هذه الآية الكريمة جاءت في نهاية الثلث الأول من سورة الروم‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها ستون بعد البسملة‏;‏ ويدور محورها الرئيسي حول قضية العقيدة الإسلامية ومن ركائزها التي جاءت بها السورة الكريمة ما يلي‏:‏
‏(1)‏ الإيمان بالله‏(‏ تعالي‏)‏ الذي له الأمر من قبل ومن بعد في كل شيء‏.‏
‏(2)‏ الإيمان بأن النصر من الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم‏.‏

‏(3)‏ الإيمان بأن وعد الله حق وأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ لا يخلف وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏.‏
‏(4)‏ الإيمان بأن أكثر الناس‏...‏ يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون‏.‏

‏(5)‏ الإيمان بحقيقة النص القرآني القائل‏:...‏ وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون‏.‏
‏(6)‏ الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله‏,‏ وبخاتمهم‏(‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏).‏

‏(7)‏ الإيمان بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ لا يظلم أحدا ولكن الناس أنفسهم يظلمون‏.‏
‏(8)‏ الإيمان بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ يبدأ الخلق ثم يعيده‏,‏ وأن الخلق جميعا إلي الله راجعون في ساعة محددة من يوم محدد في علمه‏(‏ تعالي‏)‏ لا يعلمه إلا هو‏,‏ والإيمان بأن الآخرة ركن من أركان العقيدة الإسلامية‏.‏

‏(9)‏ الإيمان بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الآخرة سوف ينعمون في روضة يحبرون‏.‏
‏(10)‏ الإيمان بأن الذين كفروا وكذبوا بآيات الله ولقاء الآخرة سوف يشقون في الآخرة في نار جهنم وهم في العذاب محضرون‏.‏

‏(11)‏ الإيمان بضرورة تسبيح الله في المساء وفي الصباح‏,‏ وحمده في السماوات والأرض‏,‏ وعشيا وحين يظهر الناس‏,‏ وذلك بتنزيهه‏(‏ تعالي‏)‏ عن كل وصف لا يليق بجلاله من مثل نسبة الزوجة أو الولد أو الشريك أو الشبيه إليه وكلها من صفات البشر المخلوقين‏(‏ تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا‏),‏ ووصفه‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ بصفات الكمال المطلق الذي يليق بجلال الله‏.‏
‏(12)‏ الإيمان بأن عمليتي الخلق الأول من تراب ثم البعث في الآخرة مناظرة تماما لإخراج الحي من الميت في الدنيا‏,‏ ولعملية إحياء الأرض بعد موتها‏,‏ وأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ يخلق ما يشاء وأنه هو العليم القدير‏.‏

‏(13)‏ الإيمان بأن الله‏(‏ تعالي‏)...‏ له من في السماوات والأرض كل له قانتون‏.‏
‏(14)‏ الإيمان بأن الذين يتبعون أهواءهم بغير علم يضلهم الله‏,‏ ومن يضلل الله فلا هادي له‏,‏ وأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ يطبع علي قلوب الذين لا يعلمون‏.‏

‏(15)‏ الإيمان الكامل بأن الإسلام هو دين الله الذي أنزله علي فترة من الرسل‏,‏ والذي أتمه وأكمله وحفظه في رسالته الخاتمة التي أنزلها علي خاتم أنبيائه ورسله‏(‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏),‏ وأن هذا الدين هو فطرة الله التي فطر الناس عليها وأنه‏:...‏ لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏.‏
‏(16)‏ الإيمان بوحدانية الله‏(‏ تعالي‏)‏ وبأنه علي كل شيء قدير‏,‏ والإيمان كذلك بضرورة الإنابة إليه‏,‏ وتقواه‏,‏ وإقام الصلاة له وحده‏(‏ سبحانه‏)‏ ونفي الشرك عن ذاته العلية‏.‏

‏(17)‏ الإيمان بأن‏...‏ الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون قد انحرفوا عن دين الله وعن فطرته التي فطر الناس عليها‏.‏
‏(18)‏ الإيمان بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الذي‏...‏ يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر‏....‏

‏(19)‏ الإيمان بأن لكل من ذي القربي والمسكين وابن السبيل حقوقا منحهم إياها الله‏ (‏ تعالي ‏)‏ ولا يجوز لمسلم أن يقصر فيها أبدا‏.‏
‏(20)‏ الإيمان بأن‏(‏ الربا ‏)‏ الذي‏ (‏ يربو‏ )‏ في أموال الناس لا يربوا عند الله‏,‏ وأن صدقات التطوع التي تدفع في سبيل الله وطلبا لمرضاته هي التي تستحق الأضعاف من الحسنات‏.‏

‏(21)‏ الإيمان بأن الله‏ (‏ تعالي‏ )‏ هو الذي خلقنا‏,‏ وهو‏(‏ سبحانه‏)‏ الذي رزقنا‏,‏ وأنه‏(‏ جلت قدرته‏)‏ هو الذي يميتنا ثم يحيينا‏,‏ ولا يمكن لأحد أن يفعل ذلك إلا الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ ومن هنا كانت جريمة الشرك بالله جريمة لا يغفرها الله أبدا‏.‏
‏(22)‏ الإيمان بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ لا يحب الكافرين‏,‏ وأنه‏(‏ سبحانه‏)‏ يبغض المشركين‏.‏

وقد استهلت سورة الروم بالتنبؤ بحدث غيبي قبل وقوعه بعدة سنوات ألا وهو انتصار الروم علي الفرس بعد أن كان الفرس قد هزموهم هزيمة منكرة قبل نزول هذه السورة المباركة بعدة سنوات‏.‏
وتزخر السورة الكريمة بالأمر بتسبيح الله‏,‏ وتمجيده‏,‏ وتنزيهه‏,‏ وحمده‏,‏ وإقام الصلاة له‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ وحده‏,‏ وتنصح خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ بأن يقيم وجهه لدين الله وهو الإسلام الحنيف‏,‏ الذي لا يرتضي ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ من عباده دينا سواه‏,‏ لأنه دين الفطرة التي فطر الله‏(‏ تعالي‏)‏ الناس عليها أي جعلهم مهيأة قلوبهم وعقولهم ونفوسهم لقبوله إذا خلي بينهم وبينه بغير ضغوط أو عوائق‏,‏ وهي فطرة لا تبديل لها‏,‏ وإن كان أكثر الناس لا يعلمون ذلك‏,‏ والأمر هنا موجه له‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ ولأمته من بعده‏.‏

وتأمر السورة الكريمة المسلمين بضرورة الإكثار من التوبة إلي الله والرجوع إليه‏,‏ وإخلاص العمل له‏,‏ وتقواه ‏,‏ كما تأمرهم بإقام الصلاة‏,‏ وبالحذر من الوقوع في دنس الشرك بالله لأن الشرك ظلم عظيم للنفس‏,‏ ولأن الذين أشركوا قد فرقوا دينهم‏,‏ وكفروا بربهم‏,‏ وكانوا شيعا وكل حزب منهم فرح بما لديه‏,‏ مقتنع أنه علي الحق وغيره علي الباطل‏,‏ وأنه وحده هو الناجي‏,‏ وغيره هالِكون ‏...!!‏
وتحدثت سورة الروم عن شيء من التقلب في طبائع النفس البشرية‏,‏ من مثل اللجوء إلي الله‏(‏ تعالي‏)‏ في الشدة‏,‏ والإعراض عنه‏(‏ سبحانه‏)‏ في الرخاء‏,‏ أو الإيمان به‏(‏ جل شأنه‏)‏ في ساعات الضيق‏,‏ والكفر أو الشرك به‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ في لحظات السعة‏.‏

وتضرب السورة الكريمة مثلا للناس من حياتهم علي سخافة فكرة الشرك بالله إذا ناقشها العقل بشيء من الموضوعية والحيدة‏;‏ وتربط بين ظهور الفساد في البر والبحر‏,‏ وبين أعمال الناس‏,‏ وما كسبت أيديهم‏,‏ وتأمر بالسير في الأرض لاستخلاص الدروس والعبر من سير الأولين ومصائر الظالمين وتكرر سورة الروم علي خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ تأكيد ضرورة الاستقامة علي دين الإسلام‏,‏ ذلك الدين القيم‏,‏ من قبل أن تأتي الآخرة فيصدع بها كل الخلائق‏,‏ ثم يجزي كل بعمله‏,‏ وبأن ما عليه إلا البلاغ‏,‏ وتذكره‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بشيء من قصص الذين جاءوا قبله من الأنبياء والمرسلين‏,‏ وما أصاب الظالمين من أقوامهم من انتقام‏,‏ وأصاب المؤمنين منهم من نصر‏.‏
وخلصت السورة الكريمة إلي الحديث مرة أخري عن البعث وأهواله‏,‏ وعن مصير أهل الشرك والكفر والضلال في الآخرة‏,‏ وعن مصير أهل الإيمان والتقوي فيها‏,‏ وتكرر الإشارة إلي شيء من طبائع النفس الإنسانية‏,‏ ولقد ضرب لها الله‏(‏ تعالي‏)‏ في آيات القرآن الكريم من كل مثل‏,‏ ولكن الذين كفروا لا يؤمنون لأنهم لا يعلمون‏,‏ والله‏(‏ جلت قدرته‏)‏ قد طبع علي قلوب الذين لا يعلمون‏.‏

وتختتم سورة الروم بتثبيت خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بوصية من الله‏(‏ تعالي‏)‏ له ولأمته من بعده بالصبر علي استخفاف الكفار والمشركين بدعوته‏,‏ وتطمئنه بأن الله قد وعده بالنصر‏,‏ وأن وعد الله حق‏,‏ وهو واقع لا محالة‏...‏
وفي ثنايا هذه السورة الكريمة كثر الاستشهاد بالآيات الكونية علي طلاقة القدرة الإلهية في إبداع الخلق‏,‏ وقدرته‏(‏ سبحانه‏)‏ علي إفناء خلقه وإعادة بعثه‏,‏ وفي ذلك من دلائل الوحدانية ما ينفي شبهة الشرك عن الله الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ وفي ذلك أيضا خطاب لأهل عصرنا الذين فتنوا بالعلم ومعطياته فتنة كبيرة‏.‏
</IMG>
الآيات الكونية التي جاءت في سورة الروم كثيرة ويمكن إيجازها في النقاط التالية‏:‏
‏(1)‏ وصف أرض المعركة التي هزمت فيها جيوش الدولة الرومانية الشرقية‏(‏ الدولة البيزنطية‏)‏ أمام جيوش الفرس بوصف أدني الأرض بمعني أخفض الأرض أو أقرب الأرض‏,‏ وأرض المعركة الفاصلة في هذا الصراع كانت في منطقة أغوار وادي عربةـ البحر الميتـ وادي الأردن‏,‏ وقد أثبتت الدراسات الحديثة أنها أخفض بقاع اليابسة علي الإطلاق‏,‏ وهي في الوقت نفسه أقربها إلي شبه الجزيرة العربية أو هي جزء منها‏.‏
‏(2)‏ التنبؤ بغلبة الروم علي الفرس بعد هذه الهزيمة المنكرة ببضع سنين‏,‏ ويروي لنا التاريخ أن هزيمة الروم أمام جيوش الفرس كانت في حدود سنة‏615/614‏ م وأن استعادتهم النصر علي الفرس كان في حدود سنة‏624‏ م والبضع في اللغة هو بين الثلاث والتسع‏.‏

‏(3)‏ التقرير بأن خلق السماوات والأرض قد تم بالحق وأجل مسمي‏,‏ وأن ذلك آية من آيات الله الدالة علي طلاقة قدرته‏.‏
‏(4)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده وأن الخلق جميعهم إلي الله راجعون‏.‏

‏(5)‏ الإشارة إلي حقيقة أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ يخرج الحي من الميت‏,‏ ويخرج الميت من الحي‏,‏ ويحيي الأرض بعد موتها‏,‏ وأن هكذا يكون بعث الخلق من قبورهم‏.‏
‏(6)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ خلق الإنسان من تراب‏.‏

‏(7)‏ خلق الإنسان‏(‏ كغيره من سائر المخلوقات‏)‏ في زوجية من نوعه‏,‏ وجعل الزوجية سكنا للزوجين وراحة نفسية‏,‏ وجعل بينهما مودة ورحمة‏.‏
‏(8)‏ الإشارة إلي اختلاف ألسنة وألوان الناس‏,‏ وهم يرجعون في الأصل إلي أب واحد‏,‏ ودلالة ذلك علي طلاقة القدرة الإلهية الخالقة‏.‏

‏(9)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد جعل الليل سكنا للناس‏,‏ وقد جعل النهار معاشا لهم‏,‏ وعلي الرغم من ذلك‏,‏ فإنه‏(‏ تعالي‏)‏ قد أعطي الإنسان القدرة علي النوم بالنهار‏,‏ كما جعل من الحيوانات ما ينام دوما بالليل‏,‏ ومنها ما ينام دوما بالنهار‏.‏
‏(10)‏ الإشارة إلي ظاهرة البرق‏,‏ وارتباطها بإنزال المطر وإحياء الأرض بعد موتها‏.‏

‏(11)‏ تأكيد علاقة الأرض بالسماء وأنها تقوم بأمر الله‏,‏ والاشارة إلي إخراج الناس من الأرض في يوم البعث‏.‏
‏(12)‏ تقرير أن جميع من في السماوات والأرض هم ملك لله وحده‏,‏ وأن الجميع مطيعون له طاعة انقياد‏,‏ لا يمتنعون عليه في شيء يريد فعله بهم‏,‏ وإن عصاه بعضهم فإن ذرات جسده وخلاياه خاضعة رغم أنفه لله‏.‏

‏(13)‏ أن الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ هو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده وأن له المثل الأعلي في السماوات والأرض‏.‏
‏(14)‏ أنه لا تبديل لخلق الله‏.‏

‏(15)‏ الإشارة إلي الإفساد المادي والمعنوي في كل من البر والبحر بما تكسبه أيدي الناس‏,‏ وأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ سوف يذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون‏.‏
‏(16)‏ الإشارة إلي إرسال الرياح مبشرات برحمة من الله وفضل‏,‏ وعلاقة ذلك بجريان الفلك بأمر الله‏.‏

‏(17)‏ وصف السحاب الطباقي وطرائق تكوينه وإنزال المطر منه بدقة بالغة‏.‏
‏(18)‏ المقارنة بين إحياء الأرض بعد موتها وإحياء الموتي في يوم القيامة‏.‏

‏(19)‏ الإشارة إلي المراحل المتعاقبة في دورة حياة الإنسان من ضعف إلي قوة ثم إلي ضعف وشيبة‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي معالجة مستفيضة لا يتسع لها المجال‏,‏ ولذلك أقصر حديثي هنا علي النقطة الخامسة فقط من القائمة السابقة‏,‏ والتي تعالج قضية مهمة هي إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي‏,‏ وقبل الوصول إلي ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من كبار المفسرين القدامي والمعاصرين في تفسير هذه الآية الكريمة‏..‏

من أقوال المفسرين
في تفسير قوله‏(‏ تعالي‏):‏
"يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون"
‏(‏الروم‏:19)..‏

ذكر ابن كثير‏(‏ رحمه الله‏)‏ ما نصه‏:‏ وقوله تعالي‏:"‏ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي‏ "‏ هو ما نحن فيه من قدرته علي خلق الأشياء المتقابلة‏,‏ فإنه يذكر خلقه الأشياء وأضدادها ليدل علي كمال قدرته‏,‏ فمن ذلك إخراج النبات من الحب‏,‏ والحب من النبات‏;‏ وإخراج البيض من الدجاج‏,‏ والدجاج من البيض‏;‏ والإنسان من النطفة‏,‏ والنطفة من الإنسان‏;‏ والمؤمن من الكافر‏,‏ والكافر من المؤمن‏.‏ وقوله تعالي‏:"‏ ويحيي الأرض بعد موتها ‏"‏ كقوله تعالي‏:"‏ وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون ‏",‏ وقوله تعالي‏::"‏ وتري الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج‏ "‏ ولهذا قال‏:"‏ وكذلك تخرجون‏ ".‏
‏(.)‏ وجاء في تفسير الجلالين‏(‏ رحم الله كاتبيه‏)‏ ما نصه‏:"‏ يخرج الحي من الميت‏ "‏ كالإنسان من النطفة‏,‏ والطائر من البيضة‏,(‏ ويخرج الميت‏...)‏ النطفة والبيضة‏( من الحي‏)(‏ ويحيي الأرض‏)‏ بالنبات‏(‏ بعد موتها‏)‏ أي يبسها‏.‏

‏‏ وذكر صاحب الظلال‏(‏ رحمه الله رحمة واسعة جزاء ما قدم‏)‏ أنه‏:...‏ في كل لحظة يخرج حي من ميت ويخرج ميت من حي‏.‏ وفي كل لحظة يتحرك برعم ساكن من جوف حبة أو نواة فيفلقها ويخرج إلي وجه الحياة‏,‏ وفي كل لحظة يجف عود أو شجرة تستوفي أجلها فتتحول إلي هشيم أو حطام‏,‏ ومن خلال الهشيم والحطام توجد الحبة الجديدة الساكنة المتهيئة للحياة والإنبات‏,‏ ويوجد الغاز الذي ينطلق في الجو أو تتغذي به التربة‏,‏ وتستعد للإخصاب‏,‏ وفي كل لحظة تدب الحياة في جنين إنسان أو حيوان أو طائر‏.‏ والجثة التي ترمي في الأرض وتختلط بالتربة وتشحنها بالغازات هي مادة جديدة للحياة وغذاء جديد للنبات‏,‏ فالحيوان والإنسان‏;‏ ومثل هذا يتم في أغوار البحار وفي أجواز الفضاء علي السواء‏.‏ إنها دورة دائبة عجيبة رهيبة لمن يتأملها بالحس الواعي والقلب البصير‏,‏ ويراها علي هدي القرآن ونوره المستمد من نور الله‏.(‏ وكذلك تخرجون‏)...‏ فالأمر عادي واقعي لا غرابة فيه وليس بدعا مما يشهده الكون في كل لحظة من لحظات الليل والنهار في كل مكان‏!!.‏
‏(.)‏ وجاء في كل من صفوة البيان لمعاني القرآن‏,‏ والمنتخب في تفسير القرآن الكريم‏,‏ وصفوة التفاسير‏(‏ جزي الله كاتبيها خير الجزاء‏)‏ كلاما مشابها لا أري حاجة إلي استعراضه هنا‏.‏

إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي في القرآن الكريم
جاء هذا المعني في أربعة مواضع من القرآن الكريم علي النحو التالي‏:‏
‏(1)"..‏ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب "
‏(‏آل عمران‏:27).‏

‏(2)‏" إن الله فالق الحب والنوي يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأني تؤفكون "‏(‏ الأنعام‏:95).‏
‏(3)"‏ قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون‏ "(‏ يونس‏:31).‏
‏(4)"‏ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون‏ "(‏ الروم‏:19).‏

الدلالة العلمية للآية الكريمة:

تشير هذه الآية الكريمة إلي قدرة الله علي خلق الأحياء من المواد الأولية التي أوجدها مع بدء خلقه للكون‏,‏ وهي مواد ميتة لا روح فيها ولا حياة‏,‏ وبعد انتزاع الروح من الكائن الحي يعود جسده إلي تلك المواد الأولية التي بدأ خلقه منها‏,‏ وبذلك فالله‏(‏ تعالي‏)‏ وحده هو الذي يملك إخراج الحي من الميت‏,‏ وإخراج الميت من الحي‏;‏ وينطبق ذلك علي الخلق الأول للحياة‏,‏ وعلي البعث في الآخرة‏,‏ كما ينطبق علي العمليات الوسطي بينهما من الميلاد‏,‏ والنمو‏,‏ والتكاثر‏,‏ والوفاة‏;‏ وهي عمليات مستمرة إلي قيام الساعة‏,‏ ومنضبطة بسنن كونية‏,‏ وقوانين ربانية ثابتة لا تتوقف ولا تتخلف إلي أن يشاء الله‏,‏ وهذه السنن والقوانين لم يدركها علم الإنسان الكسبي إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ وورود الإشارة إلي حقيقتها في كتاب الله الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة بهذه الدقة البالغة لمما يجزم بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية بل هو كلام الله الخالق‏,‏ ومما يؤكد نبوة هذا النبي الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ ويشهد بصدق رسالته‏,‏ وبأنه‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ كان موصولا بالوحي‏,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏.‏
وقبل الدخول في شرح الدلالة العلمية للآية الكريمة لابد لنا من التفريق بين تعبيري الحي والميت‏.‏

الحي والميت في اللغة العربية‏:‏
‏(‏ الحياة‏)‏ في العربية ضد الموت‏;‏ و‏(‏الحي‏)‏ ضد الميت‏,‏ و‏(‏المحيا‏)‏ من الحياة‏;‏ يقال‏‏ أحياه‏)‏ الله‏(‏ فحيي‏)‏ و‏(‏حي‏),‏ وللجمع‏(‏ حيوا‏),‏ و‏(‏الحيوان‏)‏ ضد الموتان‏.‏
وفي المقابل فإننا نجد أن‏(‏ الموات‏)‏ بالفتح هو كل ما لا روح فيه‏,‏ وهو أيضا الأرض التي لا مالك لها‏,‏ والتي لا ينتفع أحد بها‏;‏ و‏(‏الموت‏)‏ ضد الحياة‏;‏ يقال للحي إذا فارق الحياة أنه قد‏(‏ مات‏)(‏ يموت‏),‏ و‏(‏يمات‏),‏ فهو‏(‏ ميت‏)[‏ بالتشديد والتخفيف‏],‏ وجمعه‏(‏ موتي‏)‏ و‏(‏أموات‏)‏ و‏(‏ميتون‏)[‏ بالتشديد والتخفيف‏],‏ ويستوي في ذلك المذكر والمؤنث‏;‏ و‏(‏الميتة‏)‏ ما لم تلحقه الذكاة‏,‏ و‏(‏الموات‏)‏ بالضم هو‏(‏ الموت‏);‏ يقال‏‏ أماته‏)‏ الله‏(‏ موتة‏);‏ و‏(‏المستميت‏)‏ المتعرض للمخاطر إلي حد الموت‏;‏ و‏(‏المتماوت‏)‏ المتظاهر بالموت من قبيل الرياء‏;‏ ويقال للنوم أنه‏(‏ موت خفيف أو مؤقت‏)‏ و‏(‏للموت‏)‏ أنه نوم ثقيل ودائم إلي يوم البعث‏.‏

الموات في كوننا‏:‏
يتكون الجزء المدرك لنا من الكون في غالبيته من غاز الأيدروجين الذي يشكل أكثر من‏74%‏ من مادة الكون المنظور‏;‏ وغاز الأيدروجين هو أخف العناصر وزنا‏,‏ وأقلها تعقيدا أي أبسطها بناء‏,‏ وهو مادة غير حية‏.‏ ويلي غاز الأيدروجين كثرة في الجزء المدرك لنا من الكون غاز الهيليوم الذي يشكل‏24%‏ من مادة الكون المنظور‏,‏ وهو ثاني العناصر المعروفة لنا‏,‏ ويتكون في داخل الشمس باتحاد أربع من نوي ذرات الأيدروجين وتنطلق الطاقة‏,‏ ومعني ذلك أن باقي العناصر المعروفة لنا التي يزيد عددها علي مائة عنصر تشكل أقل من‏2%‏ من مادة الكون المنظور‏,‏ وهي كلها غير حية‏,‏ وقد أدت هذه الملاحظة إلي الاستنتاج الصحيح بأن جميع العناصر قد تخلقت باتحاذ نوي ذرات الأيدروجين بعملية تعرف باسم الاندماج النووي‏,‏ وهذه العملية تتم في داخل نجوم السماء التي ينظر إليها علي أنها أفران ذرية كونية تتخلق فيها العناصر بالتدريج من أخفها وهو غاز الأيدروجين بعملية الاندماج النووي حتي تصل سلسلة هذه العمليات إلي إنتاج عنصر الحديد الذي لا يتم إنتاجه إلا في داخل النجوم العملاقة وفي مراحل توهجها الشديد المسماة باسم‏(‏ المستعرات العظام‏),‏ وحينما يتحول قلب المستعر الأعظم إلي الحديد يكون قد استهلك طاقته فينفجر هذا النجم الأعظم‏,‏ وتتناثر أشلاؤه في صفحة السماء‏,‏ لتدخل في نطاق جاذبية عدد من الأجرام بتقدير من الله‏(‏ تعالي‏)‏ علي هيئة النيازك ورماد الشهب‏,‏ وقد تتعرض بعض نوي ذرات الحديد في أثناء هذه الرحلة في صفحة السماء لاصطياد عدد من الجسيمات الأولية للمادة ـبتقدير من الخالق سبحانه وتعاليـ فيتكون من العناصر ما هو أعلي وزنا‏,‏ وأعقد بناء من الحديد‏.‏

وباتحاد نوي ذرات العناصر مع الإليكترونات تكونت الذرات‏,‏ وباتحاد الذرات تكونت الجزيئات‏,‏ وباتحادها تكونت المركبات‏.‏
وعندما انفصلت أرضنا عن الشمس‏(‏ أو عن السديم الذي تكونت منه الشمس‏),‏ لم تكن سوي كومة من الرماد ليس بها من العناصر ماهو أعلي وزنا من‏(‏ السيليكون‏),‏ ثم رجمت بوابل من النيازك والشهب الحديدية التي بها بعض العناصر الأعلي وزنا من الحديد‏,‏ فاندفعت تلك المواد العالية الكثافة إلي قلب الأرض الأولية‏(‏ كومة الرماد‏)‏ فانصهرت وصهرتها ومايزتها إلي سبع أراضين‏:‏ لب صلب داخلي أغلبه الحديد والنيكل‏,‏ يليه إلي الخارج لب سائل أغلبه كذلك الحديد والنيكل‏,‏ ثم أربعة أوشحة متتالية تتناقص فيها نسبة الحديد من الداخل إلي الخارج‏,‏ ثم الغلاف الصخري للأرض وبه‏5.6%‏ من الحديد‏,‏ وفي أثناء عملية التمايز تلك تكونت مركبات المعادن التي كونت الصخور الأولية‏(‏ النارية‏),‏ والتي بدأت بها دورة الصخور‏.‏ ومن الصخور النارية تكونت كل من الصخور الرسوبية والمتحولة‏,‏ ومع تكون الصخور النارية‏,‏ عبر المتداخلات النارية‏,‏ والثورات البركانية أخرج الله‏(‏ تعالي‏)‏ من داخل الأرض ماءها‏,‏ وغلافها الغازي‏,‏ وهذه النطق الثلاث‏:‏ الغلاف الصخري‏,‏ والمائي‏,‏ والغازي كلها مواد ميتة لا روح فيها ولا حياة‏.‏
ويقدر عمر الأرض بنحو‏4600‏ مليون سنة‏,‏ بينما يقدر عمر أقدم أثر للحياة علي سطحها بنحو‏3800‏ مليون سنة‏,‏ أي أن الأرض أخذت ثمانمائة مليون سنة علي الأقل من أجل إعدادها لاستقبال الحياة‏,‏ والله‏(‏ تعالي‏)‏ قادر علي أن يقول للشيء كن فيكون‏,‏ ولكن هذا التدرج قصد به أن يفهم الإنسان سنن الله في الخلق‏,‏ وأن يحسن توظيفها في عمارة الأرض‏,‏ وفي حسن القيام بواجبات الاستخلاف فيها‏.‏

الأحياء علي أرضنا‏:‏
يحيا علي يابسة أرضنا اليوم‏,‏ وفي مياهها‏,‏ وتحت هوائها من صور الحياة المدركة بلايين البلايين من الأفراد التي تنطوي في نحو المليوني نوع من أنواع الحياة‏,‏ تجمع في ست ممالك هي‏:‏ البدائيات‏,‏ الطلائعيات‏,‏ الفطريات‏,‏ النبات‏,‏ الحيوان‏,‏ والإنسان‏..‏ التي ينقسم كل منها إلي عدد من القبائل‏,‏ والفصائل‏,‏ والرتب‏,‏ والأجناس‏,‏ والأنواع‏.‏
وبمعدل الاكتشافات الحالية يتوقع العلماء أن عدد الأنواع التي عاشت علي الأرض واندثرت‏,‏ والتي تعيش اليوم سوف يصل إلي نحو خمسة ملايين نوع من أنواع الحياة‏,‏ يمثل كل نوع منها ببلايين الأفراد‏,‏ ويتراوح متوسط عمر كل نوع من أنواع هذه الحياة بين نصف مليون سنة وخمسة ملايين من السنين‏.‏
وكل نوع من أنواع هذه الحياة أعطاه الله‏(‏ تعالي‏)‏ القدرة علي القيام بجميع العمليات الحيوية من أمثال التغذية‏,‏ والقدرة علي القيام بالتمثيل الغذائي‏(‏ الأيض‏),‏ وعلي الإخراج‏,‏ والتنفس‏,‏ والنمو‏,‏ والتكاثر‏,‏ والتكيف‏,‏ والحركة‏.(‏ باستثناء النبات‏),‏ والإحساس‏,‏ إلي غير ذلك من الميزات التي تستخدم للتفريق بين الأحياء والأموات‏(‏ الموات‏)‏ في كوننا المدرك‏.‏

إخراج الحي من الميت‏:‏
إن قضية الخلق بأبعادها الثلاثة‏:‏ خلق الكون‏,‏ خلق الحياة‏,‏ وخلق الإنسان هي من القضايا الغيبية التي لا تخضع لإدراك الإنسان‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
"ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض‏,‏ ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا‏ "(‏ الكهف‏51).‏
ولكن القرآن الكريم الذي أنزل فيه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ قراره هذا يقول لنا أيضا فيه‏:‏

"قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله علي كل شيء قدير "‏(‏ العنكبوت‏:20).‏
وبالجمع بين هاتين الآيتين الكريمتين يتضح لنا بجلاء أنه علي الرغم من كون عملية الخلق عملية غيبية غيبة كاملة‏,‏ لم يشهدها أحد من المخلوقين إلا أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ من رحمته بنا أبقي لنا في صخور الأرض وفي صفحة السماء من الشواهد الحسية ما يمكن أن يعين الإنسان علي وضع تصور ما عن كيفية الخلق‏,‏ ويبقي هذا التصور متأثرا بخلفية واضعه‏,‏ فتتعدد النظريات في قضية الخلق تعددا كبيرا‏,‏ ويبقي للمسلم نور من الله‏(‏ تعالي‏)‏ في آية قرآنية كريمة‏,‏ أو في حديث نبوي صحيح السند عن رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ يمكن أن يعينه علي أن يختار من بين هذه التصورات أو النظريات واحدة تتفق مع النص القرآني أو مع الحديث النبوي الصحيح أو معهما معا فيرتقي بهذه النظرية إلي مستوي الحقيقة انتصارا للعلم بالقرآن الكريم أو بالحديث النبوي الشريف وليس العكس‏,‏ وهذه منزلة من منازل العلم لا يرقاها إلا المسلم‏.‏
وتحدث الدهريون عن التطور الكيميائي‏,‏ ومن بعده عن التطور العضوي‏,‏ ونحن معشر المسلمين لا اعتراض لنا علي ذلك لأن الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أولي الناس بها كما علمنا المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ فإذا كان المقصود بالتطور هو تدرج عمارة الأرض بأنماط من الخلق تزداد تدريجيا في العدد وفي تعقيد البناء‏,‏ فهذا حق يقوم عليه الدليل وتؤكده الملاحظة‏,‏ وتدعمه الحجة‏,‏ ولكن أعداء الدين انطلقوا بهذه الملاحظة الصحيحة إلي ثلاثة استنتاجات خاطئة تماما هي‏:‏

‏(1)‏الإدعاء بعشوائية الخلق الأول‏:‏
والملاحظة العلمية الدقيقة تشجب ذلك وترفضه‏,‏ لأن هذا الفرض يقتضي عشوائية بناء الحمض الأميني‏(‏ وهو لبنة بناء الجزيء البروتيني الذي هو لبنة بناء الخلية الحية‏),‏ وعشوائية تجمع هذه الأحماض الأمينية لبناء مائتي ألف نوع من الجزيئات البروتينية‏,‏ والتي تجمعت عشوائيا لبناء أول خلية حية‏,‏ التي تشعبت من بعد إلي ملايين الأنواع من أنواع الحياة التي مثل كل نوع منها ببلايين الأفراد‏,‏ بطريقة عشوائية محضة والحقيقة العلمية المؤكدة هي أن كلا من الحمض الأميني والجزيء البروتيني علي قدر من التعقيد في البناء‏,‏ والدقة في ترابط الذرات والجزيئات لا يمكن للصدفة أن تصنعه أبدا‏...!!‏

‏(2)‏ الإدعاء بعشوائية التدرج في الخلق‏:‏
وهذا الافتراض ترفضه أيضا الملاحظة العلمية الدقيقة لأن لكل نوع من أنواع الحياة عددا محددا من الصبغيات التي تحمل شفرته الوراثية وتتحكم في صفاته ونشاطاته ومنها الانقسام والتكاثر‏,‏ وهذه الشفرة الوراثية علي قدر من الدقة والتعقيد لا يمكن للصدفة أن تكون قادرة علي إبداعه أبدا‏.‏
ثم إن عملية تدرج عمارة الأرض بأنماط الحياة تمت بإتقان معجز‏,‏ لعب فيه كل طور من أطوار الحياة دورا في إعداد الأرض للطور التالي‏,‏ ولا يمكن للصدفة أبدا أن ترتب ذلك‏.‏ ثم إن هناك انقطاعات في سجلات الحياة الأحفورية تؤكد حقيقة الخلق‏,‏ وتنفي عشوائية التدرج‏.‏

‏(3)‏ الإدعاء بعشوائية ظهور الإنسان عن هذه السلسلة الطويلة من الخلق‏:‏
وهذا أيضا هروب مقصود من الاعتراف بالخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ والملاحظات العلمية الدقيقة ترفضه ولا تؤيده‏.‏ فتمايز الشفرة الوراثية للإنسان‏,‏ وتحديد عدد الصبغيات التي تحملها‏,‏ وما ميز الله‏(‏ تعالي‏)‏ به الإنسان من صفات تشريحية ونفسية‏,‏ وقدرات عقلية تنفي ذلك الزعم وتدحضه‏,‏ وتمايز الهيكل العظمي للإنسان فوق أعلي مخلوق قبله كصفة وحيدة تنفي تخرص المتخرصين‏,‏ وتزييف المزيفين‏,‏ لأن هذا القدر من التمايز لا يمكن أن يتم في الفترة الزمنية القصيرة التي عاشها نوع الإنسان علي الأرض‏,‏ أضف إلي ذلك ذكاء الإنسان‏,‏ وقدرته علي الكلام‏,‏ ومهاراته المختلفة‏,‏ وقدرته علي الشعور‏,‏ والانفعال‏,‏ والتعبير عن ذلك‏,‏ وقدراته علي كسب المعارف والمهارات وتعليمها‏,‏ كل ذلك يؤكد الخلق الخاص للإنسان وفصله عن كل صور الحياة من قبله‏.‏
وإن قدرة الشفرة الوراثية في الإنسان علي الانقسام وتكرار نفسها ترد الجنس البشري كله إلي أب واحد هو آدم‏(‏ عليه السلام‏)‏ وفوق ذلك كله فإن دقة بناء الخلية الحية‏,‏ وإحكام عملها‏,‏ وانضباط كل نشاطاتها علي الرغم من ضآلة حجمها‏(‏ أقل من جزء من عشرة ملايين جزء من الملليمتر المكعب‏),‏ تنفي ذلك فلها جدارها الذي يبدو كالسور العظيم الذي تتخلله بوابات تفتح وتغلق بانتظام معجز‏,‏ ولها جيوش دفاعية‏,‏ وأخري هجومية‏,‏ وثالثة احتياطية‏,‏ ولها قوي وأجهزة كهرومغناطيسية‏,‏ ولها مسئولون عن التموين‏,‏ وقدرة علي تصنيع أكثر من مائتي ألف نوع من أنواع البروتينات‏,‏ ولها علاقات داخلية منضبطة‏,‏ وأخري خارجية مع غيرها من الخلايا الموجودة حولها‏,‏ ولها شفرة وراثية معجزة‏,‏ وغير ذلك من الصفات التي لا يتسع المقام لسردها‏,‏ وهذا كله لا يمكن أن يكون للصدفة دور فيه‏.‏

وخلق الخلية الحية من عناصر الأرض الميتة هو أعظم صور إخراج الحي من الميت التي أشارت إليها الآية الكريمة‏,‏ وكذلك إعادة بعثها في يوم القيامة‏.‏
ومن صور ذلك أيضا قدرة الخالق المبدعة التي أعطاها لكل كائن حي لتحويل عناصر الأرض وجزيئات الماء والهواء‏(‏ وكلها من المواد الميتة‏)‏ بتقدير من الله‏(‏ تعالي‏)‏ إلي مواد حية كما يحدث في عملية التمثيل الضوئي التي تقوم بها النباتات الخضراء فتأخذ عناصر الأرض والماء من التربة‏,‏ وتأخذ ثاني أوكسيد الكربون من الجو والطاقة من الشمس‏,‏ في وجود صبغة خضراء تعرف باسم‏(‏ اليخضور‏)‏ أو غيرها من الصبغات النباتية وبعض الإنزيمات التي يفرزها النبات لتكوين الكربوهيدرات من مثل السكر‏,‏ والنشا‏,‏ والسيليلوز وهي مواد في غاية الأهمية لأنها تعد مكونات أساسية في بناء مختلف أجزاء النبات وفي طعام كل من الإنسان والحيوان‏.‏

وفي كل من الإنسان والحيوان وفي بعض النباتات تتحول المواد الغذائية من الكربوهيدرات وغيرها إلي البروتينات وهي مركبات عضوية تتكون من جزيئات معقدة باتحاد ذرات الكربون والأيدروجين بذرات كل من الأوكسجين والنيتروجين‏,‏ بالإضافة أحيانا إلي ذرات الكبريت أو الفوسفور‏.‏ وتتكون كل الأنسجة الحية في الإنسان والحيوان من البروتينات التي تعد الوحدات الأساسية في بناء مختلف الخلايا الحية‏,‏ وتقوم بالعديد من الدعم والحركة في كل من العضلات والعظام‏,‏ وفي عمليات نقل الدم ورسائل الأعصاب‏,‏ وفي حفز مختلف التفاعلات الحية في الخلايا من مثل ما تقوم به بعض الإنزيمات والهرمونات وكلها من البروتينات‏.‏
وأجساد الكائنات الحية تتجدد باستمرار ماعدا الخلايا العصبية‏,‏ فجسم الانسان يفقد من خلاياه في كل ثانية حوالي‏125‏ مليون خلية في المتوسط تتهدم وتموت‏,‏ ويتكون غيرها في الحال‏.‏
هذه صورة من صور إخراج الحي من الميت واخراج الميت من الحي حيث تتحرك المواد الميتة بين الأرض‏,‏ ومائها‏,‏ وهوائها‏,‏ والطاقة القادمة إليها من الشمس لتخليق المواد اللازمة لبناء الخلية الحية من الكربوهيدرات والبروتينات وغيرها من المواد التي تنبني منها الخلايا الحية الجديدة في كل من عمليات النمو والتكاثر‏,‏ فإذا ما ماتت هذه الكائنات الحية عادت مكوناتها إلي كل من الأرض‏,‏ ومائها‏,‏ وهوائها ليخرج الله‏(‏ تعالي‏)‏ الميت من الحي وهذه حقائق لم يدركها الإنسان إلا في أواخر القرن العشرين‏..‏ فسبحان الذي أنزل القرآن بعلمه‏,‏ علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ ليكون حجة علي أهل عصرنا الذين فتنوا بالعلم ومعطياته فتنة كبيرة‏,‏ حجة قائمة علي الذين ينكرون ربانية القرآن‏,‏ ونبوة خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ وهي حجة بالغة علي كل كافر ومشرك ومتشكك‏...‏"والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏ " (يوسف‏:21)