العز والشرف قد حرم منها؛ قال تعالى: ﴿ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فعلّق الفلاح بالنصرة؛ فمن لم ينصره فليس من المفلحين﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ..﴾ ؛ فنصرة المؤمنين واجبة، والنبي أوجب.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. ونصرة النبي من نصرة الله تعالى.- وقوله صلى الله عليه وسلم " انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، فهذا في حق المؤمنين، وفي حق النبي أعظم.
وقت النصرة:
وجود الظلم والعدوان على مقام النبي، صلى الله عليه وسلم في ذاته، أو أخلاقه، أو دينه. فمتى وجِد هذا النوع من الظلم والعدوان: وجب على المؤمنين الذبّ عنه، صلى الله عليه وسلم ولا يحل لهم أن يسكتوا أو يخضعوا يرضوا..!! فإن فعلوا ذلك؛ دلّ على خلل في إيمانهم، وضعف في ولائهم لله ورسوله، صلى الله عليه وسلم فلا يرضى بالطعن في النبي صلى الله عليه وسلم إلا منافق أو كافر، أما المؤمن فيغضب ويتمعّر وجهه لأدنى من ذلك، لأذى يلقاه عوام المسلمين؛ لما بينه وبينهم من أخوة الإيمان؛ فأي عدوان على رأس المؤمنين وقائدهم ومقدمهم فهو عليه أشد وأنكى. بل حاله كحال خبيب بن عدي لمّا أخرجه أهل مكة من الحرم ليقتلوه، فقال له أبو سفيان: " أنشدك الله يا خبيب! أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك يضرب عنقه، وأنك في أهلك؟. فقال خبيب: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة، وإني جالس في أهلي". فقال أبو سفيان: "ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمدٍ محمدًا"
وطرق النصرة :
أولاً : تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر به ، وأوله : أنه رسول الله ومبعوثه إلى الجن والأنس كافة لتبليغ وحيه تعالى بالقرآن والسنة المتضمنين لدين الإسلام الذي لا يقبل الله تعالى ديناً سواه .
ثانياً : طاعته والرضى بحكمه ، والتسليم له التسليم الكامل ، والانقياد لسنته والاقتداء بها ، ونبذ ما سواها .
‌ثالثاً : محبته صلى الله عليه وسلم فوق محبة الوالد والولد والنفس ،مما يترتب عليه تعظيمه ، وإجلاله ، وتوقيره ، ونصرته ، والدفاع عنه ، والتقيد بما جاء عنه .
فعلى كل مسلم ؛ أن يسعى لتحقيق هذا المعنى ، ليصح إيمانه ، وليحقق الشطر الثاني من كلمة التوحيد ، ولتقبل شهادته بأن محمداً رسول الله ، فإن المنافقين قالوا :﴿ نشهد إنك لرسولُ الله والله يعلمُ إنك لرسولُهُ واللهُ يشهدُ إنَّ المنافقين لكاذبون﴾﴿المنافقون : 1﴾، فلن تنفعهم شهادتهم ، لأنهم لم يحققوا معناها .
سادسا:الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم
إن هذا الحق الواجب الأكيد ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾﴿الأحزاب:56﴾
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ رغم أنف امريء ذكرت عنده فلم يصلِ عليّ﴾
وقال: ﴿صلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني﴾؛ فالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم واجبة في الجملة وتتأكد عند ذكره صلى الله عليه وسلم وفي التشهد الأخير من كل صلاة.
المواطن التي تشرع فيها الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
وللصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مواطن كثيرة ذكر منها الإمام ابن القيم رحمه لله في كتابه 'جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام' واحداً وأربعين موطناً، منها على سبيل المثال:
الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند دخول المسجد, وعند الخروج منه, وبعد إجابة المؤذن, وعند الإقامة, وعند الدعاء, وفي التشهد في الصلاة، وفي صلاة الجنازة، وفي الصباح والمساء، وفي يوم الجمعة, وعند اجتماع القوم قبل تفرقهم, وفي الخطب: كخطبتي صلاة الجمعة, وعند كتابة اسمه, وفي أثناء صلاة العيدين بين التكبيرات, وآخر دعاء القنوت, وعلى الصفا والمروة, وعند الوقوف على قبره, وعند الهم والشدائد وطلب المغفرة, وعقب الذنب إذا أراد أن يكفر عنه, وغير ذلك من المواطن التي ذكرها رحمه الله في كتابه.
فوائد الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لِلْصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَوَائِدُ عَظِيْمَةٌ؛ فَمِنْهَا:
* امْتِثَالُ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى وَأَمْرِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم
*عن أبى هريرة رضى الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿من صلى على واحدة صلى عليه عشرا﴾«رواه مسلم»
*عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ﴿ من ذكرت عنده فليصل على ؛ومن صلى على مرة صلى الله عليه عشرا﴾ «أخرجه النسائى»
*عن أبى بردة بن نيار قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿من صلى على من أمتى صلاة مخلصا من قلبه ؛صلى الله عليه بها عشر صلوات ؛ ورفعه بها عشر درجات؛وكتب له بها عشر حسنات ؛ ومحا عنه عشر سيئات﴾«أخرجه النسائى»

صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:
كثرت الأحاديث بصيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كتب أهل الحديث ، وتطبيقاً للسنة في ذلك فسأذكرها إنشاء الله تعالى معزوة إلى مصدرها حتى تعم الفائدة ويحصل الخير بإذن الله عز وجل ، في تنوع الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم
*روى البخاري في صحيحه عن كعب بن عجرة قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك ، فكيف نصلي عليك ؟ قال: قولوا : ﴿اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ﴾ .
*وروى البخاري أيضاً عن أبي سعيد الخدري قال : قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك فكيف نصلي ؟ قال : قولوا : ﴿ اللهم صل على محمد عبدك ورسولك ، كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ﴾
*وروى البخاري أيضاً عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا : يا رسول الله كيف نصلي عليك ؟ قال : قولوا : ﴿اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته ، كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزوجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد﴾ .
*وعند أبي داود ، وصححه الألباني ، عن أبي مسعود الأنصاري قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد : أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنين أنه لم يسأله ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا : ﴿ اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم ، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم ، إنك حميد مجيد ﴾
*وعن الحكم ، قال : ﴿اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم ، في العالمين إنك حميد مجيد ﴾ «أبو داود و هو صحيح»
*وعن عقبة بن عمرو قال : قولوا : ﴿اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد ﴾« رواه أبو داود»
*وعند بن ماجة وهو صحيح ، من حديث أبي حميد الساعدي أنهم قالوا : يا رسول الله ، أمرنا بالصلاة عليك ، فكيف نصلي عليك ؟ فقال:قولوا : ﴿اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته ، كما صليت على إبراهيم ، وبارك على محمد وأزواجه وذريته ، كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد ﴾
*وعند النسائي وصححه الألباني من حديث أبي مسعود ، قال صلى الله عليه وسلم قولوا : ﴿اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على آل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم ، في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما علمتم ﴾.
*وعن طلحة بن عبدالله، قال : قلنا : يا رسول الله كيف الصلاة عليك ؟ قال : قولوا : ﴿ اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ﴾ «صحيح النسائي »وعند النسائي أيضاً وصححه الألباني من حديث أبي سعيد الخدري ، قال : قولوا : ﴿ اللهم صل على محمد عبدك ورسولك ، كما صليت على إبراهيم ، وبارك على محمد وآل محمد ، كما باركت على إبراهيم ﴾.
*أورد بن كثير رحمه الله في تفسيره ، قال : روى ابن أبي حاتم عن كعب بن عجرة قال : لما نزلت ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ﴾ قال : قلنا يا رسول الله قد علمنا السلام عليك ، فكيف الصلاة عليك ؟ قال : قولوا : ﴿اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ﴾« رواه الجماعة» .
سابعًا: وجوب التحاكم إليه، والرضي بحكمه صلّى الله عليه وسلّم:
قال الله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾﴿ سورة النساء:59﴾
وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾﴿سورة النساء:65﴾. ويكون التحاكم إلى سنته وشريعته بعده صلى الله عليه وسلم
ثامنًا: إنزاله مكانته صلّى الله عليه وسلّم بلا غلو ولا تقصير:
فهو عبد لله ورسوله, وهو أفضل الأنبياء والمرسلين, وهو سيد الأولين والآخرين, وهو صاحب المقام المحمود، والحوض المورود, ولكنه مع ذلك بشر لا يملك لنفسه ولا لغيره ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله كما قال تعالى:﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ..﴾﴿ سورة الأنعام:50﴾.
وقال تعالى:﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿سورة الأعراف:188﴾
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾﴿ سورة الجن:21&22﴾.
عصمة الله تعالى له صلى الله عليه وسلم
عن أبي هريرة رضى الله عنه: قال أبو جهل هل يعفّر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم، قال: واللآت والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفّرن وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي – زعم – ليطأ على رقبته، فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، فقيل له: مالك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقا من نار، وهولا وأجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا، فأنزل الله:﴿كلا إن الإنسان ليطغى.. إلى قوله تعالى: كلا لا تطعه واسجد واقترب﴾.
في هذا الحديث معجزة من معجزاته صلى الله عليه وسلم وهي عصمة الله تعالى له من أعدائه، وهم الجم الغفير، والعدد الكثير، وهم على أتم حنق عليه، وأشد طلب لنفسه، وهو بينهم مسترسل قاهر، ولهم مخالط، ومكاثر، ترمقه أبصارهم شزرا، وترتد عنه أيديهم ذعرا، وقد هاجر عنه أصحابه حذرا، حتى استكمل مدّته فيهم ثلاث عشرة سنة، ثم خرج عنهم سليما لم يكلم في نفس ولا جسد، وما كان ذلك إلا بعصمة إلهية، وعده الله بها، فحققها له، حيث قال سبحانه: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ﴾﴿المائدة:67﴾
ولقد تجلّت عصمة الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في وقائع متعددة، منها:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:لما نزلت:﴿ تبت يدا أبي لهب وتب ﴾ جاءت امرأة أبي لهب ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ومعه أبو بكر، فقال له أبو بكر: لو تنحّيت! لا تؤذيك بشيء. فقال صلى الله عليه وسلم إنه سيحال بيني وبينها، فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر فقالت: يا أبا بكر هجانا صاحبك! فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنْية ما ينطق بالشعر ولا يتفوّه به. فقالت: إنك لمصدق، فلما ولّت قال أبو بكر: ما رأتك؟ قال: لا، ما زال ملك يسترني حتى ولّت".
وحدث أن قريشا استغاثت بمعمر بن يزيد – وكان أشجع قومه، وكانت بنو كنانة تصدر عن رأيه وتطيع أمره – فقال لهم: إني قادم إلى ثلاث وأريحكم منه، وعندي عشرون ألف مدجّج، فلا أرى هذا الحي من بني هاشم يقدر على حربي، وإن سألوني الدية أعطيتهم عشر ديات، ففي مالي سعة. وكان يتقلد بسيف طوله سبعة أشبار في عرض شبر، وقصته في العرب مشهورة بالشجاعة والبأس، فلبس يوم وعده قريشا سلاحه، وظاهر بين درعين، فوافقهم بالحطيم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجر يصلي وقد عرف ذلك فما التفت ولا تزعزع، ولا قصر في الصلاة.
فقيل له: هذا محمد ساجد، فأهوى إليه وقد سلّ سيفه، وأقبل نحوه، فلما دنا منه رمى بسيفه وعاد، فلما صار إلى ربا الصفا عثر في درعه فسقط، فقام وقد أدمي وجهه بالحجارة يعدو كأشد العدو حتى بلغ البطحاء ما يلتفت إلى خلف، فاجتمعوا وغسلوا عن وجهه الدم وقالوا: ماذا أصابك؟ قال: إني لما دنوت من محمد فأردت أن أهوي بسيفي إليه أهوى إلي من عند رأسه شجاعان أقرعان ينفخان بالنيران، وتلمح أبصارهم، فغدوت، فما كنت لأعود في شيء من مساءة محمد صلى الله عليه وسلم ولما أصرّت قريش على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمعوا أمرهم على أن يبيت أمام دار النبي صلى الله عليه وسلم أربعون شابا جلدا من شباب قريش، معهم السيوف فإذا خرج ضربوه ضربة رجل واحد، وأمره الله بالهجرة، فخرج من بينهم ليلا وأعمى الله أبصارهم فلم يشعروا به، فانطلق صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر حتى دخلا الغار. ولما أصبحت قريش ورأت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فاتهم تتبعوا الآثار في الرمال حتى انتهوا إلى باب الغار فوقفوا عليه، فقال أبو بكر: يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا! فقال صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما"،
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذا أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ﴾﴿التوبة:40﴾
وهكذا حفظ الله رسوله، وردّ الذين كفروا بغيظهم، ولكنهم لم ييأسوا، فجعلوا لمن يأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم حيا أو ميتا مائة من الإبل، فخرج الفرسان يطلبون رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان منهم سراقة بن مالك، فلما رآه أبو بكر قال: يا رسول الله هذا سراقة قد قرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اكفنا سراقة، فأخذت الأرض قوائم فرسه إلى إبطها،
فقال سراقة: يا محمد! ادع الله أن يطلقني ولك علي أن أردّ من جاء يطلبك ولا أدل عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إن كان صادقا فأطلق فرسه؛ فأطلقه الله، فرجع، ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه.
ولما كانت بدر، ورجعت قريش تجر أذيال الهزيمة جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحجر، وكان عمير بن وهب شيطانا من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويلقون منه عناء وهو بمكة. وكان ابنه وهب في أسرى بدر، فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: والله إن في العيش بعدهم خير، فقال له عمير: صدقت والله، أما والله لولا دين علي ليس له عندي قضاء، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي فيهم علة، ابني أسير بأيديهم، فاغتنمها صفوان فقال: علي دينك أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم، فقال له عمير: فاكتم شأني وشأنك، قال: أفعل.
فأمر عمير بسيفه فشحذ له وسُمّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فبينما عمر في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، إذ نظر عمر إلى عمير حين أناخ على باب المسجد متوشحا سيفه. فقال: هذا الكلب عدو الله عمير، والله ما جاء إلا لشر، وهو الذي حرّش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر. ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحا سيفه، قال: فأدخله علي. فأقبل عمر حتى أخذ بمحالة سيفه في عنقه فلببه بها وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون. ثم دخل به عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه وعمر أخذ بحمالة سيفه في عنقه قال: أرسله يا عمر، ادن يا عمير! فدنا ثم قال: أنعموا صباحا، وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام، تحية أهل الجنة، فقال: أما والله يا محمد إن كنت لحديث عهد به. قال صلى الله عليه وسلم فما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا إليه، قال: فما بال السيف في عنقك؟ قال: قبّحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئا، قال صلى الله عليه وسلم اصدقني، ما الذي جئت له؟قال: ما جئت إلا لذلك
قال صلى الله عليه وسلم بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فقلت: أما والله لولا دين علي ليس له عندي قضاء، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد حتى أقتله. فقال لك صفوان: علي دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم، فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرؤه القرآن، وأطلقوا له أسيره، ففعلوا".
ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كان يخاف على نفسه الغيلة، فاتخذ حرسا حتى أنزل الله عليه: ﴿يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس ﴾﴿المائدة:67﴾.
أي: يا أيها الرسول بلّغ أنت رسالتي، وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل إليك أحد منهم بسوء.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: سهر النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة مقدمه المدينة فقلت: ما شأنك؟ قال: ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة. قالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال صلى الله عليه وسلم من هذا؟ قال: سعد بن مالك. قال صلى الله عليه وسلم ما جاء بك؟ قال: جئت أحرسك يا رسول الله، قالت: فسمعت غطيط رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نزلت الآية قال: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله.
ولما كان يوم أحد وتنازع المسلمون وعصوا الله ورسوله، وسلط الله عليهم المشركين انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعصمه الله:
عن سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه قال: رأيت يوم أحد عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله رجلين عليهما ثياب بيض، يقاتلان دون رسول الله أشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد يعني جبريل وميكائيل.
وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزاة قبل نجد، فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القائلة في واد كثير العضاة، فنزل صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها، وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، فنادى رسول الله في الناس فقال صلى الله عليه وسلم إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي والسيف صلتاً في يده، فقال: من يمنعك مني؟ قلت: الله، قال: من يمنعك مني؟ قلت: الله، قال: فشام السيف، فها هو ذا جالس، ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ملك قومه، فانصرف حين عفا عنه فقال: لا أكون في قوم هم حرب لك.
وحدث أن قتل رجل من المسلمين رجلين مشركين من بني عامر، معهما عقد وعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشعر به، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد قتلت قتيلين لأديهما.
فخرج صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في ديتهما، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فلما أتاهم يستيعنهم قالوا: نعم نعينك، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل هذه الحال، وكان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا على جانب جدار لهم، فقالوا: من رجل يعلو على هذا البنيان فيلقي هذه الصخرة عليه فيقتله ويريحنا منه؟ فانبعث لذلك أشقاهم عمرو بن كعب، فأتاه الخبر من السماء، فقام مظهرا أنه يقضي حاجة، وقال لأصحابه: لا تبرحوا، ورجع مسرعا إلى المدينة. واستبطأه أصحابه فأخبروا أنه توجه إلى المدينة فلحقوا به، فأخبرهم بأمرهم، وأمر بحربهم والمسير إليهم.
وعن جابررضى الله عنه: أن يهودية من أهل خيبر سمّت شاة مصلية، ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ رسول الله الذراع، فأكل منها وأكل رهط من أصحابه معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفعوا أيديكم، وأرسل إلى اليهودية فدعاها فقال صلى الله عليه وسلم سممت الشاة؟ قالت: من أخبرك؟ قال صلى الله عليه وسلم أخبرتني هذه في يدي للذراع. قالت: نعم، قلت: إن كان نبياً فلن تضرّه، وإن لم يكن نبيا استرحنا منه، فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها.
ولما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة وطاف بالبيت، جاء رجل من المشركين يسمى فضالة بن عمير يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف، فلما دنا منه قال صلى الله عليه وسلم أفضالة؟ قال: نعم فضالة يا رسول الله! قال صلى الله عليه وسلم ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : استغفر الله، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه.

المستهزئون بالحبيب صلى الله عليه وسلم وماأنزل الله تعالى بهم من أليم العذاب
لقد تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم للسخرية والإستهزاء من المشركين ؛ وكان شر من إستهزأ به صلى الله عليه وسلم من عناهم الله عزوجل بقوله تعالى:
﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾﴿الحجر: 95؛96﴾
وهاهى يعض أسماؤهم عليهم لعائن الله مع بيان حالهم نهاية حياتهم:
1-أبو لهب: وهو عبد العزى بن عبد المطلب ؛عم النبى صلى الله عليه وسلم وكان من أشد الناس تكذيبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم أذى له حتى إنه كان يطرح العذرة والنتن على باب النبى صلى الله عليه وسلم ولقد أخذه الله جل جلاله بمكة إذ أصابه بمرض خبيث يقال له : مرض العدسة؛ وكان ذلك يوم هزيمة المشركين ببدر ؛ فما أن بلغه خبرهزيمة قومه حتى أصيب بمرض العدسة ؛ فمات شر ميتة حتى إنهم لم يقدروا على تغسيله ؛ فصبوا عليه الماء من بعيد من شدة الرائحة الكريهة التى تفوح من جسمه الذى انسلخ وتساقط بصورة لم يعرف لها نظير.
2- الوليد بن المغيرة : وهو القائل لقريش : إن الناس يأتوكم فى الحج فيسألونكم عن محمد ؛ فلا تختلف أقوالكم فيه وقولوا كلمة واحدة : هو ساحر؛ لأنه يفرق بين المرء وأخيه وزوجته.ولقد هلك بعد أن وطئ سهما فخدشه فتورمت رجله ؛ ومات بذلك شر ميتة؛ وكفى الله رسوله صلى الله عليه وسلم شره وشر كل مستهزئ به.
3-أبوجهل عمروبن هشام :كناه المسلمون بأبى جهل لخبثه وسوء أفعاله وقبيح صنائعه؛هلك ببدر قتله ابنا عفراء ؛ واحتز رأسه عبد الله بن مسعود
4- عقبة بن أبى معيط: هو الذى وضع سلى الجزور بين كتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى عند البيت ؛ وهلك هذا الطاغية ببدر حيث أسر بها وصلب ؛ وهو أول مصلوب فى الإسلام.
5-الأسود بن عبد يغوث الزهرى كان من المستهزئين ؛ وخرج يوما فأصابه السموم فاسود وجهه؛وأصابته الأكلة(مرض) فامتلأ جسمه قيحا فمات شر ميتة.
6- الحارث بن قيس السهمى: كان من أحد المستهزئين بالنبى صلى الله عليه وسلم وكان يعبد حجرا ؛فإذا رأى غيره أحسن منه تركه وعبد غيره مما رآه أحسن فى نظره؛ وفيه نزل قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ﴾﴿الجاثية:23؛24﴾وهلك هذا الطاغية الملحد بالذبحة؛ إذ أكل حوتا مملوحا فلم يزل يشرب حتى مات ؛ وقدامتلأ رأسه قيحا؛ فكانت ميتته شر ميتة وأنكرها.
7- العاص بن وائل السهمى: والد عمرو بن العاص رضى الله عنه ؛ وكان من المستهزئين؛ وهو القائل لما مات القاسم بن النبى صلى الله عليه وسلم إن محمدا أبتر لايعيش له ولد ذكر؛فأنزل الله تعالى فى سورة الكوثر﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ وهلك بمكة بسبب لدغة فى رجله ؛انتفخت لها رجله حتى صارت كعنق البعير.
8-مالك بن الطلاطلة بن عمرو بن غبشان: كان من المستهزئين؛وكان سفيها؛ فدعا عليه النبى صلى الله عليه وسلم فمات بمكة بعدما امتلأ رأسه قيحا.
بعض صور الإعجاز العلمى فى السنة النبوية الشريفة
1-النوم على الجانب الأيمن
كان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم النوم على الجانب الايمن وأخذها عنه من بعده ربما دون أن يعرفوا الحكمة في ذلك .
ومع تطور العلم .. اكتشف العلماء أن طريقة النوم على الجانب الأيمن هي الطريق المثلى لراحة أعضاء الجسم ... ذلك أن الكبد يقع في الجنب الأيمن ،والنوم على جهة اليسرى يعني أن الأعضاء ستتحمل ثقل الكبد الذي يزيد وزنه عن 2 كجم .
إضافة إلى أن فتحة المعدة تتجه إلى الجهة اليمنى والنوم على هذا الجانب بالتالي يؤمن تدفق الطعام دون أي جهد ، أما إذا كانت فتحة المعدة لأعلى من خلال النوم على اليسار مثلاً ، فهذا معناه أنها ستبذل طاقة لكي ترفع الطعام إلى فتحة المعدة ،أما عند النوم على الظهر ... فإن دفع الطعام لن يكون بمثل سهولة دفع الطعام فيما إذا كان النوم على الجانب الأيمن .

2-علاج نبوي كامل
قال الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿ الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام﴾ ، والسام هو الموت ، والحبة السوداء .هي حبة البركة .
ومنذ القدم ،اختلف المفسرون في كيفية أن الحبة السوداء شفاء من كل داء ، فقال بعض المفسرين : إنها شفاء من الأدواء التي تناسبها ، فيما أصر البعض على أنها فعلاً شفاء من كل داء.
وفي العصر الحديث ، قام العالم العربي المسلم أ.أحمد القاضي بدراسة على حبة البركة ، وحيث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أنها شفاء من كل داء ، فهي ولا بد تعمل في مجال يؤثر على كل الأمراض ، ولذا قام بدراسة خليتين :
1). خلية تساعد وترفع الأداء.
2). خلية تأكل الجراثيم والأمراض.
وهذا يعني أن هاتان الخليتان يتعلقان بكل الأمراض التي تصيب الجسم .
وأعطى بعض المرضى علاجاً من الحبة السوداء ،وكانت النتيجة أن تحسنت الخلية الأولى بنسبة 72 % والثانية بنسبة 73 %
ومن هنا يتبين لنا أن المقصود بالشفاء ليس الشفاء المعهود ،بل إنها تشفي الخلية المسؤولة عن الشفاء من الأمراض بمشيئة الله وهنا ... قام بعمل علاج من ثلاثة وصفات نبوية :
الوصفة الأول : الحبة السوداء .
الوصفة الثانية : العسل ، قال تعالى ﴿ فيه شفاء للناس ﴾ .
الوصفة الثالثة : الثوم وقد أمر النبي بأكله وقال لولا أني أناجي الملك لأكلته ،ونهى آكله عن إتيان المسجد بسبب الرائحة فقط، ومن ثم قام بتجريب هذه الوصفة على مرضى السرطان ، فكان التحسن كما يلي :
تحسنت الخلية الأولى بنسبة تزيد على 200 % .
وتحسنت الخلية الثانية بنسبة 300 % .
فالحمد لله رب العالمين الذي جعل دوائنا في كتابه العزيز .
هذا وليت الاطباء النفسيين يداوون مرضاهم بهذا الكتاب ،فقد قال تعالى ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾
وليت الأطباء يستفيدون مما ورد فيه فماء زمزم والحبة السوداء والثوم والعسل والسدر فيها من الشفاء بإذن الله الكثير .
وليت الناس يعتمدون على هذا الكتاب كغذاء روحي .... فهو سبيل السعادة المنشودة في الدنيا والآخرة .
وليت علماء المسلمين ،يقتبسون من هذا الكتاب الهدى والعلم فيقدمونه للناس ويقودون العالم بإذن الله إلى برالأمان .
3-تفاعل أجهزة الجسم مع العضو المصاب
قال صلى الله عليه وسلم ﴿ مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾« صحيح مسلم»
وفي بحث علمي دقيق لطبيب مسلم هو الدكتور ماهر محمد سالم أوضح جانبًا من جوانب الإعجاز العلمي في هذا الحديث الشريف لم تدركه العلوم المكتسبة إلا منذ سنوات قليلة, ومن ذلك أن شكوى العضو المصاب هي شكوى حقيقية, وليست على سبيل المجاز؛ إذ تنطلق في الحال نبضات عصبية حسية من مكان الإصابة أو المرض على هيئة استغاثة إلى مراكز الحس والتحكم غير الإرادي في الدماغ وتنبعث في الحال أعداد من المواد الكيميائية والهرمونات من العضو المريض بمجرد حدوث ما يتهدد أنسجته وخلايا وقمع أول قطرة دم تنزف منه, أو نسيج يتهتك فيه, أو ميكروب يرسل سمومه إلى أنسجته وخلاياه, تذهب هذه المواد إلى مناطق مركزية في المخ فيرسل المخ إلى الأعضاء المتحكمة في عمليات الجسم الحيوية المختلفة أمرًا بإسعاف العضو المصاب وإعانته بما يتلاءم وإصابته أو مرضه. وفي الحال تتداعى تلك الأعضاء المتحكمة في عمليات الجسد الحيوية المختلفة أي يدعو بعضها بعضًا فمراكز الإحساس تدعو مراكز اليقظة والتحكم في تحت المهاد في المخ وهذه تدعو بدورها الغدة النخامية لإفراز الهرمونات التي تدعو باقي الغدد الصماء لإفراز هرموناتها التي تدعو وتحفز جميع أعضاء الجسم لنجدة العضو المشتكى, فهي شكوى حقيقية, وتداع حقيقي, وليس على سبيل المجاز, ومعنى التداعي هنا أن يتوجه كل جزء في الجسد بأعلى قدر من طاقته لنجدة المشتكي وإسعافه, فالقلب – على سبيل المثال – يسرع بالنبض لسرعة تدوير الدم وإيصاله للجزء المصاب, في الوقت الذي تتسع الأوعية الدموية المحيطة بهذا العضو المصاب وتنقبض في بقية الجسم, لتوصل إلى منطقة الإصابة ما تحتاجه من طاقة, وأوكسجين, وأجسام مضادة وهرمونات, وأحماض أمينية بناءة لمقاومة الإصابة, والعمل على سرعة التئامها, وهذه هي خلاصة عمل أعضاء الجسم المختلفة من القلب إلى الكبد, والغدد الصماء والعضلات وغيرها, وهي صورة من صور التعاون الجماعي لا يمكن أن توصف بكلمة أبلغ ولا أشمل ولا أوفى من التداعي .وهذا التداعي يبلغ درجة من البذل والعطاء عالية إذ يستدعي من الأعضاء والأجهزة والأنسجة والغدد المتداعية أن تهدم جزءًا من مخزونها من الدهون والبروتينات من أجل إغاثة العضو المشتكى, ويظل هذا السيل من العطاء مستمرًا حتى تتم عملية الإغاثة, وتتم السيطرة على الإصابة أو المرض, والتئام الأنسجة والخلايا الجريحة أو المريضة, حتى يبرأ الجسد كله أو يموت كله.
وهذه الحقائق لم يصل العلم البشري المكتسب إلى إدراك شيء منها إلا منذ سنوات قليلة, والسبق النبوي بالإشارة إليها في هذا الحديث الجامع هو من الشهادات على أنه صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم, وأنه صلى الله عليه وسلم كان موصولاً بالوحي, ومُعَلمًا من قِبَل خالق السماوات والأرض؛ لأنه لا يمكن لعاقل أن يتصور صدورًا لهذا العلم النبوي من غير وحي السماء, هذا العلم الذي نطق به نبي أمي صلى الله عليه وسلم من قبل ألف وأربعمائة سنة, في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين, وفي زمن لم يكن فيه لأي إنسان إلمام بأقل قدر من هذه المعارف العلمية. وإبراز مثل هذه الجوانب العلمية في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي آي القرآن الذي أوحى إليه هو أنسب أسلوب للدعوة إلى دين الله الخاتم في زمن النهضة العلمية والتقنية التي يعيشها إنسان اليوم, زمن المواجهات الحضارية والمقارنات الدينية, والصراعات السياسية, والعرقية والدينية وتقارب المسافات , وسرعة الاتصالات , ونحن مطالبون بالتبليغ عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم الذي أوصانا بقوله الشريف :﴿بلغوا عني ولو آية , فرب مُبَلَّغ أوعى من سامع﴾.
فصلاة الله وسلامه عليك يا سيدي يا رسول الله, يا من آتاك الله القرآن ومثله معه, وآتاك جوامع الكلم فجاءت أحاديثك الشريفة بهذا السبق العلمي المبهر, وبهذه الصياغة اللغوية الدقيقة حتى في مقام التشبيه, وأنت تدعو أمتك – خير أمة خرجت للناس – إلى التواد والتراحم والتعاطف – وما أحوجنا إليها اليوم – فتأتي صياغة دعوتك بتشبيه طبي علمي بالغ الدقة والإحكام, وبالغ الروعة في البيان, فصلى الله وسلم وبارك عليك وعلى آلك وصحبك أجمعين, وجزاك عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء..
أطفالنا وحب الرسول صلى الله عليه وسلم
لماذا يجب أن نحببه صلى الله عليه وسلم إلى أطفالنا؟
1-لأن مرحلة الطفولة المبكرة هي أهم المراحل في بناء شخصية الإنسان،فإذا أردنا تربية نشء مسلم يحب الله ورسوله، فلنبدأ معه منذ البداية، حين يكون حريصا على إرضاء والديه، مطيعاً ، سهل الانقياد.
2-لأن الطفل إذا استأنس بهذا الحب منذ الصغر ، سهل عليه قبوله عند الكبر، فنشأة الصغير على شيء تجعله متطبِّعاً به،والعكس صحيح...فمَن أُغفل في الصغر كان تأديبه في الكبر عسيراً.
3- لأن أطفالنا إن لم يحبوه صلى الله عليه وسلم فلن يقتدوا به مهما بذلنا معهم من جهد
4-لأن حبهم له سوف يعود عليهم بالخير والبركة والتوفيق في شتى أمور حياتهم،وهو ما يرجوه كل أب وأم.
5 - لأن الله تعالى قال في كتابه العزيز﴿قُل إن كنتم تحبون اللهَ فاتَّبعوني يُحبِبكُم اللهُ ويغفر لكم ذنوبَكم﴾،فمحبته صلى الله عليه وسلم تجلب حب الله في الدنيا ومغفرته في الآخرة،فأي كرامة تلك؟!وهل يتمنى الوالد لولده أفضل من ذلك؟!!!
6- لأن الجنة هي مستقر من أحبه ؛ومن ثم أطاعه ، فقد روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:كلكم يدخل الجنة إلا مَن أبى،قالوا:ومَن يأبى يا رسول الله؟،قال مَن أطاعني دخل الجنة،ومَن عصاني فقد أبى ؛ فهل يتمنى الوالد لولده بعد حب الله والمغفرة إلا الجنة؟!!!
7-لأن أطفالنا هم الرعية التي استرعانا الله إياها ؛ومن ثم فإن الله سبحانه سوف يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده - كما يؤكد الإمام بن القيم- فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه ،وتركه سدى، فقد أساء غاية الإساءة،وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم بسبب إهمال الآباء لهم وتركهم دون أن يعلموهم فرائض الدين وسننه،فأضاعوهم صغاراً،فلم ينتفعوا بهم كباراً.
كيف نعلم أبنائنا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
بالقدوة الصالحة:
إن أول خطوة لتعليمهم ذلك الحب هو أن يحبه الوالدان أولاً، فالطفل كجهاز الرادار الذي يلتقط كل ما يدور حوله،فإن صدق الوالدان في حبهما لرسول الله ،أحبه الطفل بالتبعية، ودون أي جهد أو مشقة من الوالدين،لأنه سيرى ذلك الحب في عيونهم، ونبرة صوتهم حين يتحدثون عنه،وفي صلاتهم عليه دائما - حين يرد ذكره،ودون أن يرد- وفي شوقهما لزيارته، وفي مراعاتهم لحرمة وجودهم بالمدينة المنورة حين يزورونها،وفي أتباعهم لسنته،قائلين دائما: نحن نحب ذلك لأن رسول الله كان يحبه،ونحن نفعل ذلك لأن رسول الله كان يفعله،ونحن لا نفعل ذلك لأن الرسول نهى عنه أو تركه،ونحن نفعل الطاعات إرضاءً لله سبحانه، ثم طمعاً في مرافقة الرسول في الجنة... وهكذا يشرب الطفل حب النبي صلى الله عليه وسلم دون أن نبذل جهداً مباشراً لتعليمه ذلك الحب! فالقدوة هي أيسر وأقصر السبل للتأثير على الطفل، ويؤكد ذلك الشيخ محمد قطب بقوله: إن من السهل تأليف كتاب في التربية،ومن السهل أيضاً تخيل منهج معين ،ولكن هذا الكتاب وذلك المنهج يظل ما بهما حبراً على ورق،ما لم يتحول إلى حقيقة واقعة تتحرك ،وما لم يتحول إلى بشر يترجم بسلوكه، وتصرفاته،ومشاعره، وأفكاره مبادئ ذلك المنهج ومعانيه،وعندئذٍ فقط يتحول إلى حقيقة...إذ من غير المعقول أن نطالب أبناءنا بأشياء لا نستطيع نحن أن نفعلها،ومن غير الطبيعي أن نأمرهم بشيء ونفعل عكسه...وقد استنكر البارئ الأعظم ذلك في قوله تعالى ﴿أتأمرون الناسَ بالبِر وتنسون أنفسَكم وأنتم تتلون الكتابَ ،أفلا تعقلون﴾ ﴿البقرة:44﴾،وفي قوله جل شأنه:﴿ يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون؟! كَبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾﴿الصف:2؛3﴾؛فإذا اقتدوا بنا تحولوا - بفضل الله - من عبء علينا إلى عون لنا
بالتعامل مع كل مرحلة بما يناسبها:
تلعب القدوة في هذه المرحلة أفضل أدوارها،حين يسمع الطفل والديه يصليان على النبي عند ذكره،أو سماع من يذكره ، وحين يجلسان معا يومي ا لخميس والجمعة- مثلاً- يصليان عليه ،فيتعود ذلك، ويألفه منذ نعومة أظفاره...مما يمهد لحبه له صلى الله عليه وسلم حين يكبر.
مرحلة ما بين الثالثة والسادسة:
يكون الطفل في هذه المرحلة شغوفاً بالاستماع للقصص،لذا فمن المفيد أن نعرِّفه ببساطة وتشويق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الشخص الذي أرسله الله تعالى ليهدينا ويعرفنا الفرق بين الخير والشر،فمن اختار الخير فله الجنة ومن اختار الشر فله النار والعياذ بالله،ونحكي له عن عبد الله،وآمنة والدي الرسول الكريم،و وقصة ولادته صلى الله عليه وسلم وقصة حليمة معه،ونشأته يتيماً حين كان أترابه يلوذون بآبائهم ويمرحون بين أيديهم كطيور الحديقة بينما كان هو يقلِّب وجهه في السماء ...لم يقل قط يا أبي لأنه لم يكن له أب يدعوه ،ولكنه قال كثيراً ،ودائماً: يا ربي!!! ومن المهم أن نناقش الطفل ونطلب رأيه فيما يسمعه من أحداث مع توضيح ما غمض عليه منها.؛ويستحب أن نحفِّظه الآيتين الأخيرتين من سورتي التوبة،والفتح التي تتحدث عن فضائله صلى الله عليه وسلم مع شرح معانيها على قدر فهمه. ؛كما يمكن تحفيظه كل أسبوع أحد الأحاديث الشريفة القصيرة،مع توضيح معناها ببساطة،من هذه الأحاديث مثلاً:من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ؛إن الله جميل يحب الجمال؛ إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً ان يتقنه؛خيركم من تعلَّم القرآن وعلمه؛إماطة الأذى عن الطريق صدقة؛لا يدخل الجنة نمَّام؛من لم يشكر الناس، لم يشكر الله ؛ليس مِنَّا مَن لم يرحم صغيرنا ويوقِّر كبيرنا؛ ا لمسلم من سَلِم المسلمون من لسانه ويده؛الكلمة الطيبة صدقة؛تَبسَُّمك في وجه أخيك صدقة؛؛تهادوا تحابُّوا ,التائب من الذنب كمن لا ذنب له؛جُعلت قرة عيني في الصلاة؛الحياء من الإيمان؛ آية المنافق ثلاث :إذا حدَّث كذب وإذا وعد اخلف ،وإذا اؤتمن خان
مرحلة ما بين السابعة والعاشرة:
في هذه المرحلة يمكننا أن نحكي لهم مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم مع الأطفال،وحبه لهم ، ورحمته بهم،واحترامه لهم،وملاطفته ومداعبته لهم...وهي مواقف كثيرة فيما يلي نذكر بعضها،مع ملاحظة أن البنت سوف تفضل حكاياته مع البنات،والعكس؛ولكن في جميع الأحوال يجب أن يعرفونها كلها؛ فالقصص تحدث آثاراً عميقة في نفوس الأطفال وتجعلهم مستعدين لتقليد أبطالها.
أ- موقفه مع حفيديه الحسن والحسين،حيث كان صلى الله عليه وسلم يحبهما ويلاعبهما ويحنو عليهما، وفيما يلي بعض المواقف لهما مع خير جد:
"عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه قال:خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسناً أو حسيناً،فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه ثم كبَّر للصلاة فصلى،فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها،قال أبي فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر الرسول الكريم،وهو ساجد،فرجعت إلى سجودي؛ فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة،قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يُوحى إليك،فقال :كل ذلك لم يكن،ولكن ابني ارتحلني ،فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته!!!
عن عبد الله بن بريدة،عن أبيه،قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران،فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما،ووضعهما بين يديه،ثم قال صدق الله إنما أموالُكم وأولادُكم فتنة،فنظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران ،فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما.
روى البخاري أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد، ما قبَّلت منهم أحداً فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ثم قال﴿مَن لا يَرحم لا يُرحم﴾ وروت عائشة رضي الله عنها أن أعرابي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال:أتقبِّلون صبيانكم؟! فما نقبِّلهم،فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ﴿أو أملِك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟ ﴾
وكان صلى الله عليه وسلم يتواضع للأولاد عامة، ولأولاده خاصة،فكان يحمل الحسن رضي الله عنه على كتفه الشريفة، ويضاحكه ويقبله، ويريه أنه يريد أن يمسك به وهو يلعب ،فيفر الحسن هنا وهناك ،ثم يمسكه النبي صلى الله عليه وسلم وكان يضع في فمه الشريف قليلاً من الماء البارد ،ويمجه في وجه الحسن ،فيضحك، وكان صلى الله عليه وسلم يُخرج لسانه للحسين،فإذا رآه أخذ يضحك . ومن تمام حبه لهما وحرصه على مصلحتهما أنه كان يؤدبهما بلطف مع بيان السبب ،فقد روي أبو هريرة قائلا:أخذ الحسن بن علي رضي الله تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿:كخ ،كخ،إرم بها،أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة ؟ ﴾
ب- وموقفه مع أخٍ أصغرلأنس بن مالك،وكان يُدعى أباعمير، حين علم أنه اشترى عصفوراً،وكان شديد الفرح به ،فكان صلى الله عليه وسلم يداعبه كلما رآه قائلاً:يا أبا عمير مافعل النغير؟ والنغير صيغة لتصغير النُغََّّر،وهو العصفور الصغير- وذات مرة كان صلى الله عليه وسلم يمشي في السوق فرآه يبكي، فسأله عن السبب ،فقال له:مات النغير يا رسول الله،فظل صلى الله عليه وسلم يداعبه، ويحادثه ،ويلاعبه حتى ضحك،فمر الصحابة بهما فسألا الرسول صلى الله عليه وسلم عما أجلسه معه، فقال لهم: مات النغير،فجلست أواسي أبا عمير!!!
ج- رحمته صلى الله عليه وسلم لبكاء الصبي في الصلاة، حتى أنه كان يخففها،فعن أنس رضي الله عنه قال: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة، ولا أتم من النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان ليسمع بكاء الصبي ،فيخفف عنه مخافة أن تُفتن أمه،ويؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بنفسه،فيقول:إني لأدخل الصلاة وأنا أريد أن أطيلها،فأسمع بكاء الصبي فأتجاوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكاءه
هــ - إصطحابه صلى الله عليه وسلم الأطفال للصلاة و مسحه خدودهم ، رحمة وإعجاباً وتشجيعاً لهم،فعن جابر بن أبي سمرة رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى- أي الظهر- ثم خرج إلى أهله وخرجت معه فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدَّي أحدهم واحداً واحداً،قال: وأما أنا فمسح خدي فوجدت ليده برداً أو ريحاً كأنما أخرجها صلى الله عليه وسلم من جونة عطار!!
ز-إعطاؤه صلى الله عليه وسلم الهدايا للأطفال :فقد روى مسلم عن أبي هريرة قال كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أخذه قال"اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مُدِّنا"، ثم يدعو أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك الثمر!!!
و- صلاته صلى الله عليه وسلم وهو يحملهم، فقد ثبت في الصحيحين عن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أُمامة بنت زينب بنت رسول الله ،وهي لأبي العاص بن الربيع،فإذا قام حملها،وإذا سجد وضعها،فلما سلَّم حملها .
ز – إحترامه صلى الله عليه وسلم للأطفال ، ودعوته لعدم الكذب عليهم، فقد كان الصغار يحضرون مجالس العلم والذكر معه،حتى كان أحد الغلمان ذات يوم يجلس عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وعلى يساره الأشياخ،فلما أتى النبي بشراب شرب منه ،ثم قال للغلام:أتأذن لي ان أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا يا رسول الله ، لا أوثر بنصيبي منك أحداً،فأعطاه له النبي صلى الله عليه وسلم
وعن عبد الله بن عامر رضي الله عنه ،قال:دعتني أمي ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا فقالت ها تعال أعطك ،فقال لها صلى الله عليه وسلم ما أردت أن تعطيه؟ قالت "أعطيه تمرا، فقال لها أما أنك لو لم تعطِه شيئا كُتبت عليك كذبة"
ح- وصيته صلى الله عليه وسلم بالبنات-حيث كان العرب يئدونهن في الجاهلية- قائلاً: من كان له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن، وضرائهن،وسرائهن دخل الجنةفقال رجل :و ثنتان يا رسول الله؟ قال: و ثنتان،فقال آخر: وواحدة؟ قال: وواحدة.
ز- حرصه صلى الله عليه وسلم على إرشادهم إلى الصواب صحيح مفاهيمهم وأخطائهم بالحكمة،وبصورة عملية لاستئصال الخطأ من جذوره ؛ ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
أن أحد أصحابه صلى الله عليه وسلم وكان مولى من أهل فارس قال : شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة أُحد فضربت رجلاً من المشركين فقلت:خذها مني وأنا الغلام الفارسي،فالتفت إليَّ النبي وقال:هلا قلت خذها مني وأنا الغلام الأنصاري؟وهذا عبد الله بن عمر حين لم يكن يقوم الليل،فقال أمامه الرسول صلى الله عليه وسلم ِ"نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل"! فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا
ح- تعليمه صلى الله عليه وسلم لهم حفظ الأسرار،فعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: أردفني رسول صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه ،فأسر إلىَّّ حديثا لا أحدث به أحداً من الناس.
ط- رفقه بخادمه أنس بن مالك رضي الله عنه،حيث كان يناديه ب يا بُني أو يا أُنيس -وهي صيغة تصغير للتدليل- يقول أنس: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين،والله ما قال لي أف، ولا لِم صنعت ؟ ولا ألا صنعت؟.
ك-عقده صلى الله عليه وسلم المسابقات بين الأطفال لينشِّط عقولهم ،وينمِّي مواهبهم ويرفع همَّتهم، ويعزِّز طاقاتهم المخبوءة، فقد تصارع سمرة، ورافع رضي الله عنهما أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أرادا الاشتراك في جهاد الأعداء فردهما رسول الله لصغر سنهما،فزكى الصحابة سمرة لأنه يحسن الرمي، فأجازه صلى الله عليه وسلم فقال رافع أنه يصارعه- أي أنه أقوى منه- رغم أنه لا يحسن الرمي،فطلب الرسول الكريم منه أن يصارعه، فدخلا معًا مباراة للمصارعة فصرعه رافع، فأجازهما رسول الله صلى الله عليه وسلم
ل- رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوان ومن الأمثلة على ذلك: قصته مع الغزالة، فقد روي عن أنس بن مالك انه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم قد اصطادوا ظبية فشدوها على عمود فسطاط فقالت: يا رسول الله إني أُخذت ولي خشفان (رضيعان) فاستأذن لي أرضعهما وأعود إليهم فقال: أين صاحب هذه؟ فقال القوم: نحن يا رسول الله، قال: خلُّوا عنها حتى تأتى خشفيها ترضعهما وترجع إليكم، فقالوا من لنا بذلك؟ قال أنا فأطلقوها فذهبت فأرضعت ثم رجعت إليهم فأوثقوها فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتراها منهم وأطلقها.
وقصته مع الجمل الذي رآه صلى الله عليه وسلم حين دخل بستاناً لرجل من الأنصار،فإذا فيه جمل فما إن رأى النبي صلى الله عليه وسلم حتى حنَّ وذرفت عيناه فأتاه الرسول الكريم فمسح ذفراه فسكت،،فقال الرسول صلى الله عليه وسلم من رب هذا الجمل؟ فقال فتى من الأنصار: أنا يا رسول الله ، فقال له: ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي أملكك الله إياها؟! فإنه شكا إلي انك تجيعه وتدئبه
وهذا جمل آخر كانت تركبه السيدة عائشة رضي الله عنها لتروِّضه،فجعلت تذهب به وتجيء ، فأتعبته، فقال لها صلى الله عليه وسلم عليك بالرفق يا عائشة....وهكذا إلى آخر الحكايات المروية عنه صلى الله عليه وسلم المتاحة بكتب السيرة المعروفة،مما يناسب هذه المرحلة العمرية.
وإذا استطعنا أن نصحب طفلنا معنا لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم بعد التمهيد له عن آداب المسجد - وخاصة المسجد النبوي والمسجد الحرام- وبعد أن نوضح له أن الله تعالى يرد عليه روحه حين نصلي عليه، ليرد علينا السلام؛ ونوضح له أننا حين ندعو ونحن بجوار القبر الشريف يجب أن نكون متوجهين للقبلة ،فالمسلم لا يدعو إلا الله،ولا يرجو سواه.
كما نعرِّفه فضل الروضة الشريفة، ثم نحرص على أن نصحبه ليقضي بها ما شاء الله له.... فنحن نتكلف الكثير من أجل تعليم أولادنا- لضمان مستقبلهم الدنيوي- والترفيه عنهم،وكسوتهم... إلخ وهذه الزيارة لا تقل أهمية عن كل ذلك ؛ فهي تعلِّمه وترفع من معنوياته، وتزيده قربا من الله و رسوله ،ومن ثمَّ تؤمن له مستقبله في الآخرة إن شاء الله!
وقد ثبت بالتجربة أن هذه الزيارة إذا كانت في المراحل الأولى من عمر الطفل ، فإنها تكون أشد تأثيراً وثباتاً في نفس الطفل، بل وأكثر معونة له على الشيطان،وعلى الالتزام بتعاليم الدين في بقية عمره؛هذا إن أحسن الوالدان التصرف معه أثناء هذه الرحلة المباركة، وساعداه على أن يعود منها بذكريات سعيدة بالنسبة له كطفل.
وإذا أوضحنا له أن هذه الزيارة مكافأة له على نجاحه مثلاً، أو لحسن خُلُقه، أو غير ذلك كان التأثير أبلغ،وكان ذلك أعون له على مواصلة ما كافأناه من أجله.
ومما يعين أيضاً على حبه صلى الله عليه وسلم أن نكافئ الطفل على صلاته على النبي عشر مرات- مثلا - قبل النوم، وبعد الصلاة ،وعندما يشعر بضيق أو حزن...حتى يتعود ذلك.
مرحلة ما بين الحادية عشرة والثالثة عشرة:
يمكن في هذه المرحلة أن نحكي له - بطريقة غير مباشر ة - عن أخلاق وطباع الرسول صلى الله عليه وسلم أي أثناء اجتماع الأسرة للطعام أو اجتماعها للتنزه في نهاية الأسبوع ، أو نقوم بتشغيل شريط يحكي عنه في السيارة أثناء الذهاب للنزهة ، أو نهديهم كتباً تتحدث عنه صلى الله عليه وسلم بأسلوب قصصي شيق ؛ومما يمكن أن نحكى لهم في هذه المرحلة عن أدب السلوك المحمدى؛ الكرم والعفو والحلم والوفاء المحمدي ؛ والشجاعة والرحمة المحمدية ؛ ومن أحلى الأوقات لرواية هذه القصص لأطفالنا عنه صلى الله عليه وسلم وأكثرها تأثيراً في النفس هو وقت ما قبل النوم ، حين تنطفئ الأنوار - أو تكون خافتة- ويكون الطفل مهيئاً للاستماع والتخيل، ومن ثم التفكير فيما يسمع؛كما ينبغي أن نعلم أطفالنا أن يقول كل منهم لنفسه حين يرى نماذج مؤسفة لسوء الخلق: أنا على حق، إنهم هم المخطئون، واجبي أن أتمسك بأخلاقي حتى يفعلوا مثلي يومًا ما كما فعل رسول الله حين كان هو المسلم الوحيد على وجه الأرض- وإن لم يفعلوا أكون من الفائزين بالجنة إن شاء الله ,وينبغي أن نساعدهم على اختيار الأصدقاء الذين يشاركونهم هذه الأخلاق،فإن ذلك يعينهم ،ويشعرهم أنهم ليسوا بغرباء في المجتمع. ولا ننسى الدعاء لهم دائماً: اللهم اهد أولادي وأولاد المسلمين لصالح الأعمال والخلاق والأهواء،فإنه لا يهديهم لأحسنها إلا أنت ،واصرف عنهم سيئها، فإنه لا يصرف عنهم سيئها إلا أنت اللهم كما حسَّنت خَلقهم ،فحسِّن خُلُقهم
مرحلة مابين الرابعة عشرة والسادسة عشرة:
من المُجدي في هذه المرحلة أن يقوم الوالدان بعقد المسابقات في الإجازة الصيفية بين الأولاد وأقرانهم من الأقارب أو الجيران أو الأصدقاء بالمدرسة أو النادي لعمل أبحاث صغيرة عن سيرته صلى الله عليه وسلم ؛ فهذه الطريقة تجعل ما يقرءون،و يكتبون أكثر ثباتاً في عقولهم،وقلوبهم ؛لأنهم سيبذلون الجهد في البحث عن تلك المعلومات، وتجميعها، وترتيبها، ثم كتابتها و صياغتها بشكل جيد. وينبغي مكافأة من قاموا بإعداد أبحاث جيدة بهدايا نعرف مسبقا أنهم يحبونها.كما يمكن إهداء الطفل أو مكافآته بكتب مثل:
معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ودلائل صدق نبوته للشيخ إبراهيم جلهوم والشيخ محمد حماد، ومحمد صلى الله عليه وسلم لعبد الحميد جودة السحار.
كيف نقيس حبنا للنبى صلى الله عليه وسلم؟
ينبغي لأبنائنا - في هذه المرحلة- أن يعرفوا أن حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى برهان ،فلا يكفي أن يقولوا أنهم يحبونه وإنما ينبغي أن يظهر ذلك في أفعالهم وتصرفاتهم؛،وفيما يلي بعض الأسئلة التي يمكن أن تساعدهم على قياس مدى حبهم للرسول الكريم:
1- هل تصلى عليه كثيرا؟ إن المحب لا يفتر عن ذكر حبيبه والدعاء له،وكما يقول الإمام بن القيم" إن العبد كلما أكثر من ذكر المحبوب واستحضاره في قلبه واستحضار محاسنه الجالبة لحبه تضاعف حبه له وتزايد
شوقه إليه،واستولى على جميع قلبه، وإذا أعرض عن ذكره واستحضار محاسنه بقلبه نقص حبه من قلبه.
2-هل قرأت سيرته؟ إن المحب ليشتاق إلى معرفة نشأة حبيبه، وتطورات حياته وأخباره.
3- هل عرفت هديه؟ إن المحب يكون شغوفاً لمعرفة أفكار ومعتقدات وأقوال حبيبه ولعل هذا يتحقق بقراءة كتب الأحاديث المبسطة مثل رياض الصالحين.
4- هل تتبع سنته الواجب منها والمستحب"؟ إن المحب يكون مولعاً بتقليد حبيبه ولعل هذا يتحقق بالتعرف على سنته من خلال كتابي فقه السنة،ومنهاج المسلم.
5-هل زرت مدينته؟ إن المحب ليشتاق إلى ديار حبيبه، والمشي فوق خطواته.
6-هل تحب آل بيته الكرام وأصحابه وأتباعه رضوان الله تعالى عليهم؟ إن المحب يحب أحباب حبيبه.
7- هل تحدثت عنه مع غيرك ممن لايعرفون عنه شيئا؟إن المحب يود دائما ًلو ظل يتحدث عن حبيبه مع كل الناس.
8-هل ترضى بحكمه فيما شجر بينك وبين غيرك من خلافات؟ إن المحب ليرضى بحكم حبيبه في شتى الأحوال،فما بالك إذا كان الحبيب هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى؟ !
؛فإذا كانت إجاباتهم كلها بنعم،فهم يحبونه بالفعل،أما إن كانت الإجابة على بعض الأسئلة بلا فهم محتاجون إلى أن يراجعوا أنفسهم ، وإعادة النظر في طريقة حبهم له صلى الله عليه وسلم وإذا كانت إجاباتهم كلها بنعم وشعروا برغبة شديدة في رؤيته صلى الله عليه وسلم في الدنيا،فيمكن أن نروي لهم هذه القصة اللطيفة؛مع توضيح أن رؤيته- بشكل عام- فضلٌ من الله، وعطيَّة يهبها لمن يشاء من عباده المؤمنين: جاء تلميذ إلى أستاذه وقال: علمت أنك ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رؤياك،فقال الأستاذ: فماذا تريد يا بني؟ قال : علِّمني كيف أراه،فإني في شوق إلى رؤياه،فقال له: فأنت مدعو لتناول العشاء معي هذه الليلة لأعلمك كيف تراه صلى الله عليه وسلم وذهب التلميذ لأستاذه الذي أكثر له من الملح في الطعام، ومنع عنه الماء،فطلب التلميذ الماء ،فمنعه الأستاذ ،بل أصر على أن يزيده من الطعام،ثم قال له: نَم وإذا استيقظت قبل الفجر فسأعلمك كيف ترى النبي صلى الله عليه وسلم فبات التلميذ يتلوى من شدة العطش والظمأ، فقال له أستاذه حين استيقظ:أي بني قبل أن أعلمك كيف تراه أسألك:هل رأيت الليلة شيئا؟ قال : نعم،قال له ما رأيت؟ ،فقال: رأيت الأمطار تمطر،والأنهار تجري والبحار تسير فقال الأستاذ: صدقت نيتك فصدقت رؤيتك ،ولو صدقت محبتك لرأيت رسول الله!!!.
ومن الأمور بالغة الأهمية أن نوضح لهم الفرق بين أن نحبه صلى الله عليه وسلم وبين أن نغالي ونتعدى الحد،فمن أراد أن يُرضي الله بحب النبي صلى الله عليه وسلم فعليه أن يحبه كما أراد الله ورسوله، وليس كما يوافق هواه !!!
ومن منطلق أن حبه صلى الله عليه وسلم عبادة،فإن العبادة يجب أن تكون خالصة لوجه الله تعالى ،كما يجب أن تكون على طريقة رسول الله ، وإذا خرجت عن هذين الشرطين،صارت بدعة،ومن ثم فهي مردودة على صاحبها،فقد قال تعالى: ﴿اليومَ أكملتُ لكُم دينَكم وأتممتُ عليكُم نعمتي ورضيتُ لكمُ الإسلامَ دينا﴾،فقد تم الدين ولم يترك شيئاً لم يتحدث عنه،وما ارتضاه الله تعالى لنا لا ينبغي أن نغيره،فقد كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أشد حباً له ، ولكنهم لم يكونوا يفعلون محرماً من أجله صلى الله عليه وسلم فكانوا لا يقومون إليه حين يأتيهم،كما يقوم الأعاجم الكفار لملوكهم ؛ وكانوا لا يبالغون في إطراءه حين نهاهم عن ذلك قائلاً لا تُطْروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، فإنما أنا عبدٌ لله ، قولوا: عبد الله ورسوله؛وحين جاءه صلى الله عليه وسلم رجل فراجعه في بعض الكلام،فقال: ما شاء الله وشئت،فقال له: أجعلتَني مع الله نداً؟‍ بل قل: ما شاء الله .فلا ينبغي أن نُغضب الله سواء بالمغالاة في مدحه صلى الله عليه وسلم بان نرفعه فوق قدره ، أو بمجافاته صلى الله عليه وسلم بالعقل أو القلب... ولكن علينا بالوسطية، وهي التزام السنة؛ومن ثم فعلينا أن نعلم أطفالنا مثلاً أنه لا يجوز الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم أو الاستجارة به بعد وفاته،لأنه لا يملك لنا شيئا، كما لا ينبغي أن نفعل كما يفعل البعض عند قبره الشريف من رفع الصوت لأن الله تعالى يقول: ﴿لا ترفعوا أصواتَكم فوقَ صوتِ النبي ولا تجهروا له بالقول كجهرِ بعضكم لبعض أن تحبَط أعمالَكم وأنتم لا تشعرون﴾﴿الحجرات-2﴾، ولا ينبغي أن ندعو أمام قبره ونحن ننظر إلى القبر،والصحيح أن ندعو ونحن متوجهون للقبلة ،أما المباح من القول ونحن ننظر للقبر ،فالسلام عليه والإكثار من الصلاة عليه.كما ينبغي أن نتحدث معه عن بعض الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة التي شاعت بين الناس،مثل من حج ولم يزرني فقد جفاني و من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي و رأيت ليلة أُسري بي مكتوباً على ساق العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله...أرجو أن يكون ما سبق نقطة بداية ينطلق منها الوالدان والمربون ليعينوا أبناءهم على محبته صلى الله عليه وسلم

معنى الحب عند رسول الله
عائشة بنت الصديق رضي الله عنها
مع زوجته عائشة التي يحبها كثيراً ، يراها تشرب من الكأس فيحرص كل الحرص على أن يشرب من الجهة التي شربت منها، حب حقيقي لا يعرف معنى الزيف ، لإن صار الحب في زماننا اليوم شعاراً ينادى به وكلمات تقذف هنا وهناك فإنها في نفس محمد صلى الله عليه وسلم ذات وقع وذات معنى قل من يدركه ويسعد بنعيمه.
وهو يسابقها في وقت الحرب ، يطلب من الجيش التقدم لينفرد بأم المؤمنين عائشة ليسابقها ويعيش معها ذكرى الحب في جو أراد لها المغرضون أن تعيش جو الحرب وأن تتلطخ به الدماء.
لا ينسى أنه الزوج المحب في وقت الذي هو رجل الحرب.
وفي المرض ، حين تقترب ساعة اللقاء بربه وروحه تطلع إلي لقاء الرفيق الأعلى ، لا يجد نفسه إلا طالباً من زوجاته أن يمكث ساعة احتضاره صلى الله عليه وسلم إلا في بيت عائشة ، لماذا؟ ليموت بين سحرها ونحرها ، ذاك حب أسمى وأعظم من أن تصفه الكلمات أو تجيش به مشاعر كاتب.
ذاك رجل أراد لنا أن نعرف أن الإسلام ليس دين أحكام ودين أخلاق وعقائد فحسب بل دين حب أيضاً ، دين يرتقي بمشاعرك حتى تحس بالمرأة التي تقترن بها وتحس بالصديق الذي صحبك حين من الدهر وبكل من أسدى لك معروفاً او في نفسك ارتباط معه ولو بكلمة لا اله إلا الله ، محمد رسول الله.
حب لا تنقض صرحه الأكدار ، حب بنته لحظات ودقات قلبين عرفا للحياة حبا يسيرون في دربه.
هي عائشة التي قال في فضلها بأن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، وهي بنت أبو بكر رفيق الدرب وصاحب الغار وحبيب سيد المرسلين.
هي عائشة بكل الحب الذي أعطاها إياه ، حتى الغيرة التي تنتابها عليه ، على حبيبها صلى الله عليه وسلم غارت يوما من جارية طرقت الباب وقدمت لها طبق وفي البيت زوار لرسول الله من صحابته ، فقال للجارية ممن هذه ، قالت : من ام سلمة ، فأخذت الطبق ورمته على الأرض ، فابتسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لصحابته ، غارت أمكم ! ويأمرها بإعطاء الجارية طبقا بدل الذي كسرته.
أحب فيها كل شيء حتى غيرتها لمس فيها حبا عميقا له ، وكيف لا تحب رجلا كمثل محمد صلى الله عليه وسلم
في لحظة صفاء بين زوجين يحدثها عن نساء اجتمعن ليتحدثن عن ازواجهن ويذكر لها قصة ابو زرع التي احبته زوجته واحبها ، وكانت تلك المرأة تمتدح ابو زرع وتعدد محاسنه ولحظاتها الجميلة معه وحبهما ثم ذكرت بعد ذلك طلاقها منه بسبب فتنة امرأة ، ثم يقول لها رسول الله كنت لك كابو زرع لأم زرع ، غير اني لا أطلق ؛ فرسول الله هو ذاك المحب لمن يحب غير انه ليس من النوع الذي ينجرف وراء الفتنة فهو المعصوم صلى الله عليه وسلم لكن هذا الحب لا يجعله ينسى او يتناسى حبا خالداً لزوجة قدمت له الكثير وهي احب ازواجه الى نفسه ، لا ينسيه خديجة. ففي لحظة صفاء يذكر لعائشة خديجة ، فتتحرك الغيرة في نفسها ، الرجل الذي تحب يتذكر اخرى وان كانت لهاالفضل ما لها ، فتقول له : ما لك تذكر عجوزا ابدلك الله خيرا منها تعني نفسها ؛ ، فيقول لها ، لا والله ما ابدلني زوجا خيرا منها ، يغضب لإمرأة فارقت الحياة ، لكنها ما فارقت روحه وما فارقت حياته طرفة عين.
احب عائشة لكن قلبه احب خديجة ايضا ، قلبه اتسع لاكثر من حب شخصين ، قد يحار في العقل اذا ما علمت رجلا احب جماهيرا من الناس لا تحصيهم مخيلتك ، فالحب الذي زفه للناس حباحملته اكف ايدي وقدمته للأمم ، ولله در الصحابي القائل نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد الى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان الى عدل الاسلام
خديجة بنت خويلد رضي الله عنها
الحب الأول الذي مازج قلبه صلى الله عليه وسلم ذكرى شبابه وأيام دعوته الصعبة، خديجة التي عاشت معه أيامه حلوها ومرها، خديجة التي أحبها من كل قلبه وسطرت في قلبه ومخيلته اسمى انواع التفاني والتضحية للحبيب.
ماتت خديجة ، ليقف ذاك المحب وحيداً يتحسس الم الفراق ، لم تعطيه قريش الفرصة حتى ليجول بخاطره في ذكرياته معها ويتذكر كل ابتسامة او لحظة حب عاشها معها ، زادت من ايذائها له حتى ذهب الى الطائف لعل صوتا يسمعه او اذنا تسمع همساته ، ذهب الى الطائف وحيداً لكن خديجة بذكراها العطرة معه ، رفيق درب ، لكن الدرب طويل والرفيق فارق الدنيا الى الرفيق الأعلى.يأتي الطائف وكله أمل بكلمة طيبة تجبر الخاطر او بمسحة رحمة تتحس الألم ، لكنه يرى غير هذا ، يرى اناساً ما عرفوا للحب مكانا، انه ينزف من المه يتتوق الى مسحة حب وحنان فيجد نفسه بين صفين كل يرميه بالحجارة وانواع من التهم والشتائم. الى اين يا محمد؟ اين تذهب ؟ الى شجرة وحيدة يستظل بها ويداوي جراحه ، شجرة وحيدة ورجل وحيد لعلها تؤنس الوحدة ، لعلها تشاركك مرارة تلك اللحظات ، خديجة التي احبها ماتت ، قريش ارضه رفضته ، الطائف بلد الغربة تغلق ابوابها في وجهه ، الى من يلجأ ؟ الى اين يذهب؟
وحينما تغلق الأبواب في وجهه وتتثاقل الهموم تجيش مشاعره للذي عنده مفاتيح الكرب فيقول صلى الله عليه وسلم ﴿اللهم اني اشكو اليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ، انت رب المستضعفين وانت ربي لا اله الا انت ، الى من تكلني ؟ الى عدو يتجهمني ، ام الى عدو ملكته امري ، ان لم يكن بك سخط علي فلا ابالي غير ان عافيتك هي اوسع لي ، اعوذ بنور وجهك الكريم ، الذي اضاءت له السموات والأرض وأشرقت له الظلمات ، وصلح عليه امر الدنيا والآخرة من أن يحل علي غضبك او ينزل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة لنا الا بك﴾
يا محمد امسح على ألمك وانهض الى مكة واستحضر ساعات النصر ، فالنصر قادم لكن لا بد من الابتلاء.
تنزلت سورة يوسف في هذه الأثناء لتقول :﴿ حتى اذا استيئس الرسل وظنوا انهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا ﴾ ، تنزلت لتقول له ﴿ وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ﴾.
إبراهيم بن محمد عليه الصلاة و السلام
رجل عاش لأمته وأراد لها أن تعيش من بعده ، مع سكون الليل وظلمته الحالكة يقف ليصلي صلاة التائب الخاضع ، يا محمد أليس الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، بلى ولكن ألا أكون عبداًً شكورا ، تلك كلماته وتلك أحاسيسه ، في ذلك الليل يتذكر أمته ويسكب عليها الدموع وتتطاير من قلبه شرر من شجنه ، يبكي أمتي ، أمتي ، دموع غالية وقلب مفعم بالمحبة ، هكذا عرفناك وهكذا تذرف العيون في ذكرى فراقك.
تمضي عليك الأيام والليالي ونفسك تتوق إلى عقب يخلفك ، يموت أبناءك فيتطاول عليك الكفار وينادونك بالأبتر ، ويدافع عنك الخالق سبحانه قائلاً ﴿إنّ شانئك هو الأبتر ﴾.عرفناك زوجاً محباً ، ورفيقاً مخلصاً ، فكيف تراك تكون وأنت اليوم أب ووالد ، يولد لك الولد وتسميه ابراهيم ، لعل نفسك تذكرت أبيك ابراهيم الخليل وتقت إلى أن يكون لابنك عقب بعدد عقب ابراهيم ، ها هي الابتسامة تعلوك ، أي وجه تعلو الابتسامة كوجهك الشريف ؟ مضى من العمر طويلاً ، وكبر السن وولد صغير يعني شباب جديد لرجل مفعم بشباب الروح ، لكن الاختبار الجسيم لا يكتمل يا محمد في هذه النهاية ، إنّ الله عز وجل الحكيم كتب في كتابه أمراً غير ذلك.مات ابراهيم ، مات بكل ما حمله مجيئه من معاني ، ترقبه وهو في لحظات الموت وتبكي عليه ،﴿ إنّّ العين لتدمع وإنا يا ابراهيم على فراقك لمحزنون﴾.
أترى ابراهيم يموت في داخلك ، كيف يموت ؟ وما ماتت خديجة في داخلك رغم الأيام والسنين ؛أترى الحب الذي في داخلك يقف حائراً مع من يحب ومن يذكر ، إنّ حبك امتد لأمتك فكيف يقف اليوم باب ابنك الذي هو قطعة منك. تحزن ويحق لك أن تحزن ، لأنّ الذي لا يحزن على فراق ابنه ما عرف للحياة حباً وللرحمة معناً في قلبه ، لكن حبك لا ينسيك أنّك مبلغ عن الله وأنّ أمانة الرسالة أعظم الأمانات.
حينما ينادي المنادي أن الشمس انكسفت لموت ابنك ، تقف بكل قوة وصلابة لتقول إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا تنكسفان لموت أحد أو حياته.
أي معنى للحب تعطينا ياحبيبى يارسول الله . علمتنا أن نحب قبل أن نرى على الوجود من نحب ، أحببتنا وما لقيتنا فأحببناك وشكونا إلى الله ألم فراقك ، أترانا نلتقي يوماً عند حوضك ونشرب من كأس تُقدمه يداك ، تلك أمنية تحيا بها نفوسنا لكنك علمتنا أن المرء يحشر مع من أحب ، ونحن نرجو من الله أن نُحشر معاك يا حُبنا الخالد.
قبس من نور النبوة
1-احفظ الله
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي:﴿ يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسألِ الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله تعالى لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله تعالى عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾ « رواه الترمذى وقال حسن صحيح»
هذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة, وقواعد كلية من أهم أمور الدين :
فقوله صلى الله عليه وسلم احفظ الله يعني: احفظ حدودَه وحقوقَه وأوامرَه ونواهيَهْ, وحفظُ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال, وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا يتجاوزْ ما أمر به وأذِن فيه إلى ما نهى عنه.
فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله.
ومن أعظم ما يجب حفظُه من أوامِر الله: الصلاة. قد أمر الله بالمحافظة عليها فقال: ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾﴿البقرة :238﴾ ومدح المحافظين عليها بقوله:﴿والذين هم على صلاتهم يحافظون﴾﴿المعارج: 34﴾.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ من حافظ عليها كان له عند الله عهدٌ أن يدخلَه الجنة ﴾
وكذلك الطهارةُ, فإنها مفتاح الصلاة. قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا يحافظُ على الوضوء إلا مؤمن".
ومما يؤمر بحفظه الأَيمان. قال تعالى: ﴿ واحفظوا أيمانَكم﴾﴿ المائدة :89﴾ فإن الأيمان يقع الناسُ فيها كثيرًا ويهملُ كثيرٌ منهم ما يجب بها, فلا يحفظُه ولا يلزمه.
ومن ذلك حفظ الرأس وما وعى ويدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات وحفظ البطن وماحوى, ويتضمن حفظ القلب عن الإصرار على ماحرم الله وقد جمع ذلك كله في قوله : ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾﴿ الإسراء :36﴾.
ويتضمن أيضًا حفظَ البطن من إدخال الحرام إليه من المآكل والمشارب ومن أعظم ما يجب حفظه من نواهي الله سبحانه: اللسان والفرج ففي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من حفظ ما بين لَحْيَيْه وما بين رجلَيْه دخل الجنة". وقال تعالى : ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون﴾﴿ المؤمنون 1ـ2﴾ إلى قوله تعالى ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم....﴾ ﴿المؤمنون 5ـ6﴾
وقوله صلى الله عليه وسلم يحفظْك: جواب للشرط الذي ابتدأه بقوله صلى الله عليه وسلم احفظ الله والمعنى: أن من حفِظ حدود الله وراعي حقوقه حفظه الله، فإن الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى ﴿أوفوا بعهدى أوفِ بعهدكم﴾﴿البقرة :40﴾ وقال﴿ فاذكرونى أذكركم﴾﴿البقرة: 152﴾ وقال﴿ إن تنصروا الله ينصركم﴾﴿محمد: 7﴾.

وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان:
1- حفظُه له فى مصالح دنياه كحفظه فى بدنه وولده وأهله وماله.
وقد يحفظُ الله ذرية العبد بعد موته بصلاحه، كما فى قوله تعالى : ﴿وكان أبوهما صالحاً﴾﴿ الكهف :82﴾ قيل إنهما حُفظا بصلاح أبيهما.
فمن حفظ الله حفظه اللهُ من كل أذى. قال بعض السلف: من اتقى اللهَ فقد حفِظ نفسه، ومن ضيّع تقواه فقد ضيع نفسه والله غنىٌ عنه.
2- حفظ اللهِ للعبد فى دينه وإيمانه، فيحفظه فى حياته من الشبهات المُضِلة ومن الشهوات المحرَّمة المُذِلة، ويحفظ عليه دينه عند موته، فيتوفاه على الإيمان، وفى الجملة فإن الله عز وجل يحفظُ المؤمن الحافظ لحدود دينه، ويحولُ بينَه وبين ما يفسِدُ عليه دينه بأنواع من الحفظ. قال ابن عباس فى قوله تعالى:﴿ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾﴿ الأنفال :24﴾ قال : يحول بين المؤمن وبين المعصية التى تجره إلى النار. وقال الحسن وذكر أهلَ المعاصى هانوا عليه فَعَصَوه، ولو عزُّوا عليه لعصمهم.
وقوله صلى الله عليه وسلم احفظ الله تجده تجاهك وفى رواية أمامَك. معناه: أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه وجد الله معه فى كل أحواله حيث توجّه، يحوطهُ وينصرُه ويحفظه ويسدّده ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾﴿النحل :128﴾.
ثم قال صلى الله عليه وسلم ﴿ إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله﴾ هذا منتزع من قوله تعالى: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين﴾﴿الفاتحة: 5﴾ فإن السؤالَ هو دعاؤه والرغبةُ إليه، والدعاء هو العبادة.
قال تعالى : ﴿وقال ربكم ادعونى أستجب لكم﴾﴿غافر :60﴾ متضمن كلامُه صلى الله عليه وسلم أن يُسأل اللهُ عز وجل، ولا يسألَ غيرُه، وأن يُستعان بالله دون غيره.
أما السؤال فقد أمر الله بسؤاله فقال :﴿ واسألوا الله من فضله﴾﴿النساء :32﴾
واعلم أخى الحبيب أن سؤال الله عز وجل دون خلقه هو المتعيّن المطلوب، لأن السؤال فيه إظهارُ الذلِ والمسكنةِ والحاجة والافتقار.وفيه الاعتراف بقدرة المسئول على دفع الضر ونيل المطلوب وجلب المنافع، ولا يَصلحُ الذل والافتقار إلا لله وحده، لأنه حقيقة العبادة.
وأما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من الخلْق، فلأن العبدَ عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معينَ له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله فهو المُعان، ومن خذله فهو المخذول، نعوذ بالله من الخُذلان.فالعبد إذًا محتاج إلى الاستعانة بالله، فإن طلبها أعانه الله عز وجل، وإن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره، وَكَلهُ الله إلى من استعان به فصار مخذولاً.
" قوله صلى الله عليه وسلم واعلم أن الأمة لو اجتمعت .." المراد أن ما يصيب العبد فى دنياه مما يضره أو ينفعه فكُلُّه مقدّرٌ عليه. ولا يصيب العبد إلا ماكتب له من مقادير ذلك فى الكتاب السابق ولو اجتهد على غير ذلك الخلْق كلُّهم جميعاً.
ثم قال النبى صلى الله عليه وسلم رفعت الأقلام وجفت الصحف .. رفعت الأقلام أى فلا زيادة فيما كتب ولا محو لما كتب.
2-كلمــات جامعــة
لقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم في قبس من نور نبوته صلى الله عليه وسلم كثيرًا من سبل الخير, وأرشدنا إلى مدارج العز والكمال...
روى الترمذى وابن ماجة وغيرهما بإسناد حسن عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
﴿من يأخذُ عنى هذه الكلمات فيعملَ بهن أو يعلّمُ من يعملُ بهن ؟
قال أبو هريرة : فقلت : أنا يا رسول الله، فأخذ بيدى فعدّ خمساً، فقال: اتق المحارم تكن أعبدَ الناس.
وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس.
وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا.
وأحبَّ للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً.
ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب﴾
يبدأ الحديثُ بأسلوب استفهامى يخاطب فيه النبى صلى الله عليه وسلم صحابتَه؛ ليستنهضَ هِمَمَهم العالية، وليحرِّضَهم على تعلُّم الخير وتعليمِه والعملِ به، ثم يذكر النبى صلى الله عليه وسلم خمسَ وصايا جامعة:
الوصية الأولى اتق المحارم تكن أعبد الناس: والمعنى:
تجنَّب ما حرَّمَ اللهُ فعلَه وقولَه على العباد، تكن أكثر الناس عبادة لله، وخشية منه سبحانه. فالجملة إنشائية طلبية، والغرض منها هو النصح والإرشاد، والمقصود بيان معنى العبادة الحقة، ليست العبادة صوراً وأشكالاً، ولا مظاهر وهمية لا صلة لها بدنيا الناس، بل هى الجمال والجلال، والاستقامة على شريعة الله سبحانه .. فإذا اجتنب المرءُ المحارم، ونأى بنفسه عن مزالق الهوى ومصائد الشيطان، وطهر نفسه من أدران الفحش والرذيلة كان العابدَ الزاهدَ حقاً، والتقى النقىَّ الصالحَ صدقاً .. ذلكم هو الذى يحبه الإسلام ويريده
الوصية الثانية وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس:
أى اقنع بنصيبك الذى قسمه الله لك من الدنيا تكن أغنى الناس، فالقناعة كنز لا يفنى وفى القناعة راحة للقلب والبال، كما قال الشاعر:
إذا ما كنتَ ذا قلب قنوع فأنت ومالِكُ الدنيا سواءُ
وفى هذا بيان لحقيقة الغنى، إذ ليس الغنى عن كثرة العرض من مال أو عَقار أو ادخار للثروات، ولكن الغنى الحقيقى هو غنى النفس كما أخبر النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس ، إن نعم الله تعالى ليست محصورة فى المال وما شابهه، بل إن هناك نعمِّا تفوق هذه النعمة، فالإيمان، والعافية، والسلامة، والأمن والسعادة بالطاعة، كل هذا يفوق نعمة المال.
والوصية الثالثة وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا:
فهى دعوة إلى التعامل مع الآخرين لا سيما الملتصقين بك بالبر والإحسان، وأولى الناس بالإحسان إليه هو جارك، الذى أوصى الله تعالى بالإحسان إليه، وحث النبى صلى الله عليه وسلم على ذلك حين قال:" ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" "متفق عليه" وقال:" والله لا يؤمن قالها ثلاثاً" قالوا من يا رسول الله. قال: الذى لا يأمن جارُه بوائقَه؛". وفى حديث آخر "من بات شبعان وجاره جائع". انظر إلى أى مدى يهتم الإسلام بمشاعر الآخرين وأحاسيسهم لا سيما من يخالطهم المرء فى حياته، وأولاهم بهذا جيرانُه.
والوصية الرابعة: وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما:
إنها مثالية الإسلام وعظمته فى حب الخير للجميع رحمةً وعطفا وبراً، وليست الأخلاق إلا الإنسانية والنبل، ولقد قال صلى الله عليه وسلم ﴿ لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه﴾." صحيح الجامع "
وقد جاء الأدب القرآنى العام فى قوله تعالى ﴿وقولوا للناس حسنا﴾﴿البقرة :83﴾ فأحبوا الخير للناس كل الناس، وخذوا بأيديهم إلى ما يحبه ربنا ويرضاه.
الوصية الخامسة :لاتكثر الضحك:
فى هذا الحديث لِتُحَذِّر مما يُذهب بهاء القلب ونورَه، ويُفقد الإنسانَ شعوره وإحساسَه، فلا يستفيق لنصح ولا يرتدعُ عن غى إنها تنهى عن كثرة الضحك الذى هو دليل السفهِ وخفةِ العقل
إنها دعوة إلى أن يتحلى المرء بخلق رصين، فيتجنب حياة الهزل والسخرية التى تتنافى مع وقار المسلم.
فالحياة للمسلم أخى الكريم ليست لهواً وعبثا وليست هزلاً وصخبا، بل فيها الجد والكفاح، وفيها الآمال والتضحيات.
نعم، أخى الكريم، وليست الحياة جموداً وكآبة وحزناً، وإنما هى ساعة وساعة كما أشار النبى صلى الله عليه وسلم لحنظلة فى حديث آخر.
ولقد كان صلى الله عليه وسلم يضحك ويمزح، ولكنه لا يقول إلا الصدق، فما نقص الضحك من وقاره أو هيبته صلى الله عليه وسلم بل زاده حبا ووقاراً بين أصحابه وأمته.



3-الجليـــس
عن أبى موسى الأشعرىِّ رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ﴿إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخُ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً منتنة﴾«رواه البخارى ومسلم»
لقد بيّن النبى صلى الله عليه وسلم أن الجليس له تأثير على جليسه سلباً أو إيجاباً بحسب صلاحه وفساده.فشبّه الجليس الصالح بحامل المسك، فإنك إذا جالسته يحصل لك منه واحدة من ثلاث إما أن يعطيك ويُهديَك أو تشترىَ منه، أو تشمَ منه رائحة طيبة تؤثر على نفسك وبدنك وثوبك. وشبّه النبى صلى الله عليه وسلم الجليس السوء بنافخ الكير، وهو القائم بمهنة الحدّاد، فإما أن يتطاير عليك من شرر ناره فيُحرق ثيابك، أو تجدَ رائحة كريهة تصيبُ بدنك وثوبك، فجليس السوء يُلحق الضررَ بمن يجالسه. وينبغى أن نفطن إلى أن تشبيه النبى صلى الله عليه وسلم لجليس السوء بالحداد لا يعنى تحريمَ هذه المهنة، وإنما يعنى النتيجة المترتبة على الاقتراب ممن يمارس هذه المهنة أثناء عمله.من أجل هذالا بد أن يتأنى المرء فى اختيار جليسه وصاحبه، إذ الصاحبُ ساحب، والمجالِسُ مُجانس.
ولمجالسة الأشرار وجلساء السوء أضرار منها:
* أنه قد يشكك جليسه فى معتقداته الصحيحة ويصرفُه عنها، كما هو حال أهل النار: ﴿ قال قائل منهم إنى كان لى قرين يقول أئنك لمن المصدقين أئذا متنا وكنا ترابًا وعظامًا أئنا لمدينون﴾﴿الصافات 53:51﴾ وانظر إلى وفاة أبى طالب على الكفر بسبب جلسائه حين قالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب، فمات عليها.
* وجليس السوء يدعو جليسه إلى مماثلته فى الوقوع فى المحرمات والمنكرات﴿ ودوا لوتكفرون كما كفروا فتكونون سواء﴾﴿النساء :89﴾.
* والتأثر بالعادات السيئة والأخلاق الرديئة لجليس السوء.
* ومخالطته تذكّر بالمعصية وتحمل عليها.
* ويعرفك بأصدقاء السوء
* ولا ينصحك بما يصلحك
* وتُحرَمُ بسببه مجالسة الصالحين
* ولا تخلو مجالسهم من غيبة ونميمة
* وليس فيها ذكر الله عزوجل.

ولمجالسة الصالحين ثماراً طيبة، منها:
* أن من يجالسهم تشمله بركة مَجالِسِهم، ويعمُّه الخيُر الحاصلُ لهم وإن لم يكن عمله بالغاً مبلغَهم، فهم القوم لا يشقى بهم جليسُهم.
* التأثر بهم، فالمرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل.
* ومنها تبصرته بعيوبه لإصلاحها، فالمؤمن مرآة أخيه، إن رأى فيه ما لا يعجبه سدّده وقوّمه، وحاطه وحفظه فى السر والعلانية.
* مقارنته عملَه بأعمالهم فيعرف قدره ويصلح خطأه.
* مجالسة أهل الخير يدلونك على أمثالهم فتنتفع بمعرفتهم.
* ومن ثمارها انكفاف جليسهم عن المعصية.
* تحفظ وقتك الذى هو الحياة وهو الوعاء لكل الأعمال.
* هذه المصاحبة سبب لدخولك فى الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾﴿ الزخرف 67﴾.
* رؤية الصالحين تذكّر بالله سبحانه، فإذا حصل لمن رآهم هذا الخير، فكيف بمن يجالسهم ؟
* ومن ثمار مجالسة الصالحين الانتفاع بدعائهم لك بظهر الغيب فى حياتك وبعد مماتك.
* الصالحون زيْن وأُنس فى الرخاء، وعُدّة فى البلاء.
* المجالسة سبب لمحبة الله تعالى وجبت محبتى للمتحابين فىّ والمتجالسين فىّ ومن ثمرات المجالسة للصالحين أنها تؤدى إلى محبتهم فى الله تعالى، وهذه المحبة لها من الثمرات والفضائل الكثير والكثير.
4-الصــــــدق
عن ابن مسعود رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:﴿ إن الصدق يهدى إلى البر، وإن البر يهدى إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا. وإن الكذب يهدى إلى الفجور ، وإن الفجور يهدى إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا﴾«رواه البخارى ومسلم»
إن المسلم صادق يحب الصدق ويلتزمه ظاهرًا وباطنًا فى أقواله وفى أفعاله، إذ الصدق يُرشد ويوصل إلى البر وهو العمل الصالح، والبر يهدى صاحبه إلى الجنة، والجنة أسمى الغايات، وأقصى الأمانى عند المسلم.
ولا ينظر المسلم إلى الصدق باعتباره فضيلة ينبغى التخلق بها فحسْب ، بل يذهب إلى أبعدَ من هذا ، يذهب إلى أن الصدق من متممات إيمانه، ومكملات إسلامه إذ أمر الله تعالى به، وأثنى على المتصفين به ، قال تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ وقال تعالى فى الثناء على أهل الصدق من المؤمنين ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾
وحثَّ عليه النبى صلى الله عليه وسلم فى غير ما حديث كما فى قوله صلى الله عليه وسلم ﴿إن تصدقِ اللهَ يصدقْكَ﴾ وقولهِ ﴿ أفلح إن صدق﴾﴿ صدق الله فصدقه اللهُ﴾
والصدق يكون فى الأقوال والأعمال والأحوال :
أما فى الأقوال فهو استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها.
وأما فى الأعمال فهو استواء الأفعال على الأمر والمتابعة، كاستواء الرأس على الجسد.
والصدق فى الأحوال استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص، واستفراغ الوسع، وبذل الطاقة، فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق.
وللصدق مظاهر يتجلى فيها فى حياة المسلم، منها:
* فى صدق الحديث، لأن المسلم إذا حدّث لا يُحَدِّثُ بغير الحق والصدق، وإذا أخبر لا يخبر بخلاف الواقع. ومن كان الصدق وسيلته، كان الرضا من الله جائزته
* فى صدق المعاملة، لأنه إذا عامل أحدًا صدقه فى معاملته، لا يَغُشُّ ولا يخادع، ولا يزوِّر ولا يغرِّر.
* فى صدق عزمه، إذ لا يتردد فى فعل ما ينبغى فعلُه ، بل يمضى حتى ينجز عمله على ما يحب ربنا ويرضى.
* فى صدق الوعد، إذ إن المسلم إذا وعد أنجز وعده.
* فى صدق الحال، فهو لا يظهر فى غير مظهره، ولا يُظهر خلاف ما يبطنه، فلا يلبس ثوب زور، لا يرائى ولا يتكلف ما ليس له، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبى زور﴾« رواه مسلم» ومعنى هذا أن المتزين والمتجمل بما لا يملك ليُرى أنه غنى يكون كمن يلبس ثوبين خَلَقين ليتظاهر بالزهد، وهو ليس بزاهد ولا متقشف.وقد علمنا النبى صلى الله عليه وسلم أن نكون صادقين مع أولادنا حتى نزرع فيهم شجرة الصدق فتثمر فى حياتهم أحلى الثمار وأشهاها.
فعن عبد الله بن عامر رضى الله عنه قال:
دعتنى أمى يومًا ـ ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد فى بيتنا ـ فقالت : تعال أعطك. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ما أردت أن تعطيه ؟ قالت : أردت أن أعطيه تمرًا. فقال لها: "أما إنك لو لم تعطه شيئًا كُتبَ عليك كِذبة﴾
إن الصادق مع الله يورثه الله الصدق مع أهله ومع الناس، لأن الصدق جرى فى دمه وخالط اللحم والعظم، ولذا فهو ما زال يصدق ويتحرى الصدق حتى تفيض شهرته بالصدق فى الأرض، ثم تنطلق إلى السماء فيكتب عند الله صديقًا.
ثمرات الصدق:
* منها راحة الضمير، وطمأنينة النفس لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ الصدق طمأنينة﴾.
* ومنها البركة فى الكسب، وزيادة الخير، لقوله عليه الصلاة والسلام: ﴿البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما فى بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما﴾
* ومنها الفوز بمنزلة الشهداء لقوله صلى الله عليه وسلم ﴿ من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه﴾.
* ومنها النجاة من المكروه، لأن الصدق منجاة. وقد حُكى أن هاربًا لجأ إلى أحد الصالحين وقال له : أخْفِنى عن طالبى. فقال له:نم هنا، وألقى عليه حزمة من خوص، فلما جاء طالبوه وسألوه عنه قال لهم: هو ذا تحت الخوص، فظنوا أنه يسخر منهم فتركوه، ونجا ببركة الصدق.
ثم حذر النبى صلى الله عليه وسلم من الكذب الذى يسوق صاحبه إلى الفجور والعصيان وبدوره يسوق صاحبه إلى النار، ويكذب المرء ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا.والكذب جماع كل شر، وأصل كل ذم ! لسوء عواقبه وخُبث نتائجه، لأنه ينتج النميمة، والنميمة تنتج البغضاء، والبغضاء تؤول إلى العداوة،
أن الصدق يُنجى صاحبه وإن خافه، وأن الكذب يُردى صاحبه وإن أَمِنه. ونُسب إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال:" لأنْ يَضَعنِى الصدق ـ وقلما يفعل ـ أحبُّ إلىّ من أن يرفعنى الكذب وقلما يفعل"وقيل :" من استحلى رضاع الكذب عَسِر فطامُه".
5-الأخوة الإيمانية
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض. وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره. التقوى ها هنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم.كل المسلم على المسلم حرام دمه، وماله وعرضه ﴾«رواه مسلم»
إن العمل بهذا الحديث من أعظم الأسباب الموصلة للتآلف بين المسلمين وقلة الشحناء بينهم. فالمؤمنون إخوة فى النسب إلى أبيهم آدم عليه السلام. وإخوة فى الدِّين. قال تعالى﴿إنما المؤمنون إخوة﴾
وقال صلى الله عليه وسلم ﴿المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبّك بين أصابعه﴾ « رواه البخارى ومسلم»
وقال صلى الله عليه وسلم ﴿ مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثلُ الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾«رواه البخارى ومسلم»
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لا تحاسدوا : أى لا يحسد بعضكم بعضا.
والحسد: تمنّى زوال النعمة عن أخيك المسلم وهو حرام لأنه اعتراض على الله تعالى فى نعمته وقسمته.
ولا تناجشوا : والنجش أن يزيد فى السلعة مَنْ لا يريد شراءها لِيَغُرَّ غيره بها وهو حرام لأنه من أسباب العداوة والبغضاء.
ولا تباغضوا : أى لا يُبغض بعضُكم بعضًا بتعاطى أسباب البغضاء من السّب والشتم واللعن والغيبة والنميمة. والتباغض المذموم هو الذى منشؤه التنافسُ فى الدنيا واتباع الأهواء. أما الحب فى الله والبغُض فى الله فهو أوثقُ عُرى الإيمان.
ولا تدابروا : والتدابر التهاجر والتقاطع، فإن كُلاًّ من المتقاطعين يُولّى صاحبه دُبرَه ويُعرض عنه ولا يسلّم عليه ولا يرد عليه السلام.
وفى الصحيحين أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ﴿لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان .. فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذى يبدأ بالسلام﴾.
ثم قال صلى الله عليه وسلم ولا يبع بعضكم على بيع بعض ... وصورته أن يقول لمن اشترى سلعة : افسخ هذا البيع وأنا أبيعُك مثلَه أو أجودَ منه بثمنه. والنهى للتحريم لما فيه من الإيذاء الموجب للتباغض.
ولذا قال النبى صلى الله عليه وسلم وكونوا عباد الله إخواناً ففيه إشارة إلى أنهم إذا تركوا التحاسد والتناجش والتباغض والتدابر وبيع بعضهم على بعض كانوا إخوانًا أى تعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوان، ومعاشرتهم فى المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون فى الخير مع صفاء القلوب والمحبة.
ثم قال النبى صلى الله عليه وسلم ﴿ المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله ولا يكذبه﴾ فالمسلم ينصر أخاه ظالمًا أو مظلومًا. أنصره ظالمًا حين أمنعه عن الظلم، وأما احتقار المسلم فهو ناشئ عن الكِبْر وقد حذر النبى صلى الله عليه وسلم من احتقار الناس والتكبر عليهم. وأمر بالتواضع وعدم الفخر على الناس.
ثم قال صلى الله عليه وسلم ﴿ التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات.﴾
إن الإيمان أصلُه فى القلب وثمرتُه على الجوارح فهو قول واعتقاد وعمل، وحب وبغض ، وفعل وترك، وليس الإيمان بالتحلى ولا بالتمنى، ولكنه ما وقر فى القلب وصدَّقه العمل. ثم قال صلى الله عليه وسلم ﴿ كل المسلم على المسلم حرام ... دمه وماله وعرضه﴾ وهذا مما خطب به النبى صلى الله عليه وسلم فى خطبة الوداع تعليمًا للأمة كلها وإرشادا.
وشروط الأخوة الإيمانية أن تكون لله وفى الله، بحيث تخلو من شوائب الدنيا وعلائقها المادية بالكلية. ويكون الباعث عليها الإيمان بالله لا غير.
وأما آدابها فأن يكون الأخ الذى تختارهُ لأخوتك عاقلاً ! لأنه لا خير فى أخوة الأحمق وصحبته، إذ قد يضر الأحمقُ الجاهلُ من حيث يريد أن ينفع.
* وأن يكون حسنَ الخُلق! لأن سيئ الخُلق ـ وإن كان عاقلاً ـ قد تغلبه شهوة أو يتحكم فيه غضب فيسيئ إلى صاحبه.
* وأن يكون تقيًا ! لأن الفاسق الخارج عن طاعة ربه لا يُؤْمَنُ جانبُه، إذ مَنْ لا يخاف الله تعالى لا يخاف غيره بحال من الأحوال.
*وأن يكون ملازمًا للكتاب والسنة بعيدًا عن البدع والخرافات، لأن المبتدع قد ينال أخاه الأذى من شؤم بدعته وضلالته.
ولقد أوجز هذه الآدابَ أحدُ الصالحين وهو يوصى ولده فقال: يا بنى إذا عَرَضَتْ لك إلى صحبة الرجال حاجةٌ فاصحب مَنْ إذا خدمته صانك، وإن صحبتَه زانك، وإن قَعَدَتْ بك مُؤْنةٌ ماَنَكَ. اصحب من إذا مددتَ يدكَ بخير مَدَّها ، وإن رأى منك حسنةً عدَّها، وإن رأى سيئة سدَّها، اصحب من إذا سألتَه أعطاك، وإن سكَتَّ ابتداك، وإن نزلت بك نازلةٌ واساك. اصحب من إذا قلتَ صدَّق قولَك، وإن حاولتما أمرًا أمَّرك، وإن تنازعتما شيئًا آثرك.
وقد أحسن من قال:
إنَّ أخاكَ الحقَّ من كان مَعَك ومَـنْ يضـرُّ نفسَـه لينفَعَكْ
ومَنْ إذا ريَبُ الزمانِ صَدَعكْ شتَّتَ فيـه شَمْلَـهُ لِيَجْمَعَـكْ
التحلي بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم
إذا كنت محباً صادقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتخلق بأخلاقه :
أترك الفحش ، وهو كل ما قبح وساء من قول أو فعل .
أخفض صوتك ، وأغضض منه إذا نطقت ، وخاصة في المجتمعات العامة ، كالأسواق والمساجد ، والحفلات وغيرها ، ما تكن خطيباً أو واعظاً .
أدفع السيئة التي قد تصيبك من أحد بالحسنة ، بأن تعفو عن المسئ ، فلا تؤاخذه ، وتصفح عنه بأن لا تعاقبه ، ولا تهجره .
أترك التأنيب والتعنيف لخادمك ، أو زميلك أو ولدك ، أو تلميذك ، أو زوجتك إذا أخطأوا أو قصروا .
لا تُقصر في واجبك ، ولا تبخس حق غيرك ، حتى لا تضطره إلى أن يقول لك : لِمَ فعلت كذا ...؟ أو لِمَ لم لا تفعل كذا ؟ لائماً عليك ، أو عاتباً عليك.
أترك الضحك إلا قليلاً ، وليكن جلّ ضَحِكك التبسم .
لا تتأخر عن قضاء حاجة الضعيف والمسكين والمرأة ، والمشي معهم في غير تكبر ولا استنكاف .
مساعدة أهل البيت على شئون البيت ، ولو كان حلب شاة ، أو طهي طعام أو غيره .
البس أحسن الثياب التي عندك ، لا سيما وقت الصلاة ، والأعياد ، والحفلات .
لا تتكبر عن الأكل على الأرض ، وكل ما وجد من الطعام ، والاكتفاء بقليل الطعام ولا تعيبه .
العمل ومشاركة العاملين ، ولو بحفر الأرض ونقل التراب ، والسرور بذلك إظهاراً لعدم التكبر .
عدم الرضا بالمدح الزائد ، والإطراء المبالغ فيه ، والاكتفاء بما هو ثابت للعبد ، وبما قام به من صفات الحق والفضل والخير .
لا تنطق ببذاء ولا جفاء ، ولا كلام فاحش ولو مازحاً .
لا تقل سوءاً ولا تفعله .
لا تواجه أحداً من إخوانك بمكروه .
لازم سلامة النطق ، وحلو الكلام .
لا تكثر المزاح ، ولا تقل إلا الصدق .
أرحم الإنسان والحيوان حتى يرحمك الله .
احذر البخل ، فهو مكروه من الله والناس .
نم باكراً ، واستيقظ للعبادة والاجتهاد والعمل .
لا تتأخر عن صلاة الجماعة في المسجد .
احذر الغضب وما ينتج عنه ، وإذا غضبت فاستعذ من الشيطان الرجيم .
الزم الصمت ، ولا تكثر الكلام فهو مسجل عليك .
اقرأ القرآن بفهم وتدبر ، واسمعه من غيرك ، وأعمل به .
لا ترد الطيب ، واستعمله دائماً ، لا سيما عند الصلاة .
استعمل السواك فهو مفيد جداً ، لا سيما عند الصلاة .
كن شجاعاً ، وقل الحق ولو على نفسك .
أقبل النصيحة من كل إنسان واحذر ردها .
اعدل بين زوجاتك وأولادك وفي كل أعمالك .
اصبر على أذى الناس وسامحهم ، حتى يسامحك الله .
أحب للناس ما تحب لنفسك .
أكثر من السلام عند الدخول والخروج واللقاء وفي الأسواق .
تقيد بلفظ السلام الوارد في السنة ، وهو : "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" ولا يُغني عنه كلمة صباح الخير ، ومساء الخير" أو أهلاً ومرحباً" ويمكن قولها بعد السلام .
كن نظيفاً في مظهرك ولباسك .
غيّر شيبك بالأصفر أو الأحمر ، واحذر السواد امتثالاً لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم تمسك بسنن الرسول صلى الله عليه وسلم حتى تدخل في قوله صلى الله عليه وسلم ﴿ إن من ورائكم أيام الصبر ، للمُتمسك فيهن بما أنتم عليه أجرُ خمسين منكم ، قالوا : يا نبي الله أو منهم ؟ قال : بل منكم﴾


رســـــالــــة هـــــامـــــة
أحبابى فى الله : ماهىالأُصُولُ الثَّلاثَةُ التِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا؟
الأصول الثلاثة هى:مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ، وَدِينَهُ، وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم
الأصل الأول:معرفة الرب
فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟
فَقُلْ: رَبِّيَ اللهُ الَّذِي رَبَّانِي، وَرَبَّى جَمِيعَ الْعَالَمِينَ بِنِعَمِهِ، وَهُوَ مَعْبُودِي لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ للَََّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾﴿الفاتحة: 2﴾. وَكُلُّ مَنْ سِوَى اللهِ عَالَمٌ، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ الْعَالَمِ.
فَإِذَا قِيلَ لَكَ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟
فَقُلْ: بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ، وَمِنْ آيَاتِهِ: اللَّيْلُ، وَالنَّهَارُ، وَالشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ، وَمِنْ مَخْلُوقَاتِهِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَمَا بَيْنَهُمَا؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾﴿فصلت: 37﴾. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾﴿الأعراف: 54﴾. وَالرَّبُ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَآء بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿البقرة: 21، 22﴾.
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: الخَالِقُ لِهَذِهِ الأَشْيَاءَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ.
وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا مِثْلُ: الإِسْلامِ، وَالإِيمَانِ، وَالإِحْسَانِ، وَمِنْهُ: الدُّعَاءُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَالْخَشْيَةُ، وَالإِنَابَةُ، وَالاسْتِعَانَةُ، وَالاسْتِعَاذَةُ، وَالاسْتِغَاثَةُ، وَالذَّبْحُ، وَالنَّذْرُ، وَغَيْرُ ذَلَكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا. كُلُّهَا للهِ تَعَالَى.
وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ﴾ ﴿الجن: 18﴾ فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللهِ؛
فَهُوَ مُشْرِكٌ كَافِرٌ؛ وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلٰهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾﴿المؤمنون: 117﴾.
وَفِي الْحَدِيثِ: "الدُّعَاءُ مخ الْعِبَادَةِ ". وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ ﴿غافر: 60﴾.
وَدَلِيلُ الْخَوْفِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ ﴿آل عمران: 175﴾.
وَدَلِيلُ الرَّجَاءِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾﴿الكهف: 110﴾.
ودَلِيلُ التَّوَكُلِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ ﴿المائدة: 23﴾. وقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾﴿الطلاق: 3﴾
وَدَلِيلُ الرَّغْبَةِ، وَالرَّهْبَةِ، وَالْخُشُوعِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾﴿الأنبياء: 90﴾.
وَدَلِيلُ الْخَشْيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي...﴾ الآية ﴿البقرة: 150﴾
وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ...﴾ الآية ﴿الزمر: 54﴾.
وَدَلِيلُ الاسْتِعَانَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى:﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾﴿الفاتحة: 5﴾ وَفِي الْحَدِيثِ:".وإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ".
وَدَلِيلُ الاسْتِعَاذَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾ ﴿الفلق: 1﴾. وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾﴿ الناس: 1﴾.
وَدَلِيلُ الاسْتِغَاثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ...﴾ الآية ﴿الأنفال: 9﴾.
وَدَلِيلُ الذَّبْحِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَه وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ُ﴾ ﴿الأنعام: 161ـ163﴾. وَمِنَ السُنَّةِ: "لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ"
وَدَلِيلُ النَّذْرِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ﴾ ﴿الإنسان: 7﴾
الأَصْلُ الثَّانِي :مَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلامِ بِالأَدِلَّةِ
وَهُوَ: الاسْتِسْلامُ للهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ، وَهُوَ ثَلاثُ مَرَاتِبَ: الإسْلامُ، وَالإِيمَانُ، وَالإِحْسَانُ. وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ لَهَا أَرْكَانٌ.
المرتبة الأولى: الإسلام
فَأَرْكَانُ الإِسْلامِ خَمْسَةٌ: شَهَادَةُ أَن لا إلٰه إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ.
فَدَلِيلُ الشَّهَادَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إلٰه إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إلٰه إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴿آل عمران: 18﴾
وَمَعْنَاهَا: لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلا اللهُ، وَحَدُّ النَّفْيِ مِنْ الإِثْبَاتِ ﴿لا إلاٰه﴾ نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ ﴿إِلا اللهُ﴾ مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ.
وَتَفْسِيرُهَا: الَّذِي يُوَضِّحُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآء مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾﴿الزخرف: 26 ـ 28﴾. وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿آل عمران: 64﴾
وَدِليلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ لَقَدْ جَآءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ ﴿التوبة: 128﴾
وَمَعْنَى شَهَادَة أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ: طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، واجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ وأَلا يُعْبَدَ اللهُ إِلا بِمَا شَرَعَ.
وَدَلِيلُ الصَّلاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾﴿البينة: 5﴾.
ودَلِيلُ الصِّيَامِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾﴿البقرة: 183﴾.
ودَلِيلُ الْحَجِّ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾﴿آل عمران: 97﴾
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الإِيمَانُ
وَهُوَ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَعْلاهَا قَوْلُ لا إلٰه إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ.
وَأَرْكَانُهُ سِتَّةٌ: كما فى الحديث أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ؛ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾﴿البقرة: 177﴾
ودليل القدر: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾﴿القمر: 49﴾.

الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: الإِحْسَانُ
أركانه: وله رُكْنٌ وَاحِدٌ. كما فى الحديث: " أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِن لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ". وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ اللّـهَ مَعَ الّـَذِينَ اتَّقَواْ وَّالّـَذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾﴿النحل: 128﴾. وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ ﴿الشعراء: 217 ـ 220﴾. وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ ﴿ يونس: 61﴾.
وَالدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ جِبْرِيلَ الْمَشْهُورُ: عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ، شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ فَقَالَ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إلٰه إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا. قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ:أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ. قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ: مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا. قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ. قَالَ: فَمَضَى، فَلَبِثْنَا مَلِيَّا، فَقَالَ: يَا عُمَرُ أَتَدْرُونَ مَنِ السَّائِلِ؟. قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُم

الأَصْلُ الثَّالِثُ:مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ، وَلَهُ مِنَ الِعُمُرِ ثَلاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَثَلاثٌ وَعِشْرُون َفى النبوة. نُبِّئَ ب﴿اقْرَأ﴾، وَأُرْسِلَ ب﴿الْمُدَّثِّرْ﴾، وَبَلَدُهُ مَكَّةُ.
بَعَثَهُ اللهُ بِالنِّذَارَةِ عَنِ الشِّرْكِ، وَبالَدْعُوة إِلَى التَّوْحِيدِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾﴿المدثر: 1ـ7﴾. وَمَعْنَى: ﴿ قُمْ فَأَنذِرْ ﴾: يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ، وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ. ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾: أَيْ: عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ. ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾: أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشِّرْكِ. ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾: الرُّجْزَ: الأَصْنَامُ، وَهَجْرُهَا: تَرْكُهَا، وَالْبَرَاءَةُ مِنْهَا وَأَهْلُهَا، أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ، وَبَعْدَ الْعَشْرِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَواتُ الْخَمْسُ، وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثَلاثَ سِنِينَ، وَبَعْدَهَا أُمِرَ بالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْهِجْرَةُ الانْتِقَالُ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بَلَدِ الإِسْلامِ.
وَالْهِجْرَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بلد الإِسْلامِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءتْ مَصِيراً * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً* فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً ﴾﴿النساء: 97ـ99﴾. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾ ﴿العنكبوت: 56﴾.
قَالَ الْبُغَوِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ:نزلت هَذِهِ الآيَةِ فِي المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ ولَمْ يُهَاجِرُوا، نَادَاهُمُ اللهُ بِاسْمِ الإِيمَانِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم " لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا "
فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي الْمَدِينَةِ أُمِرَ بِبَقِيَّةِ شَرَائِعِ الإِسْلامِ، مِثلِ: الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالأَذَانِ، وَالْجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ الإِسْلامِ، أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ صلى الله عليه وسلم وَدِينُهُ بَاقٍ. وَهَذَا دِينُهُ، لا خَيْرَ إِلا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ، وَلا شَرَّ إِلا حَذَّرَهَا مِنْهُ، وَالْخَيْرُ الَّذِي دَلَّهَا عَلَيْهِ التَّوْحِيدُ، وَجَمِيعُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، وَالشَّرُ الَّذِي حَذَّرَهَا مِنْهُ الشِّرْكُ، وَجَمِيعُ مَا يَكْرَهُ اللهُ وَيَأْبَاهُ. بَعَثَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَافْتَرَضَ طَاعَتَهُ عَلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعا﴾﴿الأعراف: 158﴾. وَكَمَّلَ اللهُ بِهِ الدِّينَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينا﴾﴿المائدة: 3﴾. وَالدَّلِيلُ عَلَى مَوْتِهِ صلى الله عليه وسلم قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾﴿الزمر: 30، 31﴾
وَالنَّاسُ إِذَا مَاتُواْ يُبْعَثُونَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾﴿طه: 55﴾ وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً ﴾﴿نوح: 17، 18﴾ وَبَعْدَ الْبَعْثِ مُحَاسَبُونَ وَمَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴾ ﴿النجم: 31 ﴾.
وَمَنْ كَذَّبَ بِالْبَعْثِ كَفَرَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ ﴿التغابن: 7﴾.
وَأَرْسَلَ اللهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾﴿النساء: 165﴾.
وَأَّولُهُمْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾﴿النساء: 165﴾.
وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِا رَسُولا مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾﴿ النحل: 36﴾ وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بِاللهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: مَعْنَى الطَّاغُوتِ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ. وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُونَ وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ: إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ، وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ، وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ، وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿البقرة: 256﴾. وَهَذَا هُوَ مَعْنَى لا إلٰه إِلا اللهُ، وَفِي الْحَدِيثِ: " رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ".

تـــــــــذكـــــــرة
تخيل معى
انت فى منزلك الان وفى انهماك شديد تتابع كليب ساخن) على أحد القنوات الفضائية أو على جهاز الكمبيوتر ... تخيلى أنكِ أمام المرآة وفى انهماك شديد منذ ساعة كاملة .. هناك مشوار هااااام .... يد تحمل الكحل.. ويد تحمل زجاجة البرفان وفجأة......؟؟؟؟؟؟ طرق الباب ؛جريت ..... جريتى ... الى الباب نظرت من العين السحرية, من هذا الشخص الذى يشع وجهه نوراااا .... مين ؟؟؟؟ أنا رسول الله صرخت بدهشة ..... رسول الله ؟؟؟؟ !!!!!ثم بقمة الفرح مددت يدك لتفتح لرسول الله مرحبا برسول الله ؛ولكن تذكرت الدش شغال على الكليب جريت بسرعة لكى تغلقه فضغطت على زر آخر دون قصد صوت الكليب زاد أكثر وأخيرا أغلقت التليفزيون والدش والكمبيوتر ثم جريت لتفتح الباب ..... يااااااه .... صور المغنية الفلانية التى تملأ حوائط حجرتى ... جريت مرة أخرى لكى تزيلها بسرعة ...... سمعت الجرس يدق للمرة الثانية وأنت تنزعها من على الحائط من شدة السرعة سقطت واحدة على المكتب مددت يدك لتأخذها بسرعة فوجئت ياااااه شرائط الكاسيت ؟؟؟!!!! كل دى شرائط أغانى سمعتها وحفظتها أكثر مما حفظت القرآن طول حياتى !!!! وبدون تفكير جمعتها وألقيتها فى أقرب صندوق قمامة وأغلقت عليها حتى لا يراها رسول الله ..... الجرس يدق .... رسول الله سيمشى . وأنتى مددتى يدك لتفتحى الباب وانتى فى قمة الفرح لزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ... يا الهى ...!!! وضعتى يدك على شعرك المصبوغ عند الكوافير ... ها أقابله كده؟؟؟) ازاى ؟؟؟؟!!!! جريتى تبحثى على الطرحة دى .... ؟؟؟؟ لأ مش دى .... لابد أن تكون طويلة .... أخيرا وجدتيها ثم جريتى على الباب ..... يا الهى ..... ها قابل رسول الله بالبنطلون ......؟؟؟؟؟؟ازاااااى ؟؟؟؟. جريتى بسرعة قبل ما يمشى رسول الله تبحثى عن عباية واسعة أو اسدال واسع .... أخيرا وجدتى واحدا....!!! ... ياااااه .... المكياج اللى على وجهى ...!! جريتى تغسلى وجهك سريعا من كل المساحيق الحمرا والسودا والصفرا التى على وجهك تذكرتى البارفان .. الحمد لله .... الرسول طرق الباب قبل أن أضعه أخيرا ستفتح الباب لرسول الله جريت وأنت تغلق زراير القميص المفتوح معظمه فوجئت ... بأن الرسول من طول الانتظار قد مشى !!!! نظرت بجنون الى السلم... انه لا يزال ينزل ... ناديت عليه ... يا حبيبى يا رسول الله أنا فتحت الباب خلاص .. عاد رسول الله ودخل البيت ويا ليته مادخل البيت .....!!!! جئت لتجلس فجأة المحمول رن ...!!! انه مسد كول ... كل ربع ساعة تقريبا ولكن كأنك أول مرة تسمع هذه الرنة البولى فونك لآخر أغنية تزلت السوق) داريت وجهك خجلا من رسول الله وعندما نظرت الى الرقم الذى يتصل بك .... ارتجف قلبك !!! ماذا أقول لرسول الله اذا سألنى من الذى يتصل بك ? كنسلت فورا حتى لا يسألك الرسول فجأة
شميت رائحة.....!!!!!! النبى بدأ يشعر بها يااااااه نسيت السيجارة مولعة فقمت سريعا لكى تطفئها وعندما عدت قال لك الرسول : أعطنى المصحف الذى فى جيبكده مش مصحف يا رسول الله دى علبة سجاير)هتقدر تقوله كدة؟ وفجأة سمعت صوت الآذان هتنزل ؟؟انت بتنزل كل مرة فعلا ؟!! ولا هتنزل مجاملةلرسول الله؟؟ وأنتى ::: هتقومى تصلى ؟؟؟!! انتى بتقومى كل مرة ولاهتقومى مجاملة لرسول الله ..؟؟؟؟؟ وماذا لو سألنا عن آخر مرة قرأنا فيها القرآن ....؟؟؟ وماذا لو سألنا عن آخر مرة صلينا فيها الفجر ....؟؟؟وماذا لو سألنا عن علاقات الجامعة قصص الحب ...,الرحلات المختلطة سهرات النوادى والقهاوى .. ؟ سهرات الدش ...؟؟ والكليبات ...؟ والمخدرات ...؟ عقوق الوالدين ...؟؟ اطلاق البصر ..؟ , سماع الاغانى ....,؟.............. الخ الخ تخيل النبى هيعمل ايه عندما يرى أحولنا ؟عارف هيعمل ايه؟؟؟ لن يغضب .!!! بل سيبكى بكاااءا مريرا ويصرخ فيك وفيكى أأنت الذى ضحيت بعمرى كله من أجلك...؟؟؟؟ أأنت الذى تفرقت قبور أصحابى فى الارض من أجل أن يصل الدين اليك...؟؟؟؟!!! أأنتى حفيدة عائشة وفاطمة ؟؟؟ أنت وأنتى الذى ظننت أنكم ستحملون الدين من بعدى ؟؟!!!!... كيف سأشفع لك عند الله وأنت على هذه الحالة..؟؟؟ ...... كيف سأسقيك يوم القيامة من حوضى وقد هجرت سنتى....؟؟ تخيل: لو أن الطارق ليس رسول الله ولكنه ملك الموت لكن فى هذه المرة لن ينتظر على الباب بل لن يطرق الباب أصلا وساعتها لن تجد وقتا لكى تتخلص فيه من كل هذا ... لن يعطيك الفرصة لقضاء ما فاتك من الصلوات .. لن يعطيكى الفرصة لكى ترتدى الحجاب الشرعى... ومن مات على شىء بعث عليه ..... !!!!!هنتغير إمته يا شباب عندما نجد ملك الموت جاء فجأة لينزع أرواحنا كما جاء لكثير من أصحابنا؟؟؟ عندما نجد منكر ونكيرداخلين علينا القبر ...؟؟؟عندما نجد أنفسنا واقفين يوم القيامة حفاة عراة فى يوم كان مقداره ألف سنه!! ألف سنه فى انتظار الحساب والعطش يكاد يميتنا ..ولا موت عندما نجد المؤمنين والمؤمنات يسارعون إلى حوض النبى صلى الله عليه وسلم ليشربوا شربه هنيئه لا يظمئوا بعدها أبدا ...فنسارع لنشرب معهم فتطردنا الملائكه..لأننا لم نحافظ على سنه نبينا .استهنا بها وأضعناها عندما نجد أنفسنا نحاسب على كل عمل عملناه على الميزان كل أغنية . كل نظرة كل كليب . ....... ) انك ولا شك ستذكر هذه الرسالة يوم القيامة ووقتها لن تكون الا واحدا من اثنين..... رجل أو إمرأة وصلته هذه الرسالة فقرر أن يقف مع نفسه فكانت سببا فى تغيير حياته؛ رجل أو إمرأة قرأها ولم يهتم بها فكانت حجة عليه بين يدى الله يوم القيامة.
 فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمرى الى الله ان الله بصير بالعباد
سبحان ربك رب العزة عما يصفون؛ وسلام على المرسلين
والحمد لله رب العالمين

المراجـــــــــع
- القرآن الكريم
- زاد المعاد في هدي خير العباد – ابن قيم الجوزية.
- السيرة النبوية – لابن هشام.
- الشمائل المحمدية – الترمذي.
- الرحيق المختوم – الشيخ صفي الرحمن المباركفوري.
- محمد صلى الله عليه وسلم كأنك تراه – د. عائض القرني
- هذا الحبيب يامحب – الشيخ أبو بكر الجزائري.
- حقوق النبى على أمته فى ضوء الكتاب والسنة – د. محمد بن خليفة التميمى
- قطوف من الشمائل المحمدية – محمد بن جميل زينو
- أطفالنا وحب الرسول – د. أمانى زكريا
- الفصول مختصر سيرة الرسول – لإبن كثير
- سبل الهدى والرشاد فى سيرة خير العباد – محمد بن يوسف الصالحى
- تاريخ الإسلام – الذهبى
- السيرة النبوية – لإبن اسحاق
- أخلاق النبى – لأبى الشيخ الأصبهانى
- السيرة النبوية – لإبن حبان
- مواقع إسلامية( د.زغلول النجار – الشيخ عبد العزيز بن باز – الشيخ بن عثيميين –الشيخ محمد حسان – صيد الفوائد)
- الثلاثة أصول –للشيخ : محمد بن عبد الوهاب
- رياض الصالحين –للنووى
- فقه السنة –للشيخ /السيد سابق