المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موسوعة الكتابة



المفكر
13-02-2005, 02:08 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا الموضوع سيختص بالكتابة من حيث تعريفها وتاريخها وفضلها وأنواعها وما يتعلق بها

فنأمل منكم التفاعل معنا.

المفكر
13-02-2005, 02:09 AM
تعريف الكتابة لغة واصطلاحا


في اللغة مصدر كتب يقال‏:‏ كتب يكتب كتباً وكتاباً وكتابة ومكتبة وكتبة فهو كاتب ومعناها الجمع يقال تكتبت القوم إذا اجتمعوا ومنه قيل لجماعة الخيل كتيبة وكتبتن البغلة إذا جمعت بين شفريها بحلقة أو سير ونحوه ومن ثم سمي الخط كتابة لجمع الحروف بعضها إلى بعض كما سمي خرز القربة كتابة لضم بعض الخرز إلى بعض‏.‏

قال ابن الأعرابي‏:‏ وقد تطلق الكتابة على العلم ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ أم عندهم الغيب فهم يكتبون ‏"‏ أي يعلمون‏.‏

وعلى حد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في كتابه لأهل اليمن حين بعث إليهم معاذاً وغيره ‏"‏ إني بعثت إليكم كاتباً ‏"‏ قال ابن الأثير في غريب الحديث أراد عالماً‏.‏

سمي بذلك لأن الغالب على من كان يعلم الكتابة أن عنده علماً ومعرفة وكان الكاتب عندهم قليلاً وفيهم عزيزاً‏.‏

أما في الاصطلاح فقد عرفها صاحب مواد البيان‏:‏ بأنها صناعة روحانية تظهر بآلة جثمانية دالة على المراد بتوسط نظمها‏.‏

ولم يبين مقاصد الحد ولا ما دخل فيه مللا ما خرج عنه غير أنه فسر في موضع آخر معنى الروحانية فيها بالألفاظ التي يتخيلها الكاتب في أوهامه ويصور من ضم بعضها إلى بعض صورة باطنة قائمة في نفسه‏.‏

والجثمانية بالخط الذي يخطه القلم وتقيد به تلك الصورة وتصير بعد أن كانت صورة معقولة باطنة صورة محسوسة ظاهرة‏.‏

وفسر الآلة بالقلم وبذلك يظهر معنى الحد وما يدخل فيه ويخرج عنه ولا شك أن هذا التحديد يشمل جميع ما يسطره القلم مما يتصوره الذهن ويتخيله الوهم فيدخل تحته مطلق الكتابة كما هو المستفاد من المعنى اللغوي‏.‏

المفكر
13-02-2005, 02:10 AM
تعريف الكتابة


وعرف ابن خلدون بقوله : الكتابة من خواص الإنسان التي يتميز بها عن الحيوان , وأيضا فهي تطلع على ما في الضمائر وتـتأدى بها الأغراض
الى البلاد البعيدة فتقضى الحاجات.
وعرفها آخرون بقولهم : الكتابة نقوش مخصوصة ذات أصول بها تعرف تأدية الكتابة بالصحة ويقال لها فن رسم الحروف.

وقال أديب إسحاق:الكتابة صناعة يراد بها التعبير عن الخواطر والمحسوسات بوضع صحيح , وأسلوب صريح , في ثلاثة أركان :
1 - الخاطر المراد إيضاحه وهو الإنشاء.
2 - والوضع الذي يبدو به ذلك الإيضاح وهو البيان
3- والكيفية التي يحصل بها ذلك وهو الأسلوب.

المفكر
13-02-2005, 02:11 AM
تاريخ الكتابة( أوالخـط)

قيل‏:‏ أول من وضع الخط آدم عليه السلام، كتبه في طين، وطبخه ليبقى بعد الطوفان‏.‏
وقيل‏:‏ إدريس، وعن ابن عباس أن أول من وضع الخط العربي ثلاثة رجال من بولان، قبيلة من طي، نزلوا مدينة الأنبار فأولهم‏:‏ مراز وضع الصور، وثانيهم‏:‏ أسلم وصل وفصل، وثالثهم‏:‏ عامر وضع الأعجام، ثم انتشر‏.‏
وقيل‏:‏ أول من اخترعه ستة أشخاص من طلسم أسماؤهم‏:‏ أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت، فوضعوا الكتابة والخط، وما شذ من أسمائهم من الحروف وألحقوها، ويروى‏:‏ أنها أسماء ملوك مدين‏.‏
وفي السيرة لابن هاشم‏:‏ أن أول من كتب الخط العربي، حمير بن سبأ‏.‏
قال السهيلي في ‏(‏‏(‏التعريف والأعلام‏)‏‏)‏ والأصح ما رويناه من طريق ابن عبد البر، يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال‏:‏ أول من كتب بالعربية إسماعيل عليه السلام‏.‏
قال أبو الخير‏:‏ واعلم أن جميع كتابات الأمم اثنتا عشرة كتابة‏:‏ بالعربية، والحميرية، واليونانية، والفارسية، والسريانية، والعبرانية، والرومية، والقبطية، والبرية، والأندلسية، والهندية، والصينية‏.‏
فخمس منها اضمحلت، وذهب من يعرفها، وهي‏:‏ الحميرية، واليونانية، والقبطية، والأندلسية، والبريرية‏.‏
وثلاثة بقي استعمالها في بلادها، وعدم من يعرفها في بلاد الإسلام، وهي‏:‏ الرومية، والهندية، والصينية‏.‏
وبقيت أربع هي المستعملات في بلاد الإسلام هي‏:‏ العربية، والفارسية، والسريانية، والعبرانية ‏(‏2/ 266‏)‏‏.‏
أقول‏:‏ في كلامه بحث من وجوه‏.‏
أما أولا‏:‏ فلأن الحصر في العدد المذكور غير صحيح، إذ الأقلام المتداولة بين الأمم الآن أكثر من ذلك سوى المنقرضة، فإن من نظر في كتب القدماء المدونة باللغة اليونانية والقبطية، وكتب أصحاب الحرف الذين بينوا فيها أنواع الأقلام والخطوط، علم صحة ما قلنا، وهذا الحصر يبنى عن قلة الإطلاع‏.‏
وأما ثانيا‏:‏ فلأن قوله خمس منها اضمحلت ليس بصحيح أيضاً لأن اليونانية مستعملة في خواص الملة النصرانية أعني‏:‏ أهل أقاديميا المشهورة الواقعة في بلاد إسبانيا وفرنسا ونمسه وهي مماليك كثيرة واليونانية أصل علومهم وكتبهم‏.‏
وأما ثالثا‏:‏ فلأن قوله وعدم من يعرفها في بلاد الإسلام وهي الرومية كلام سقيم أيضاً، إذ من يعرف الرومية في بلاد الإسلام أكثر من أن يحصى وينبغي أن يعلم أن الرومية المستعملة في زماننا منحرفة من اليونانية بتحريف قليل، وأما القلم المستعمل بين كفرة الروم فغير القلم اليوناني‏.‏
وأما رابعا‏:‏ فلأن جعله السريانية والعبرانية من المستعملات في بلاد الإسلام ليس كما ينبغي لأن السرياني خط قديم بل هو أقدم الخطوط منسوب إلى سوريا وهي البلاد الشامية وأهلها منقرضون فلم يبق منهم أثر ثبت في التواريخ والعمرانية المستعملة فيما بين اليهود، وهي مأخذ اللغة العربية وخطها‏.‏ والعبراني يشبه العربي في اللفظ والخط مشابهة قليلة‏.‏

المفكر
13-02-2005, 02:13 AM
فضل الكتابة

أعظم شاهد لجليل قدرها وأقوى دليل على رفعة شأنها أن اللهّ تعالى نسب تعليمها إلى نفسه وآعتدّه من وافر كرمه وإفضاله فقال عز آسمه‏:‏ ‏"‏ أقرأ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم عَلَّمَ الإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ‏"‏ مع ما يُروي أن هذه الآية والتي قبلها مفتَتَح الوحي وأوّل التنزيل على أشرف نبيّ وأكرم مرسَل صلى الله عليه وسلم وفي ذلك من الاهتمام بشأنها ورفعة محلها ما لا ثم بيَّن شرفها بأن وصف بها الحَفَظة الكِرام من ملائكته فقاق جلَّت قدرته‏:‏ ‏"‏ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كاتبِين ‏"‏ ولا أعلى رتبه وأبذخ شرفاً مما وصف وصف الله تعالى به ملائكته ونعت به حفظته ثم ذات ذلك تأكيداً ووفر محله اجلالاً وتعظيماً بأن أقسم بالقلم وهو الة الكتابة و ما يسطر به فقال تقدست عظمته ‏"‏ ن والقلم ومايسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون ‏"‏ والإقسام لا يقع منه سبحانه إلا بشريف ما أبدع وكريم ما آخترع‏:‏ كالشمس والقمر والنجوم ونحوها إلي غير ذلك من ألايات الدالة على شرفها رفعة قدرها‏.‏

ثم كان نتيجةُ تفضيلها واثرة تعظيمها وتبجيلها أن الشارع نَدَب الي مقصدها السنى وحثً على مطلبها الأغنى ففال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ قيِّدُوا العِلْم بالكتاب مشيراً الي القرض المطلوب منها وغايتتها المجتناة من ثمرتها وذلك أن كان ذيَ صَنْعة لا بدَ له في معانات من مادة جسمية تظهر فيها الصورة والة تؤىّ الى تصويرها وغرض ينقطع الفعل عنده وغاية تسْتَثْمر من صنعته‏.‏

والكتابة أحدى الصنائع فلا بدَّ فيها من الأمور الأربعة‏.‏

فمادتها الألفاظ ألتي تخَيَّلها الكاتب في أوهامه وتصوًر مِن ضم بعضها إلى بعض صورةً باطنة في نفسه بالقوة ة والخَطُّ الذي يخطه القلم ويقيد به تلك الصُّوَر وتصير بعد أن كانت صورة معقولة باطنة صورةً محسوسة ظاهرة - وآلتها القلم‏.‏

وغرضها الذى ينقطع الفعل عنده تقييدُ الألفاظ بالرسوم الخطية فتكمل قوّة النطق وتحصل فائدة للأبْعد كما تحصل للأقرب وتحفظ صًوره ويؤمن عليه من التغير والتبدل وأاضًياع‏.‏

وغايتها الشيء المستثمر منها وهي انتظام جمهور المَعاون والمَرافق العظيمة العائدة في أحوال الخاصة والعامّة بالفائدة الجسيمة في أمور الدين والدنيا‏.‏

ولما كان التقيد بالكتابة هو المطلوب وقع الحفُرّ من الشارع عليه والحث على ألاعتناء به تنبيهاً على أن الكتابة من تمام الكمال من حيث أن العمر قصير والوقائعَ متسعة وماذا عسى أن يحفظه الإِنسان بقلبه أو يحصلَه في ذهنه‏.‏

لاد ذو الرمة لعيسى بن عمر‏:‏ ‏"‏ اكتب شِعِرِي فالكتابُ أعجبُ إليّ من الحفظ إن الأعرابيّ لينسى الكلمة قد سَهِرتُ في طلبها ليلةً فيضَع موضِعَها كلمة في وزنها لا تساويها والكتاب لا ينسى ولا يبدّل كلاماً بكلام ‏"‏‏.‏

وقد أطنب السلف في مدح الكتابة والحث عليها فلم يتركوأ شأْوًا لمادح حتّى قال سعيد بن العاص‏:‏ ‏"‏ مَنْ لم يكتبْ فيمينه يُسرى ‏"‏‏.‏

وقال مَعن بن زائدة‏:‏ ‏"‏ إذأ لم تكتب اليد فهي رِجْل ‏"‏‏.‏

وبالغ مكحول فقال‏:‏ لا دية ليد لا تكتُب ‏"‏‏.‏

قال الجاحظ‏:‏ ولو لم يكن من فضل الكتابة إلا انه لا يسَجِّل نبيّ سِجِلأً ولا خليفة مرضيّ ولا يقرأ كتاب على منبر من منابر الدنيا إلا إذا آستُفْتِح بذكر اللهّ تعالى وذكر رسوله صلى الله عليه وسلم وذكر الخليفة ثم يذكر الكتاب كما هو مشهور في السجلات التي سجلها رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم لأهل نَجران وغيرهم وأكثرها بخط أمير المؤْمنين عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه في شرفه ونبله وسابقته ونجدته‏.‏

ومن ثم قال المؤيد‏:‏ ‏"‏ الكتابة أشرف مناصب الدنيا بعد الخلافة إليها ينتهِي الفضل وعندها تقف الرغبة ‏"‏‏.‏

ومن كلام أبي جعفر ‏"‏ الفضل بن أحمد ‏"‏ في جملة رسالة الكتابة أس المُلك وعماد المملكة وأغصان متفرقة من شجرة واحدة‏.‏

والكتابة قُطْب الأدب وملاك الحكمة ولسان ناطق بالفصل وميز أن يدل على رجَاحة العقل الكَتابة نور العلم وفِدَامة العقول ومَيْدأن الفضل والعدل‏.‏

والكتابة حلْية وزينة ولَبُوس وجمال وهَيْبة ورُوح جارية في أقسام متفرقة والكتابة أفضل درجةً ‏"‏ آرفع منزلة و من جهل حق الكتابة فقد وُسِم بوسم الغواة الجَهَلة وبالكتابة والكتَّاب قأمت السياسة والرياسة ولو أن فضلاً ونُبْلاً تصوّرا جميعاً تصوروت الكَتابة ولو ان في الصناعات صناعةً مربُوبة لكانت الكتابة ربًّا لكل صنعة ‏"‏‏.‏

قال صاحب موادّ البيات‏:‏ ومن المعلومات جميع الصنائع وسائل إلى دَرك المطالب ونَيل الرغائب و ان عوأئدها متفاضلة في الكثرة والقلة بحسب تفاضلها في الرفعةْ والضَّعة إذ كان منها ما لا يفي بالبُلْغة من قوَام العيش‏:‏ نحو الصنائع المهِينة السُّوقية الداخلةِ في المرافق العامية ومنها ما يوصل إلى الثروة ويجاوز حدّ الكفاية ويْحظى بالمال والنِّعم الخطيرة وهي الصنائع الخاصَة وإِذأ تؤمل ما هذه صفته منها علِم انه ليس منها ما يلحق بصناعة الكَتابة وألا يساويها في هذا النوع ولا ما يكسب ما تُكْسِبه من الفوائد والمعاون مع حصول الرفاهِيَة والتنزه عن دَنَاءة الَمكاسب ولا ما يوصل إليه من الحظوية ورَفاهِيَة العيش ومشاركة الملوك في آقتتاء المساكن الفسيحة والملابس الرفيعة والمراكب النبيلة والدوابّ النفيسة والخَدَم المستحسَنة وغير ذلك من آلات المروءة والأدوات الملوكية في أقرب المُدَد وأقل الأزمنة وناهيك بذلك من فضل هذه الصناعة وشرفها وآرتفاع خَطَرها وسمو قَدْرها إذ كان لها سَعَة لمثل هذه الجدوى التي لا يوجد مثلها في غيرها من الصنائع‏.‏

وكفى بالكتابة شرفاً ان صاحب السيف يزاحم الكاتب في قلمه ولا يزاحمه الكاتب في سيفه‏.‏

قال في موادّ البيان‏:‏ ‏"‏ ومن ثَمّ صار السلطان الذي هو رئيسُ الناس ومستخْدِم أرباب كلِّ صناعة ومُصَرِّفهم على أغراضه يفتخر بأن تكون فضيلتها حاصلةً له مع ترفُّعه عن التلبس بصناعة من الصنائع الحسنة وأَنَفته أن يقر اسمٌ من أسمائها عليه ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وذلك انا نرى كل ملك وسلطان يُوْثر ان يكونَ له حظ من بلاغة العِبارة وجَوْدة الخط وفي ذلك ما يدل على انها أشرث الصنائع رتبةً وأعلاها درجة وأن المشاركين للسلطان فيها ممن تكتنفه سياسته أفضلُ من سائر المُتَّصِلين بغيرها من الصنائع الاخَرة فقد عُلم ان الصنائع كلَّها مَعاوِن ومَرَافق لا تنتظم عِمَارة العالم إلا بتضافرها ومُرأفَدَةِ بعضها لبعض‏.‏

وإنها على ضريين‏:‏ خاصية وعامية فالعاميَّة صنائع المَهَنة وأهل الأسواق والحِرَف وإن شاركهم الخاصَة في الحاجة إليها لأنّ بها تنتظم أمورُ المعاملات وتعمر البلاد والخاصية التي تقع في حيِّز الملوك والسلاطين ويتوزَّعها أعوانُهم و اتباعهم وهذه الصنائع انما يقع التميير بين أقدارها بالنظر إلى مقدار عائدتها في أمور المُلك والسلطان والرعية مما كان معلَّقاً بالأمر الأهمّ وكانت لحاجة إليه ألزم وقدر المنفعة به أجسم والفساد العائد بوقع خَلَل فيه على أسباب المملكة أعظم ة ومرتبته في الصنائع الخاصة أشرف وألطف‏.‏

وليس من الصنائع صناعةٌ تجمع هذه الفضائل إلا صناعة الكتابة وذلك لان الملك يحتاج في انتظام أمور سلطانه الإ ثلاثة أشياء لا ينتظم ملكه مع وقوع خلل فيها‏:‏ أحدها رسم ما يجب ان يُرْسَم لكلٍّ من العمال والمكاتبِين عن السلطان ومخاطبتهم بما تقتضيه والثانىِ آستخراج الأموال من وجوهها وآستيفاء الحقوق السلطانية فيها‏.‏

والثالث تفريقها في مستحقها من أعوان الدولة وأوليائها الذين يحمُون حَوْزَتها ويسدُّون ثُغورها ويحفظون أطرافها ويذبّون عنها وعن رعاياها وغير ذلك من وجوه النفقات الخاصة والعامة ة ومعلومات هذه الأعمال لا يقوم بها إلا كُتَّاب السلطان ولا سبيل للكُتَّاب إلى الكتابة فيها إلا بالتدبر في صناعة الكتابة فهي إذَنْ من أشرف الصنَائع لعظيم عائدتها على السلطان ودولته‏.‏

قال الجاحظ‏:‏ ‏"‏ من أبْيَن فضلها ان جعلت في عِلْية الناس ‏"‏‏.‏

قال صاحب موادّ البيان‏:‏ ‏"‏ وقد عُرِفات الذين وضعوها وابتدهوها ورسموا رسومها هم الأنبياء عليهم السلام ‏"‏‏.‏

وقد ذكر علماء التاريخ ان يوسف عليه السلام كان يكتُب للعزيز وهارونَ ويوشع بن نون كانا يكتبانِ لموسى عليه السلام وسليمان بن دواد كان يكتب لأبيه وآصف بن برخيا ويوسف بن عنقا كانا يكتبان لسليمان عليه السلام ويحيى بن زكريا كان يكتب للمسيح عليه السلام‏.‏

وقد انتقل جماعة منها الإ الخلافة‏.‏

فأبو بكر كان يكتب لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثم صارت الخلافة إليه بعد ذلك‏.‏

وعمر بن الخطاب كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ثم صارت الخلافة إليه‏.‏

وعثمان بن عفان كان لكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ثم كتب لأبي بكر بعده ثم صارت الخلافة إليه‏.‏

ومعاوية كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ثم صارت إليه فيما بعْد وعبد الملك بن مروان كان يكتب لمعاوية بن أبي سفيان ثم انتقل الأمر إليه‏.‏

إلى غير هؤلاء من أهل هذه الصنعة ممن فَرَع الذروة العَليَّة من السيادة والسَّنام الباذخ من الرياسة على تغير الدّول وتنقلها بين العرب والعجم ة وفي ذلك ما يدل على علوِّ خَطَرها وآرتفاع قدرها‏.‏

قال صاحب العقد‏:‏ وقد تنبه قوم بالكتابة بعد الخُمُول وصاروا إلى الرتب العلية والمنازل السنية‏.‏

منهم سرجون بن منصور الرومي كان روماً خاملاً فَرَفعته الكتابة وكتب لمعاوية ويزيدَ بن معاوية ومَرْوانَ بن الحكم وعبدِ الملك بن مَرْوان ة ومنهم حَسَان النَّبَطيّ كاتب الحجاج وسالمٌ مولى هشام بن عبد الملك وعبد الحميد الأكبر وعبد الصمد وجَبَلة بن عبد الرحمن وقَحْذم جدّ الحجاج بن هشام القَحْذَميّ وهو الذي قلب الدواوين من الفارسية إلى العربية والربيعُ والفضلُ بن الربيع ويعقوب بن داود ويحيى ابن خالد وجعفر بن يحيى وابن المقفَع والفضل بن سهل والحسن بن سهل وجعفر بن الأشعث وأحمد بن يوسف وأبو عبد السلام الجُنْد َيْسابوريّ‏.‏

وأبو جعفر محمد بن عبد الملك الزيات والحسنُ بن وهب وإبراهيم بن العباس الصولي ونجاح بن سلمة وأحمد بن عبد العزيز‏.‏

وزاد صاحب الريحان والريعان‏:‏ مروانَ بن الحكم وعبد َالملك بنَ مروان‏.‏

قلت‏:‏ وهؤلاء بعض من شرفته الكتابة ورفعت قدره ولو اعتبر من شرُف بالكتابة وارتفع قدرُه بها لفاتوا الحصر وخرجوا عن الحدّ‏.‏

وهذا الوزير المهلبيّ كان في أوّل أمره في شدّة عظيمة من الفقر والضائقة وكان قد سافر مرة ولقي في سفرهِ ضيقةً حتى اشتهى اللحم ولم يقدر عليه فقال آرتجالاً‏:‏ ألا مَوْت يُبَاعُ فأشْتَرِيه‏!‏ فهذا العَيْشُ ما لا َخيْرَ فيه‏!‏ ألا موت لذيذُ الطعْم ياتي يُخَلِّصنِي من المَوْتِ الكريهِ‏!‏ ألارَحِمَ المُهَيْمنُ نَفْسَ حُرٍّ تصدّق بالوَفَاةِ على أخيه‏!‏ وكان معه رفيق له فاشترى لحماً وأطعمه‏.‏

ثم ترقّى بالكتابة حتَّى وُزِّر لعزّ الدولة بن بويه الديلمي في جلالة قدره‏.‏

وهذا القاضي الفاضل أصله من بَيْسان من غير بيت الوزارة رفعتْه الكتابة حتَّى وُزِّر للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وعلَتْ رتبته عنده حتى بلغ من رتبته لديه ان كان يكتب في كتب السلطان صلاح الدين عن نفسه بما أحب فكتب مرةً‏:‏ السلام على الملك العزيز آبن السلطان صلاح الدين في كتاب عن أبيه ثم كتب شعراً منه‏:‏ وغريبةٍ قد جِئْتُ فيها أوّلاً ومِن إقْتَفَاها كان بَعْدِي الثانِي فرَسُولَيَ السُّلْطانُ في إرسالها والناسُ رُسْلُهُمُ إلى السئُلْطانِ على دين الصابئة مشدّداً في دينه وبلَغَتْ به الكتابة إلى ان تولى ديوان الرسائل عن الطائع والمطيع وعز الدولة بن بويه وجهد فيه عز الدولة ان يسلم فلم يقعْ له ولما مات رثاه الشريف الرضيّ بقصيدة فلامه الناس لكونه شريفا يرثي صابئياً فقال‏:‏ انما رثيت فضله‏.‏

قال في مواد البيان‏:‏ ‏"‏ ولا عبرة بمَنْ قعد به الجَدُّ وتخلّف عنه الحظ من أهل هذه الصناعة إذ العبرة بالأكثر لا بالقليل النادر‏.‏

على أن المبرز فى هذه الصناعة ان قعدت به الأيام في حالٍ فلا بدِّ أن يُرْفَع قدرُه في أخرى‏.‏

لأن دَوْلة اللفاضل من الوأجبات ودَوْلَة الجاهل من الممكنات خصوصا اذا صادف الكاتب من الفاضل ملكاً فاضلاً أو رئيساً كاملاً فإِنه يوفيه حقه ويرقِّيه إلى حيث آستحقاقه‏.‏

فمن كلام بعض الحكماء‏:‏ تسْقُط الحظوظ في دولة الملك الفاضل فلا يتسنَّم الرتبة العلِيَّة إِلا مستوجبُها بالفضيلة‏.‏

وبالجملة فَفَضْل الكتابهً أكثر من أن يُحصى وأجلَّ من أن يُستقصى ة وإِنما حرِّمت الكتابة على النبي صلى الله عليه وسلم رداً على الملحدين حيثُ نسبوه إلى الاقتباس من كتب المتقدّمين كما أخبر تعالى بقوله ‏"‏ وقالُوا أسَاطيرُ الْأَوّلِين اكْتَتَبَهَا فَهِي تُمْلى عَلْيهِ بُكْرةً وأَصِيلاً ‏"‏ وأكد ذلك بقوله ‏"‏ وما كُنْتَ تَتْلُواْ مِنْ قَبْلِهِ من كِتَابٍ ولا تَخُطُّه بِيَمِينِكَ إذاً لاَرْتابَ المُبْطلُونَ ‏"‏‏.‏

وقد كان صلى الله عليه وسلم‏!‏ يات من القِصَص والأخبار الماضية من غير مُدَارسة ولا نظر في كتاب بما لا يعلمه إلا نبيٌّ كما رُوِيات قريشاً بمكة وَجَهت إلى أليهود‏:‏ ان عرّفونا شيئاً نسألة عنه فبعثوا إليهم ان سَلُوه عن أنبِياءَ أخذوا أحدَهم فرَموْه في بئر وباعُوه فسألوه فنزلت سورة يوسف جملةً واحدة بما عندهم في التوراة وزيادة‏.‏

ققال العتبيّ‏:‏ ‏"‏ الاًمِّيًة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فضيلة وفي غيره نقيصة لأن الله تعالى لم يعلِّمه الكتابة لتمكُّن الإنسان بها من الحيلة في تأليف الكلام واستنباط المعاني فيتوسل الكُفًار إلى أن يقولوا اقتدر بها على ما جاء به‏.‏

قال صاحب موادّ البيان‏:‏ ‏"‏ وذلك أن الإنسان يتوصل بها إلى تأليف الكلام المنثور وإخرأجه في الصُّوَر التي تأخذ بمجامع القلوب فكان عدم علمه بها من أقوى الحجج على تكذيب معانِديه وحسم أسباب الشك فيه ‏"‏‏.‏

وقد حكى أبو جعفر النخَاس أن المأمون قال‏!‏ لأبي العلاء المِنقريّ‏:‏ بلغني انك أمِّيئ وأنك لا تقيم الشعر وأنك تَلْحن في كلامك ‏"‏ فقال‏:‏ ‏"‏ يا أمير المؤمنين‏!‏ أما اللحن فربًما سبقنِي لساني بالشيء منه وأما الأميّة وكسْر الشعر فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اميّاً وكان لا يُنْشِد الشعر ‏"‏‏.‏

فقال له المأمون‏:‏ ‏"‏ سألتك عن ثلاثة عُيُوب فيك فزِدْتني رابعاً وهو الجهل يا جاهل‏!‏‏!‏ ذلك في النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة وفيك وفي قال الجاحظ‏:‏ ‏"‏ وكلام أبي العلاء المنقريّ هذا مِنْ أوابِد ما تكلَّم به الجُهًال ‏"‏‏.‏

على أن أصحابنا الشافعية رحمهم اللهّ قد حكَوْا وجهيْن فى ِانه صلى الله عليه وسلم هل كان يعْلَم الكتابة أم لا وصححوا انه لم يكن يعلمها معجزةً في حقه كما تقدّم‏.‏

ققال أبو الوليد الباجي من المالكية‏:‏ ‏"‏ ولو كتب صلى الله عليه وسلم لكان مُعْجزة لخرْق العادة قال‏:‏ وليست بأوّل مُعْجِزاته صلى الله عليه وسلم ‏"‏‏.‏

وإذا كانت الكتابةُ من بين سائر الضناعات بهذه الرتبةِ الشريفة والذِّروة المَنِيفة‏.‏

كان الكُتَّاب كذلك من بين سائر الناس‏.‏

قال الزبير بن بَكَّار ‏"‏ الكًتَاب ملوك وسائر الناس سُوقة ‏"‏‏.‏

وقال آبن المقفع‏:‏ ‏"‏ الملوك أحوج إلى الكُتَاب من الكتَاب إلى الملوك ‏"‏ ومن كلام المؤيد ‏"‏ كُتَّاب الملوك عيونُهم المبصرةُ وآذانُهم الواعية وألسنتهم الناطقه ‏"‏‏.‏

وكانت ملوك الفرس تقول‏:‏ ‏"‏ الكتًاب نِظام الأُمور وجَمَال المُلْك وبهَاء السلطان وخزَّان أمواله والأًمَناء على رعيته وبلاده وهم أوْلَى الناس بالحِبَاء والكرأمة وأحقُّهم بمحبًة السلام ‏"‏ ومن كلام أبي جعفر الفضل بن احمد‏:‏ ‏"‏ للكُتَاب أقرَّت الملوك بالفاقة والحاجة وإليهم ألْقيت الأعنَّة والأزِمًة وبهم آعتصمُوا في النازلة والنكْبة وعليهم اتكلوا في الأهل والولد والذخائر والعَقْد وولاهَ العهد وتدبير المُلْك وقِرَأع الأعداء وتوفير الفيء وحِياطة الحريم وحفظ الأسرار قال في موادّ البيان‏.‏

‏"‏ وما من أحد يتوَسَّل إلى السلاطين بالأدب ويمتُّ إليهم من العلم بسبب إلا وهو باقلُه لا ينول ما يُنوّلُه إلا على وجه الإرفاق خلا الكاتب فإنه يُنَوّل الرغائب العظيمة من طريق الاستحقاف لموضع الفتقار إليه والحاجة ومن المعلوم انه لا يدً من واسطة تقوم بين الملوك والرعية لبُعد ما بين الطبقتين‏:‏ العُليا والدُّنْيا وليس من طبقات الناس من يساهِم الملوكَ في جَلالهْ القدر وعظيم الخطَر ويُشارك العامّة في التواضع والاقتصاد سوى الكُتَّاب فاحتيج إليهم للسِّفارة في مصالح الرعية عند السلاطين وآستيفاء حقوق السلاطين من الرعية والتلطف في الصلة بينهما ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏ ولعلم الملوك بخطر هذه الصناعة وأهلها وعائدتها في أموار السلطان صرَفوا العِناية إلى الكاتبة وخَصُّوهم بالحُظْوة وعرفوا لهم فَضْل ما جمعوه من الرأي والصناعة وكانت ملوك الفرس لرفعة رتبة الكتابة عندهم تجمع أحداثَ الكُتَّاب ونواشئهم المعترضين لأعمال الملك ويأمرون رؤساء الكتابة بامتحانهم فمن رُضِي اقِرَّ بالباب ليستعان به ثم يأمر الملك بضمهم إلى العُمَّال وآستعمالهم في الأعمال وينقلهم في الخِدَم على قدر طبقاتهم من حال الى حال حتى ينتهيَ بكل واحد منهم إلى ما يستحقه من المنزلة ثم لا يُمَكَّن أحد ممن عُرض آسمه على الملك من الخدمة عند أحد إلا بإذن الملك ‏"‏‏.‏

وفي عهد سابور‏:‏ ‏"‏ وليكن كاتبُك مقبول القول عندك رفيع المنزلة لديك يمنعه مكانهُ منك وما يظُنّ به من لطافة موضعه عندك من الضَّراعة لأحد والمُداهَنة له ليحمله هنأ أوْليته من الإِحسان على محض النصيحة لك ومنابَذَة من أراد عيبك وآنتقاص حقك ‏"‏‏.‏

ولم يكن يركبُ الهماليج في أيامهم إلا الملكُ والكاتب والقاضي‏.‏

قلت‏:‏ ولشرف الكتابة وفضْل الكُتَّاب صرف كثير من أهل البلاغة عنايتَهم إلى وَضْع رسائل في المفاخَرَة بين السيف والقلم إشارةً إلى ان بهما قِوامَ الملك وترتيبَ السلطنة بل ربما فضل القلمً على السيف ورُجِّح عليه بضروب من وجوه الترجيح كما قال بعضهم مفضلاً للقلم بقسم الله تعالى به‏:‏ إن آفْتَخَرَ الأبطالُ يوماً بسيفهمِ وعدُّوه مما يُكْسِب المَجْدَ والكرم كَفى قَلَمَ الكُتَّاب عِى اً ورِفْعةَ مَدَى الدَّهْرات الله أقسَمَ بالقلَم وكما قال ابن الرومي‏:‏ إن يخدُم القلم السيفَ الذي خَضَعتْ له الرِّقابُ ودأنَتْ خَوْفَه الأمَمُ فالموت والمَوْتُ لا شيء يغالبُهُ ما زَال يتبع ما يَجْرى به القَلَم ُ كذا قضى اللهُ للأقلام مُذْ بُرِيَت ان السُّيوفَ لها مُذْ أرْهِفَتْ خَدَمُ والمعنى في ذلك انها تؤثر في إرهاب العدوّ على بُعْدٍ والسيوف لا تؤثر إلا عن قُرْب مع ما فُضِّل به القلم من زيادة الجدوى والكَرَم وإلى ذلك يشير بعضهم بقوله مشيراً للقلم‏:‏ فَلَكَمْ يَفُلُّ الجيشَ وهو عَرَمْرم والبِيضُ ما سلفَتْ من الأغماد ِ وهَيَتْ له الاجامُ حين نَشَا بِها كرمَ السُيُول وَصَوْلَةَ الأساد.

المفكر
13-02-2005, 02:17 AM
صفات الكُتَّاب
وهي على قسمين

القسم الأول الصفات الواجبة التي لا يسع إهمالها

وهي عشر صفات الصفة الأولى الإسلام ليؤمن فيما يكتبه ويمليه‏.‏ ويوثق به فيما يذره ويأتيه إذ هو لسان المملكة والمرهب للعدو بوقع كلامه والجاذب للقلوب بلطف خطابه فلا يجوز أن يولى أحد من أهل الكفر إذ يكون عيناً للكفار على المسلمين ومطلعاً لهم على خفاياهم فيصلون به إلى ما لا يمكن استدراكه وقد قال تعالى‏:‏ ‏"‏ يأيها الذين آمنوا لا تتخذو بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم ومنا تخفي صدورهم أكبر ‏"‏ والمراد بالبطانة في الآية من يطلع على حال المسلمين كالإطلاع على مقدار خزائنهم من المال وأعداد جيوشهم من الخيل والرجال‏.‏

قال أبو الفضل الصوري في تذكرته‏:‏ وإن من الفطرة التي جبل كل أحد عليها حنين كل شخص من الناس إلى من يرى رأيه ويدين دينه‏.‏

قال‏:‏ وهذا أمر يجده كل أحد في نفسه ولذلك شرط بعضهم في الكاتب أن يكون على مذهب الملك الذي يتمذهب به من مذاهب المسلمين ليكون موافقاً له من كل وجه‏.‏

ولما فتحت الصحابة رضوان الله عليهم مصر بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص يأمره أن لا يستعمل في عمل من أعمال المسلمين كافراً فأجابه عمرو‏:‏ بأن المسلمين إلى الآن لم يعرفوا حقيقة البلاد ولم يطلعوا على مقادير خراجها وقد اجتهدت في نصراني عارف منسوب إلى أمانة إلى حين معرفتنا بها فنعزله فغضب عمر رضي الله عنه وقال‏:‏ كيف تؤمنهم وقد خونهم الله وكيف تعزهم وقد أذلهم الله وكيف تقربهم وقد أبعدهم الله ثم تلا ‏"‏ يأيها وقد روي أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعه كاتب نصراني فأعجب عمر بخطه وحسابه فقال عمر‏:‏ أحضر كاتبك ليقرأ فقال أبو موسى‏:‏ إنه نصراني لا يدخل المسجد‏.‏

فزبره عمر رضي الله عنه وقال‏:‏ لا تؤمنوهم وقد خونهم الله ولا تدنوهم وقد أبعدهم الله ولا تغزوهم وقد أذلهم الله‏.‏

وقد قال الشافعي رضي الله عنه في كتاب الأم‏:‏ ما ينبغي لقاض ولا وال أن يتخذ كاتباً ذمياً ولا يضع الذمي موضعاً به مسلماً‏.‏

ويعز على المسلمين أن يكون لهم حاجة إلى غير مسلم‏.‏

وجزم الماوردي والقاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم من أصحابنا الشافعية رحمهم الله أنه يشترط في كاتب القاضي أن يكون مسلماً وهو الأصح الذي عليه الفتيا في المذهب‏.‏ وإذا اشترط الإسلام في كاتب القاضي والوالي ففي كاتب السلطان أولى لعموم النفع والضر به‏.‏

قال أبو الفضل الصوري‏:‏ ولا شك أن كاتب الإنشاء من أحوج الناس إلى الاستشهاد بكلام الله تعالى في أثناء محاوراته وفصول مكاتباته والتمثل بنواهيه وأوامره و التدبر لقوارعه وزواجره وهو حلية الرسائل وزينة الإنشاءات وهو الذي يشد قوى الكلام ويثبت صحته في الإفهام فمتى خلت منه كانت عاطلة من المحاسن عارية من الفضائل‏:‏ لأنه الحجة التي لا تدحض والحقيقة التي لا ترفض فإذا كان الكاتب غير مسلم لم يكن لدي من ذلك شيء وكانت كتابته معسولة من أفضل الكلام وخالية مما يتبرك به أهل الإيمان والإسلام ومقصرة عن رتبة الكمال ومنسوبة إلى العجز والإخلال‏.‏

فإن تعاطى الكاتب الذمي حفظ شيء منه وكتبه فقد أبيحت حرمة كتاب الله تعالى وانتهكت وأمكن منه من يتخذه هزواً ولعباً والله سبحانه يقول في كتابه المكنون‏:‏ ‏"‏ لا يمسه إلا المطهرون‏"‏‏.‏

فقد صح أنه لا يجوز أن يرقى إلى هذه الرتبة إلا مسلم‏.‏

قال‏:‏ ولا يحتج بالصابئ وأنه كتب للمطيع والطائع من خلفاء بني العباس ومعز الدولة وعز الدولة من ملوك الديلم وهما يومئذ عمدة الإسلام وعضد الخلافة وهو على دين الصابئة‏.‏

فإن الصابئ كان من أهل ملة قليل أهلها ليس لهم ذكر ولا مملكة وليس منهم محارب لأهل الإسلام ولا لهم دولة قائمة فتخشى غائلته وتخاف عاقبته‏.‏

الصفة الثانية الذكور فقد صرح أصحابنا الشافعية بأنه يشترط في كاتب القاضي أن يكون ذكراً وإذا اشترط ذلك في كاتب القاضي ففي كاتب السلطان أولى لما تقدم من عموم النفع والضر به وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في حق النساء‏:‏ جنبوهن الكتابة ولا تسكنوهن الغرف واستعينوا عليهن بلا‏:‏ فإن نعم تضريهن في المسألة‏.‏

ومر علي كرم الله وجهه على رجل يعلم امرأة الخط فقال‏:‏ لا تزد الشر شراً‏.‏

ورأى بعض الحكماء امرأة تتعلم الكتابة فقال‏:‏ أفعى تسقى سماً‏.‏

ولله البسامي حيث يقول‏!‏‏:‏ ما للنساء وللكتا بة والعمالة والخطابة‏!‏ هذا لنا ولهن منا أن بتتن على جنابه فإن قيل‏:‏ قد كان جماعة من النساء يكتبن ولم يرد أن أحداً من السلف أنكر عليهن ذلك فقد روى أبو جعفر النحاس بسنده إلى الحسن أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تكتب في مكاتباتها بعد البسملة‏:‏ من المبرأة عائشة بنت أبي بكر حبيبة حبيب الله‏.‏

وحكى جعفر بن سعيد أنه ذكر لعمرو ابن مسعدة كاتب المأمون توقيعات جعفر بن يحيى فقال‏:‏ قرأت لأم جعفر توقيعات في حواشي الكتب وأسافلها فوجدتها أجود اختصاراً وأجمع للمعاني‏.‏

وذكر محمد بن علي المدائني في كتاب‏:‏ القلم والدواة‏.‏

أن عاملاً لزبيدة كتب إليها كتاباً فوقعت في ظهره أن أصلح كتابك وإلا صرفناك عن عملك‏.‏

فتأمله فلم يظهر له فيه شيء فعرضه على بعض إخوانه فرأى فيه الدعاء لها‏:‏ وأدام كرامتك فقال‏:‏ إنها تخيلت أنك دعوت عليها فإن كرامة النساء دفنهن فغير ذلك وأعاد الكتاب إليها فقبلته ومن كان هذا شأنه فكيف يقال إنه لم يؤهل للكتابة‏.‏

فالجواب أن حديث عائشة لم يصرح فيه بأنها كتبت بنفسها ولعها أمرت من يكتب فكتب كذلك بإملائها أو دونه وإن ثبت ذلك عنها فغيرها لا يقاس عليها ومن عداها من النساء لا عبرة به‏.‏

الصفة الثالثة الحرية فقد شرطوا في كاتب القاضي أن يكون حراً‏:‏ لما في العبد من النقص فلا يعتمد في كل القضايا ولا يوثق به في كل الأحوال فكاتب السلطان كذلك بل أولى كما تقدم‏.‏

الصفة الرابعة التكليف كما في كاتب القاضي فلا يعول على الصبي في الكتابة إذ لا وثوق به ولا اعتماد عليه‏.‏

الصفة الخامسة فلا يجوز أن يكون الكاتب فاسقاً فإنه بمنزلة كبيرة ورتبة خطيرة يحكم بها في أرواح الناس وأموالهم‏:‏ لأنه لو زاد أدنى كلمة أو حذف أيسر حرف أو كتم شيئاً قد علمه أو تأول لفظاً بغير معناه أو حرفه عن جهته أدى ذلك إلى ضرر من لا يستوجب الضرر ونفع من يجب الإضرار به وكان قد موه على الملك حتى مدح المذموم وذم الممدوح‏.‏

فمتى لم يكن له دين يحجزه عن ارتكاب المآثم ويزعه عن احتقاب المحارم كان الضر به أكثر من الانتفاع وأثر فعله من الأضرار ما لم تؤثره السيوف ولله القائل‏!‏‏:‏ ولضربة من كاتب ببنانه أمضى وأقطع من رقيق حسام قوم إذا عزموا عداة حاسد سفكوا الدما بأسنة الأقلام وأيضاً فإنه لا يقبل قول الفاسق فتضيع به المصالح وربما حمله الفسق وعدم الاكتراث بأمور الدين على وهن يدخله على الدين بقلمه أو ضرر يجلبه بلسانه‏.‏

وأيضاً فالكتابة ولاية شرعية والفاسق لا تصح توليته شيئاً من أمور المسلمين وقد أطلق القاضي أبو الطيب والماوردي من أصحابنا الشافعية القول باشتراط العدالة في كاتب القاضي فيجب مثله في كاتب السلطان بل أولى على ما تقدم‏.‏

البلاغة بحيث يكون منها بأعلى ربتة وأسنى منزلة فإنه لسان السلطان الذي ينطق به ويده التي بها يكتب‏.‏

ورب كاتب بليغ أصاب الغرض في كتابته فأغنى عن الكتائب وأعمل القلم فكفاه إعمال البيض القواضب وإذا كان جيد الفطنة صائب الرأي حسن الألفاظ تتأتى له المعاني الجزلة فيجلوها في الألفاظ السهلة ويختصر حيث يكون الاختصار ويطيل حيث لا يجد عن الإطالة بداً ويتهدد فيملأ القلوب روعة ويشكر فيلقي على النفوس مسرة وإن كتب إلى ملك كبير وذي رتبة خطير عظم مملكة سلطانه وفخمها في معارض كلامه من غير أن يوجد أن ذلك قصده‏.‏

الصفة السابعة وفور العقل وجزالة الرأي فإن العقل أس الفضائل وأصل المناقب ومن لا عقل له لا انتفاع به وكلام المرء ورأيه على قدر عقله فإذا كان تام العقل كامل الرأي وضع الأشياء في مكاتباته ومخاطباته في مواضعها وأتى بالكلام من وجهه وخاطب كل أحد عن سلطانه بما يقتضيه الحال التي يكون عليها فيشتد ما كانت الشدة نافعة ويلين حين يكون إلى اللين محتاجاً ويوبخ من لا يقتضي فعله أكثر من التوبيخ ويذم من تعدى إلى ما يستوجب الذم ويأتي بالمكاتبات التي يقتضيها اختلاف الأحوال واقعة مواقعها صائبة مراميها‏.‏

الصفة الثامنة العلم بمواد الأحكام الشرعية والفنون الأدبية وغيرها مما يأتي بيانه إذ الجاهل لا تمييز له بين الحق والباطل ولا معرفة ترشده إلى الطريق المعتبرة في الكتابة ومن سلك طريقاً بغير دليل ضل أو تمسك بغير أصل زل‏.‏

الصفة التاسعة قوة العزم وعلو الهمة وشرف النفس فإنه يكاتب الملوك عن ملكه وكل كاتب يجذبه طبعه وجبلته وخيمه في الكتابة إلى ما يميل إليه ومكاتبة الملوك أحوج شيء إلى التفخيم والتعظيم وذكر التهاويل الرائعة والأشياء المرغبة فكلما كان الكاتب أقوى نفساً وأشد عزماً وأعلى همة كان في ذلك أمضى وعليه أقدر الصفة العاشرة الكفاية لما يتولاه لأن العجز يدخل الضرر على المملكة ويوجب الوهن في أمر المسلمين وربما عاد عليهم عجزه بالوبال أو أدى بهم ضعفه إلى الاضطراب والاختلال‏.‏


القسم الثاني الصفات العرفية

قال المهذب بن مماتي في كتابه قوانين الدواوين‏:‏ ينبغي أن يكون الكاتب أديباً حاد الذهن قوي النفس حاضر الحس جيد الحدس حلو اللسان له جراءة يثبت بها الأمور على حكم البديهة وفيه تودة يقف بها فيما لا يظهر له على حد الروية شريف الأنفة عظيم النزاهة كريم الأخلاق مأمون الغائلة مؤدب الخدام‏.‏ قال محمد بن إبراهيم الشيباني‏:‏ من صفة الكاتب اعتدال القامة وصغر الهامة وخفة اللهازم وكثاثة اللحية وصدق الحس ولطف المذهب وحلاوة الشمائل وخطف الإشارة وملاحة الزي‏.‏

قال‏:‏ ومن حاله أيضاً أن يكون بهي الملبس نظيف المجلس ظاهر المروءة عطر الرائحة دقيق الذهن حسن البيان رقيق حواشي اللسان حلو الإشارة مليح الاستعارة لطيف المسلك مستفره المركب ولا يكون مع ذلك فضفاض الجثة متفاوت الأجزاء طويل اللحية عظيم الهامة فإنهم زعموا أن هذه الصفات لا يليق بصاحبها الذكاء والفطنة ولله القائل‏!‏‏:‏ وشمول كأنما اعتصروها من معاني شمائل الكتاب وقال أبو الفضل الصوري‏:‏ ينبغي أن يكون الكاتب فصياً بليغاً أديباً سني الرتبة قوي الحجة شديد العارضة حسن الألفاظ له ملكة يقتدر بها على مدح المذموم وذم المحمود‏.‏

قال المهذب بن مماتي‏:‏ أما حسن الهيئة فإنه يرجع في ذلك إلى ما يعلمه من حال مخدومه من إيثاره إظهار نعمته على من هو خدمته أو إخفائها‏.‏

قلت‏:‏ وهذا قد يخالف ما تقدم‏:‏ من أنه ينبغي أن يكون الكاتب بهي الملبس‏.‏

وبالجملة ففصاحة اللسان وقوة البيان والتقدم في صناعة الكتابة هو الذي يرفع الرجل ويعظمه دون أثوابه البهية هيئته الزاهية‏.‏

بل ربما كان التعظيم في الفضل لرث الحالة المنحط الجانب أكثر وترجيحه على غيره أقرب‏.‏

وقد قال سهل بن هرون كاتب المأمون وهو من أئمة هذه الصناعة‏:‏ لو أن رجلين خطبا أو تحدثا أو احتجا أو وصفا وكان أحدهما جميلاً بهياً ولباساً نبيلاً وذا حسب شريف وكان الآخر قليلاً قميئاً وباذ الهيئة دميماً وخامل الذكر مجهولاً ثم كان كلامهما في مقدار واحد من البلاغة وفي درب واحد من الصواب لتصدع عنهما الجمع وعامتهم يقضي للقليل الدميم على النبيل الجسيم وللباذ الهيئة على ذي الهيئة ويشغلهم التعجب منه عن مناوأة صاحبه ولصار التعجب على مساواته له سبباً للتعجب به والإكثار في شأنه علة للإكثار في مدحه لأن النفوس كانت له أحقر ون بيانه أيأس ومن حسده أبعد فلما ظهر منه خلاف ما قدروه وتضاعف حسن كلامه في صدورهم كبر في عيونهم‏:‏ لأن الشيء من غير معدنه أغرب وكلما أعجب كان أبدع وإنما ذلك كنوادر الصبيان وملح المجانين فإن استغراب السامعين لذلك أعجب وتعجبهم منه أكثر‏.‏

قال‏:‏ والناس موكلون بتعظيم الغريب واستظراف البديع وليس لهم في الموجود الراهن ولا فيما تحت قدرتهم من الرأي والهوى مثل الذي معهم في الغريب القليل وفي النادر الشاذ وعلى هذا السبيل يستظرفون القادم إليهم ويرحلون إلى النازح عنهم ويتركون من هو أعم نفعاً وأكثر في وجوه العلم تصرفاً وأخف مؤونة وأكثر فائدة‏.‏

المفكر
13-02-2005, 02:23 AM
آداب الكتاب
وهي على نوعين


النوع الأول

ولذلك شروط ولوازم منها اعتماد تقوى الله تعالى في الإسرار والإعلان والإظهار والإبطان والمحافظة عليها والاستناد إليها في مبادي الأمور وعواقبها‏.‏

فإنه العروة التي لا تنفصم والحبل الذي لا ينصرم والركن الذي لا ينهدم والطريق التي من سلكها اهتدى ومن حاد عنها ضل وتردى والمحافظة على شرائع الدين التي فرضها الله تعالى على خلقه والحذر من الاستخفاف فيها‏.‏

بحقه وتوقي غضبه بتأديتها والاستجنان من شقاء الدنيا والآخرة بتوقيها‏.‏

ومنها طلب الأجر بما ينيله من عز سلطانه ويجديه من فواضل نعمائه وهذا هو أصح الأغراض التي يجب على كل عاقل أن يقدمه على كل غرض ويحصل منه على السهم الوافر فلا خير في دنيا تنقطع السعادة عنها وإنما السعادة بعد الموت ‏"‏ والدار الآخرة خير ‏"‏ ومن اختار الفاني المنصرم على الباقي الدائم فقد خسرت صفقته وبارت تجارته‏.‏

والطريق الموصل إلى هذا المقصد صلاح النية فيما يتولاه من أمور السلطان وقصد النفع العام له ولرعيته والاجتهاد في إغاثة الملهوف والأخذ بيد الضعيف والنفع بجاهه عند سلطانه وحمله على العدل في الرعية فإذا توخى ذلك فاز بثواب الله تعالى وقضى حق السلطان فيما عرضه له من الشكر والأجر وقابل نعمة الله التي أقدره بها على هذه الأفعال الجميلة بما يرتبطها ومنها‏:‏ مجانبة الريب والتنزه عنها والطهارة منها‏.‏

فإنها تسخط الله تعالى وتذهب بمهابة المرء وتسقطه من العيون والقلوب‏.‏

وأحق من راعى ذلك من نفسه من بين أتباع السلطان أهل هذه الصناعة لاختصاصهم به ولطف منزلتهم عنده‏.‏

إذ المشهور عند نقلة الآثار أن الذين تقدموا من صدورها ومشايخها كانوا من جلة العلماء وسادة الفقهاء وأفاضل أهل الورع المبرئين من الدنس والطمع المميزين على القضاة والحكام في الاستقلال بعلوم الإسلام المتميزين عنهم بفضل الآداب ورواية الأشعار والعلم بالأيام والسير والارتياض بآداب الملوك وعشرتهم ورسوم صحبتهم وغير ذلك مما ينتظم في صناعتهم‏.‏

فقد ساووهم في علم الدين وفاقوهم فيما تقدم ذكره مما لا يشاركونهم فيه‏.‏

والسلطان والدين قرينان لا يفترقان وعونان على صلاح البلاد والعباد فلا يحتمل السلطان ما ينكره الدين لأنه تابعه ورديفه‏.‏

ومنها‏:‏ لزوم العفاف والصيانة فيما يتولاه للسلطان من أعماله ويتصرف فيه من أشغاله والتعفف عن المطامع الذميمة والمطاعم الوخيمة والترفع عن المكاسب اللئيمة فإن ذلك يجمع القربة إلى الله تعالى والحظوة عند السلطان وجميل السيرة عند الرعية حتى إن هذه الطريقة قد تقدم بها عند السلطان المتخلفون في الفهم والمعرفة وسادوا على من لا يقاربونه في غناء ولا كفاية وحصلوا على الأحوال السنية والمنازل العلية وقرب بها من كان بعيداً على من كان قريباً ومن لا مكانة له ولا حرمة على من له مكانة وحرمة واستبدني لأجلها من لأجلها من لا يترشح لخدمة السلطان‏.‏

ثم الذي يلزمه أن يعتمد التمسك بالصيانة والعفاف الذي عليه نظام معيشته والارتفاق فيما يحل ويطيب له من جاه خدمته فإن قد قيل الزم الصحة يلزمك العمل لأنه يتمنع من المنافع التي تصل إليه من أطيب المكاسب وتسلم من تبعات العاجل والآجل وتخلص من قبيح الأحدوثة وإطلاق ألسن الحسدة بالطعن والتأنيب وينال بجاه السلطان ونفوذ الأمر من غير خيانة للمؤتمن ولا اشتكاء للرعية فإنه لولا هذه المنافع لغي الإنسان بالقناعة ورضي بالكفاف وسلم من المخاطرة بدينه ودنياه في سلامة السلطان‏.‏

إذ لا يجوز أن يستفرغ وسعه ويعرض نفسه للخطر فيما لا تحسن له عائدة ولا تخلص منه فائدة في جاه ولا مال‏.‏

وقد علم ما كان عليه أهل هذه الطبقة في سائر الدول وما حصلوه من الذخائر واقتنوه من القنيات النفيسة التي أقدرتهم على إظهار مروءاتهم واتخاذ الصنائع عند الأحرار وحراسة النعم على الدوائر والأعقاب‏.‏

وإنما حصلوا على ذلك من حيث معرفتهم بوجوه المكاسب وأبواب المرافق لا من الخيانة وذميم الطعم‏.‏

لأنهم كانوا في أزمنة لا يغضى فيها عن متكسب من رشوة ولا مصانعة ولا اغتصاب ولا سبب من أسباب الظلم وإن جلت منزلته وعظمت مرتبته‏.‏

ومنها طلب الثناء والحمد وهو من أفضل المقاصد السنية وأعلاها رتبة لأنه يتلو الأجر في البقاء والدوام وكلما كانت الهمة أعظم وأشرف كانت إليه أرغب وبه أكلف‏.‏

ولفضل هذا رغب فيه الأشراف وعليه الناس حتى قال الخليل عليه السلام ‏"‏ واجعل لي لسان صدق في الآخرين ‏"‏‏.‏

وأولى الناس باقتناء ذخائر الحمد وافتراض فرض الشكر من عرض الله جاهه وطول يده وأمضى عند السلطان لسانه فينبغي أن يختار هذه المكرمة ويقوم بالنصيب الأوفر منه ولا يبخل بجاهه ولا ماله على قاصد ولا مؤمل ولا ذي رحم وذمام ولا يضجع في أمر بطانته وحاشيته وأصاحبه ولا يضيق عليهم مع سعته ولا يقصر بهم في كفايته ويجعل اكتسابها بجاهه وماله دون أموال سلطانه فإن كثيراً من المتصرفين بذلوا ما اؤتمنوا عليه في هذا الغرض ورضوا به أهل الشفاعات والرسائل فأعقبهم ذلك زوال النعم وسقوط الرتبة وذهاب المال والوسم بميسم الخيانة والبوار إلى الأبد‏.‏

ولا يبالغ في ابتناء المعالي واقتناء المحامد وبذل الرغائب وارتفاع الهمم فإن ذلك مما يختص بالملوك ولا ينبغي لأحد من أتباعهم من كاتب ولا غيره الإقدام عليه مفاخراً ولا مكاثراً ولا مقابساً فيكون قد عدا طوره وأضل رشده وتعرض للعطب مع سلطانه وأوجد الطريق إلى سوء الظن به وفوق سهام الحسدة إليه وأطلق أسنتها بالطعن عليه وربما أدى به ذلك إلى سقوط المنزلة أن سلمت نفسه‏.‏

ومنها الاقتصاد في طلب اللذة والاقتصار من ذلك على ما يقيم المروءة من أفضل الأخلاق وأشرفها‏:‏ بأن يكون تناولهم ما يتناولونه من ذلك بسلوك طريقة محمودة يظهر فيها أثر التدبير السديد والرأي الأصيل من غير خروج إلى الإقبال على اللذات والانهماك في الشهوات‏.‏

فإن ذلك غير مستحسن لملك ولا سوقة لأنه جالب للأسقام قاطع عن الأمور المهمة التي يجب صرف العناية إليها في صلاح المعاش وأمر الآخرة ولكن لا يكلف ترك اللذات جملة إذ لا بد لكل أحد من ذوي الرتبة العلية من الأخذ بنصيب منها لما جبلت عليه الطبائع من الميل إليها والرغبة في الاستمتاع بالنعم والملاذ ولكل منها حظ يضاهي رتبته‏.‏

وأهل هذه الصنعة لاختلاطهم بالملوك ومشاركتهم لهم في آدابهم لا غنى بهم عما يقيم مروءاتهم من اللذات المشابهة لأقدارهم ومواضعهم من السلطان‏.‏


النوع الثاني‏:‏

حسن العشرة التي هي من أفضل الخلائق الموجودة في الغرائز طبعاً والحاصلة بالتخلق تكسباً وتطبعاً وأعونها لمصالح الحياة والمعاش ومحبة الخاصة والعامة وحصول الثناء والشكر والمودة من الأفضل والأخيار وكفاية الأراذل الأشرار وإن لم يلتزمها الكاتب طوعاً حمل عليها كرهاً‏.‏

واعلم أن أدب المعاشرة على خمسة أضرب‏.‏

عشرة الملوك والعظماء قال علي بن خلف‏:‏ ولا يقوم بآدابها وأكمل رسومها إلا من علت في الأدب درجته وسمت في رجاحة العقل منزلته وتميز بغريزة فاضلة وأدب مكتنسب وصبر على المشاق في التحلي بالهمم الشريفة والسمو إلى المنازل اللطيفة من عز السلطان ومساعدة الزمان وتمكن من تصريف النفسين الحيوانية والشهوانية على أغراض الناطقية ومطاوعتها وأخذهما بقبول ما ترشد إليه وتبعث عليه لأن صحبة السلطان أمر عظيم وصاحبه راكب خطر جسيم بتمليكه نفسه لمتحكم في شعره وبشرهن قادر على نفعه وضره لا يردعهن مقابلته على يسير الخيانة بكبير النكابة إلا ما يؤمل من صفحه ومسامحته ويرجو من عطفه ورأفته‏.‏

وأول ما يجب على المتصل بخدمة السلطان النظر في عواقب أموره وحفظ نفسه من جريرة يجرها عليها بإغفاله فرضاً من فروض طاعته وتضيعه المحافظة على حقوق خدمته والعلم بأن لكل مصحوب خلقاً يغلب عليه ويرجع بغريزة الطبع إيه لا يمكنه النزوع عنه ولا المفارقة له إذ الانتقال عن الطباع شديد الامتناع في الخدم والأتباع فيكف الملوك والرؤساء الذين لا يقابلون بلوم على خلق مذموم بل العادة جارية في أدب خدمتهم بأن يصوبوا ما يركبونه من خطإ وحسنوا متات يواقعونه من قبح فعليه أن ينزل عن أخلاقه لأخلاق سلطانه وما خلف سجيته في إصلاح زمانه وأن ينزل عن هواه لهواه ويتبع فيما يسخطه ويأباه ما يؤثره سلطانه ويرضاه‏.‏

وينبغي أن لا يعرض نفسه لما يسقط منزلته ويفسد عاقبته ولا يوجد للزمن طريقاً إلى التنكر له ويعينه بتفويق سهامه والتصدي لمواقعها‏.‏

وقد علم أن الزمان وأن عم بنوائبه فإنه يخص صاحب السلطان منا بما يزيد على نصيب غيره‏.‏

ومن أشق الأحوال أن يدفع الإنسان إلى تغير السلطان مع كون السبب في ذلك شيئاً جره إلى نفسه بسوء اختياره لما يجتمع عليه في ذلك من مرارة النكبة وحرارة المغبة وتقريع من يزري على عقله ويؤنبه بجهله‏.‏

ثم أنه لزمه بعد الاحتياط فيما تقدم عدة خصال أيضاً‏.‏

منها الإخلاص وهو قوام الأمر في المصاحبة فإن من صحب سلطاناً بعقيدة مدخولة في ولايته مشوبة في محبته لم ينتظم له ولا لسلطانه أمر لأن الضمائر المذوقة والنيات السقيمة لا بد أن يصرح بما فيها ويظهر ما في دخيلتها وإذا اتضح ذلك للسلطان لم يقنع إلا بإتلاف نفسه وإذهاب مهجته‏.‏

ومنها النصيحة وهي ترب الإخلاص‏.‏

والطريق الموصل إلى التوفية بها أن يطالع السلطان بكل ما يفتقر إلى العلم به من خاص أموره وعامها وعلى من استخلصه السلطان لنفسه ائتمنه على رعيته وأنطقه بلسانه وأخذ وأعطى بيده وأورد وأصدر برأيه وتخيره لهذه المنزلة من بين رؤساء دولته وأعيان مملكته أن لا يستر عنه دقيقاً ولا جليلاً من أحوال ما فوضه إليه ولا يقف عن إنهاء تفاصيله وجمله توقياً من لوم لائم ولا يحمله فرط النصح له على الإضرار برعيته ولا الرغبة في إثبات حقه على تضييع حقوقها ولا القيام بما يجب له دون ما يجب لها‏.‏

فإنها به وهو بها‏.‏

ومنها الاجتهاد فيما يباشره من أحوال سلطانه بما يعود عليه نفعه بحيث لا يبقي في ذلك ممكناً ولا يدع فيه شأوا للاحق‏.‏

ومنها كتمان السر‏.‏

وهو من أفضل الآداب في صحبة السلطان وغيره وأعودها بالفلاح على صاحبها لأن كثرة الانتشار الداخل على الدول إنما توجه بتفريط بطائنها وصاحبها في أسرارها وإظهارهم بما تقرر في أذهان الملوك وعزائهم قبل أن يظهروه فيجد العدو بذلك الطريق إلى معالجة آرائهم بما ينقضها ومقابلتها بما يفسدها‏.‏

على أن إفشاء السر من الأخلاق التي طبع أكثر الناس عليها وجيل بينهم وبين الإقلاع عنها فمن علم من نفسه ذلك فليحذر معاملة السلطان في أسراره وبواطن أموره ولا سيما ما وجد منها في باب حروبه ومكايده فإنه إن ظهر منه على خيانة في السر عرض نفسه للهلكة‏.‏

ومنها الشكر فإنه وإن كان واجباً على الإنسان مع أكفائه ونظرائه فإنه مع السلطان الذي يستظل بظله ويستدر أخلاف فضله أوجب‏.‏

إذ المرء قد يقدر على مكافأة عارفة صديقه بما يضاهيها ويزيد عليها ولا يقدر على مكافأة سلطانه إلا بشكر نعمته والمحافظة على حقوق خدمته‏.‏

ثم الشكر بالقول يرتفع بني الرئيس والمرؤوس والخادم والمخدوم إلا اليسير الذي يقضي به حق الخدمة‏:‏ لأن الإكثار منه داخل في حكم الملق والتثقيل وإنما يظهر شكر الخادم من أفعاله‏.‏

ومنها الوفاء وهو من أهم الخصال اللازمة وآكدها إذ هو الطريق إلى صلاح العابد وعمارة البلاد بل هو رأس مال الكاتب وربحه ودوام عمله والسبب الذي لأجله ترغب السلاطين في صحبته‏:‏ لأنهم ما برحوا يقربون صاحب هذه الخصلة ويرونه أهلاً للاختصاص موضعاً للثقة ولا أسوأ حالاً ممن نزل هذه المنزلة وهو بخلافها‏.‏

ثم الوفاء يكون بإظهار النصيحة وبذل الاجتهاد وقصد المخالصة ومقابلة كل نعمة تفاض عليه بالنهضة فيما استند إليه‏:‏ ليدعو ذلك سلطانه إلى رب النعمة لديه وإقرار ما عليه‏.‏

ومن شروط الوفاء أن يلتزمه صاحبه لسلطانه في حال سعادته وإقبال دولته وفي حال توليها عنه وعطلته‏.‏

أما في حال إقبال الدولة عليه فأن يصحبه بقلبه دون بدنه ولا يتطلب صاحباً غيره ينتقل إلى صحبته ويستبدل بخدمته من خدمته ولا يحدث نفسه بأنه متى وجد أنفع منه عدل إليه ولا أن يرتب له جهة أخرى يجعلها مقدمة لأمر يترقبه‏:‏ لما في ذلك كله من الخروج عن حد الإخلاص المقدم وجوبه‏.‏

وأما في حال انصراف الدولة عن صاحبه فإنه لا يباينه مباينة المساعد للزمان عليه المرافق للمقادير فيه ولا يخونه عند حاجته إليه ولا يضيع حقوقه عنده وصنائعه لديه ولا ينحاز بكليته إلى من أقلت أمور السلطان عليه فإن ذلك مما يدل على خبث السجية ومقابلتها على الإحسان بالإساءة واستعمال العقوق واطراح الحقوق‏.‏

ومنها‏:‏ مجانبة الإدلال إذ الدالة على السلطان والرئيس من أعظم مصارع التلف وأقرب الأشياء إلى زوال النعم ولأجلها هلك من هلك من بطانة السلطان وخاصته ووزرائه وفي قصصهم عبرة لمن أنعم النظر في تأملها‏.‏

وعليه أن يعول في الاعتداد بخدمه ونصائحه له على اشتهارها وظهورها ولا يفيض في تعديدها وذكرها ولا يواصل التثقيل بأغراضه والإلحاف بأسئلته ولا يظهر التشجب عند التقصر به ولا الغضب اتكالاً على سالف خدمة وقيل حرمة وأن يتناسى ما أسلفه من الخدمة والصحبة ويكون في كل حال عارفاً بعوارفه معتداً بفواضله موجباً الفروض له لا عليه فإن السلطان مجبول على أنفة النفس وعزتها ولا يحتمل التنازل لأحد‏:‏ لتنزيله الكل منازل الخدم والأرقاء واعتقاده أنه سبب النعمة السابغة على الكافة وثقته بوجود العوض عمن يفقده من الأعوان والأصحاب ومثابرة الناس على خدمته والانتساب إلى متابعة لما يصلون إليه من الحظوة وينالونه من الجاه والثورة‏.‏

وإن كان في باطن حاله على خلاف ما يؤثر أظهر الشكر والاعتداد وتلطف في بلوغ الغرض بأحسن تعريض ولم يطلق قلمه كاتباً ولا لسانه مخاطباً فإن ذلك إزراء على همة المصحوب ودلالة على إخلاله بتفقد الصاحب لكن يذكر النعمة وسبوغها والمنة وشيوعها ويسأل الزيادة فيها ومضاعفتها‏.‏

فإن ذلك يقضي ببلوغ آماله وسداد أموره وسهولة مطالبه وإذا زاده السلطان رفعة وتشريفاً ازداد له تعظيماً وتوقيراً‏.‏

وإذا بسط يديه أن ينقبض عن كل ما يشينه وإذا خصه بأثرة وتقريب أن يزيد الخاصة والعامة بشراً وإيناساً وإن اتهمه بهفوة لم ينته في إقامة العذر والاحتجاج على براءة الساحة إلى الغاية القصوى بل يتوسط في ذلك ويسال من حسن الصفح والإقالة وجميل التغمد والعفو ما يجعل للإحسان وجهاً ولتعقبه للسخط سبباً‏.‏

فإنه إذا صدع بالحجة في براءة الساحة فلا وجه لمعذرته وفيه تكذيب لرئيسه وربما أدى إلى فساد ومفاقمة‏.‏

ومنها‏:‏ التمسك بآداب الخدمة بالمواظبة عليها وصرف الاهتمام إليها إذ هي أعظم الذرائع إلى نيل الرتب وبلوغ المآرب والسبب الذي يقرب البعداء ويرفعهم على أهل الوسائل والحرم وذوي الموات والخدم ويعمي عن كل شين ويصم عن كل طعن‏.‏

وما نال أحد عند السلطان مرتبة إلا والمواظبة على خدمته سببها والمواصلة موجبها‏.‏

وأولى الناس بلزوم السلطان كتابه الذين لا غنى به عن حضورهم في ليله ونهاره وأحيان شغله وفراغه‏:‏ لأنه رما بدهه ما يحتاج إلى استكفائه إياه وإسناده إليه وإن تأخر عنه في تلك الحال استدعى من موجدته واستجر من لائمته مالا يزيله العذر إلا في المدة الطويلة‏.‏

وربما اضطر لغيبته إلى إحضار من يستكفيه ما عرض له وأدى ذلك إلى اصطناعه وتصيره في مقامه وإن كان لا يساويه في فضل ولا علم ولا غناء بخلاف ما إذا وجده مسارعاً إلى أمثلته فإن ذلك يزيد في حظوته ويدعو إلى استخلاص مودته‏.‏

فيجب عليه أن يخص سلطانه من زمانه بالقسم الأوفر والنصيب الأغزر ولا يؤثر نيل لذة عليه ولا بلوغ وطر إذا أدى إلى تنكره فإن استطاع أن يوافقه على وقت يفرضه له يتمكن فيه من بلوغ أوطاره والوصول إلى مقاصده كان أحمد لعاقبته و أبلغ لقصده وأحسم لأسباب اللائمة في غيبته‏.‏

ولا ينهمك في الملاذ انهماك الآمن بل يقف عند الحد الذي يبقي فيه فضلة لعوارض السلطان ومهامته الحادثة في آناء الليل وساعات النهار‏.‏

فإن تعبه في صلاح زمانه وراحة سلطانه مستبق لنعمته مستدع لزيادته‏.‏

ولا يشتغل بكبير الأمور عن صغيرها ولا يبتهج بما أصلحه منها حتى ينظر في عواقبه ويسوس ما رد إليه بالسياسة الفاضلة‏:‏ فلين في غير ضعف ويشتد في غير عنف ويعفو عن غير خور ويسطو من غير جور ويقرب بغير تدله ويبعد بغير نكر ويخص في غير مجازاة ويعم في غير تضييع فلا يشقى به الحق وإن كان عدواً ولا يسعد به وإن كان ولياً‏.‏

ومنها‏:‏ إذا حضر بين يدي سلطانه أو رئيسه في المجلس الخاص أو العام أن يعتمد مقابلته بالإجلال والإعظام والتوقير والإكرام ولا يحمله تأكد الخدمة وتطاول الصحبة على إهمال ذلك بل يحفظ رسمه ولا يغير عادته‏.‏

ومنها‏:‏ أن يتخير لخطابه في الأغراض والأوطار أوقاتاً يعلم خلو سره فيها وفراغ باله وانشراح صدره وارتفاع الأفكار عن خاطره‏:‏ إلا إن كان ما يخاطبه فيه أمراً عائداً بانتظام سلطانه واستقامة زمانه داخلاً في مهمات أعماله التي متى أخرها نسب إلى التقصير فيقدم الكلام فيها خف أو ثقل‏.‏

وإذا خاطبه رئيسه من سلطان أو غيره في أمر من الأمور فعليه أن يرعيه عينه وينصت إليه سمعه ويشغل به فكره ولا يستعمله فيما يعوقه عنه حتى يستوعب ما يلقيه إليه ويجيبه عنه أحسن الجواب ولا يلتفت في حال إقباله عليه إلى غيره و لا يصغى إلى كلام متكلم ولا حديث متحدث حتى لو امتحنه باستعادة ما فاوضه فيه وجده قد أحرز جميعه فإن التقصير في ذلك مما ينكره الملوك والرؤساء ويستدلون به على ضعف المخاطب‏.‏

وإن كان فيما خاطبه فيه أمر يحتمل التأخير بادر بالاعتذار عنه‏:‏ لئلا ينسب إلى التقصير بتأخيره عند الكشف عنه وإن كان فيه ما يخالف الصواب أمضاه وإن تعذر السبيل إلى فعله لم يظهر التقاعس عنه لتحطئته بل يقابله بالاستصواب ثم يتلطف في تعريفه مكان الخطإ فيما رآه‏.‏

ومنها‏:‏ أن يجري في الحال في مجالسه على ما يعود بوفائه وإرادته‏:‏ فإن مال إلى الانبساط أطلق عنانه فيه إطلاق المتجنب للهجر والتفحش ورفث القول تابعاً لإيثاره قاضياً لأوطاره‏.‏

وإن أظهر الانقباض ذهب مذهبه في ذلك ولا ينبغي أن يخالفه في حال من أحواله فإن من شروط هذه الخدمة أن يتصرف صاحبها في كل ما يصرف فيه ويسرع الانقياد إلى كل ما يدعى إليه ولا يكثر من الدعاء لرئيسه والثناء عليه والشكر على ما يوليه من العوارف فإن مثل ذلك يستثقل‏.‏

ومنها‏:‏ أن لا يحضر سلطانه في ملابسه التي جرت العادة أن ينفرد بها كالوشي ونحوه إلا أن يكون هو الذي يشرفه بها وأن يقتصد في لباسه‏:‏ فينحط عما يلبسه سلطانه ويرتفع عما يلبسه السوقة ويصرف عنايته إلى التنظف والتعطر وقطع الرائحة الكريهة من العرق وغيره حتى لا تقع عين رئيسه على دنس في أثوابه ولا يجد منه كريه رائحة في حال دنوه منه ويواصل استعمال الطيب والبخور الفائق والتضمخ بالمسك فإن الملوك ترى أن من أغفل تعهد نفسه كان ومنها‏:‏ أن يتجنب التفاصح والتعمق في مخاطبة رئيسه والافتخار عليه بالبلاغة والبيان‏:‏ لما في ذلك من الترفع عليه في الكلام بل يجعل ما يلقيه إليه ضمن ألفاظ تدل على معانيها بسهولة مع غض من صوته وخفض من طرفه وسكون من أعضائه‏:‏ لأنه إنما يتسامح بالإتيان بالفصاحة والذهاب بمذهب الجزالة للخطباء الذين يثنون على الملوك في المواقف العامة ضرورة احتياجهم إلى استعمال ألفاظ تقع في الأسماع أحسن المواقع‏.‏

ومنها‏:‏ أنه إذا تميز عند رئيسه وارتفعت رتبته لديه أن يجمل القول في خاصته وعامته ويحسن الوساطة لحاشيته ورعيته ويتجنب القدح عنده في أكفائه ونظرائه من بطانته والمقربين من حضرته ليكون ذلك داعياً إلى محبته والثناء عليه مكافأة وإمساك الألسن عن الطعن فيه‏.‏

ومنها‏:‏ أن يبادر إلى المشورة عليه بالصواب فيما يستشيره فيه ويورده إيراد مستفيد لا مفيد ومن تعلم لا معلم ويتلطف في أن يوقعه من نفسه موقعاً يدعوه إلى العمل به‏.‏

فإن من عادة الملوك والرؤساء الأنفة من الانقياد إلى ما ينتحله غرهم من الآراء ولو كانت صائبة وإن تمكن من صياغة حديث يودعه فيه فعل مخادعة بذلك لنفسه الأبية وعزته المتقاعسة‏.‏

عباس
14-02-2005, 03:59 PM
أخي المفكر ..


جزاك الله خيراً .. ونفع بك البلاد والعباد ..


وحقاً موضوع الكتابة .. يحتاج لدراسة متأنية .. فلا تعجل على أخوتك فتشعر منهم عدم الجدية والتفاعل ..


فلعلنا نطلع على ما كتبت .. فندارسه .. ثم يكون التفاعل والاندياح ..


لك خالص الشكر .. ونرجو المواصلة .. ونتمنى مشاهدة بقية الأخوة تفعيلاً .. واستنهاضاً ..