المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بيان ما هو العلم الفرض



ابو انس
15-11-2006, 02:09 PM
أخرج ابن ماجة في "سننه" بسنده عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ »(1).

ولما كان الفهم عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم مشروطاً فيه أن يكون على مرادِ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا على حسب الأهواء , كان لِزاماً أن يُنظر في مدلولِ اللفظِ الذي تلفَّظَ به الرسول صلى الله عليه وسلم , حتى يكون فهمُ اللفظِ على مراد الرسول صلى الله عليه وسلم , لذلك ننظر - إن شاء الله - في معنى : "الواجب", وفي معنى : "الفرض", ثم ننظر - إن شاء الله - في معنى "فرض العين", وفي معنى : "فرض الكفاية",حتى نكون على بيِّنةٍ من الأمر .
قال الشوكانيُّ رحمه اللهُ : " الواجبُ في الاصطلاح : ما يُمدح فاعلُه, ويُذَمُّ تاركُه, على بعض الوجوه, ويرادفُه الفرض عند الجمهور, وقيل : الفرض ما كان دليلُه قطعيّا, والواجب ما كان دليلُه ظنيّا, والأول أولى"(2).
فالفرض عند الجمهور هو ما طلب الشارع فعلَه على وده اللزومِ, بحيث يُذَمُّ تاركُه, ومع الذمِّ العقابُ, ويمدح فاعلُه ومع المدحِ الثوابُ(3).

والواجب - وهو الفرض عند الجمهور - ينقسم على : " واجبٍ عيني, وواجب على الكفاية , فالواجب العينيُّ هو : ما ينظر فيه الشارع إلى ذات الفاعلِ; كالصلاة والزكاة والصوم, لأنًّ كلَّ شخصٍ تلزمه بعينه طاعةُ اللهِ عزَّ وجلَّ لقوله تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات : 56].

وأما الواجب على الكفاية فضابطه أنه ما ينظر فيه الشارعُ إلى نفس الفعلِ, بقطع النظرِ عن فاعلِهِ؛ كدفنِ الميت, وإنقاذِ الغريق ونحو ذلك, فإن الشارعَ لم ينظر إلى عينِ الشخصِ الذي يدفنُ الميتَ أو ينقذُ الغريقَ, إذ لا فرقَ عنده في ذلك بين زيدٍ وعمرٍو, وإنما ينظر إلى نفسِ الفعلِ الذي هو الدفنُ أو الإنقاذُ مثلاً "(4).
فالواجب العينيُّ: هو ما توجَّه فيه الطلبُ اللازم إلى كلِّ مكلَّفٍ, أي: هو ما طلب الشارعُ حصوله من كلِّ واحدٍ من المكلَّفين, فلا يكفي فيه قيامُ البعضِ دون البعضِ الآخرِ, ولا تبرأ ذِمَّةُ المكلَّفِ منه إلا بأدائِهِ؛ لأنَّ قصدَ الشارع في هذا الواجب, لا يتحقَّق, إلا إذا فعله كلُّ مكلَّفٍ, ومن ثَمَّ يأثم تاركُه ويلحقه العقابُ, ولا يُغني عنه قيامُ غيره به.

فالمنظورُ إليه في هذا الواجب: الفعلُ نفسُه والفاعلُ نفسُه, ومثالُه: الصلاةُ, والصيامُ, والوفاءُ بالعقودِ, وإعطاءُ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه.

والواجبُ على الكفاية: هو ما طلب الشارعُ حصولُه من جماعةِ المكلَّفين, لا من كلِّ فردٍ منهم؛ لأنَّ مقصودَ الشارعِ حصولُه من الجماعةِ, أي: إيجادُ الفعلِ لا ابتلاءُ المكلَّفِ, فإذا فعله البعضُ سقط الفرضُ عن الباقيين؛ لأنَّ فعلَ البعضِ يقوم مقامَ فعلِ البعضِ الآخرِ, فكان التاركُ بهذا الاعتبارِ فاعلاً,وإذا لم يقم به أحدٌ أَثِمَ جميعُ القادرين. فالطلبُ في هذا الواجبِ منصبٌّ على إيجادِ الفعلِ لا على فاعلٍ معيَّنٍ, وأمَّا في الواجبِ العينيِّ فالمقصودُ تحصيلُ الفعل, ولكن من كلِّ مكلَّفٍ. وإنما يأثم الجميعُ إذا لم يحصل الواجب الكفائيُّ؛ لأنه مطلوب من مجموعِ الأمةِ, فالقادر على الفعلِ عليه أن يفعله, والعاجزُ عنه عليه أن يَحُثَّ القادرَ, ويحمله على فعله, فإذا لم يحصل الواجبُ كان ذلك تقصيرًا من الجميعِ: من القادرِ, لأنه لم يفعله, ومن العاجزِ, لأنه لم يحمل القادرَ على فعلِهِ ويحثُّه عليه(5).

وقد يؤول واجبُ الكفايةِ إلى أن يكون واجبًا عينيّا, فلو كانت البلدُ مضطرةً إلى قاضيين, وكان هناك عشرةٌ يصلحون للقضاءِ؛ فإنَّ تولِّيه واجبٌ كفائيٌّ على العشرةِ.

وأمَّا إن لم يكن هناك غيرُ اثنين, فإنه يكون واجبًا عينيّا عليهما(6).

رَجعٌ إلى حديثِ أنسٍ

عن أنسٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ».

قال ابن عبد البرِّ رحمه اللهُ في كتاب "جامع بيان العلم", بعد أن روى هذا الحديثَ من عِدَّةِ طرقٍ ذكرها: "قد أجمع العلماءُ على أنَّ من العلمِ ما هو فرضٌ متعيَّنٌ على كلِّ امرئٍ في خاصَّة نفسِه, ومنه ما هو فرضٌ على الكفايةِ إذا قام به قائمٌ سقط فرضُه عن أهلِ ذلك الموضعِ, واختلفوا في تلخيصِ ذلك.
والذي يلزم الجميعَ فرضُه من ذلك: ما لا يسعُ الإنسانَ جهلُه من جُملةِ الفرائضِ المفترَضةِ عليه, نحو: الشهادةُ باللسانِ والإقرارُ بالقلب بأنَّ الله وحده لا شريك له, ولا شِبْهَ له ولا مِثْلَ, لم يلد ولم يُولد ولم يكن له كُفُوًا أحدٌ, خالقُ كلِّ شيءٍ, وإليه مرجعُ كلِّ شيءٍ, المحيي المميتُ, الحيُّ الذي لا يموتُ.
والذي عليه جماعةُ أهلِ السنةِ أنه لم يزل بصفاتِهِ وأسمائِهِ, ليس لأوَّليَّته ابتداءٌ, ولا لآخريتِهِ انقضاءٌ, وهو على العرشِ استوى.
والشهادةُ بأنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم عبدُهُ ورسولُهُ, وخاتمُ أنبيائِهِ, حقٌّ, وأنَّ البعثّ يغد الموتِ للمجازاةِ بالأعمالِ, والخلودَ في الآخرة لأهلِ السعادةِ بالإيمانِ والطاعةِ في الجنةِ, ولأهلِ الشقاوةِ بالكفرِ والجحودِ في السعير حقٌّ, وأنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ, وما فيه حقٌّ من عند اللهِ يجب الإيمانُ بجميعِهِ واستعمالِ مُحْكَمِهِ, وأنَّ الصلواتِ الخمسَ فرضٌ, ويلزمه من علمها علمُ ما لا تتمُّ إلا به من طهارتها وسائرِ أحكامها, وأنَّ صومَ رمضان فرضٌ, ويَلْزَمُهُ علمُ ما يُفسِدُ صومَه وما لا يتمُّ إلا به, وإن كان ذا مالٍ وقدرةٍ على الحجِّ لزمه فرضًا أن يعرف ما تجب فيه الزكاةُ ومتى تَجِبُ وفي كم تجبُ, ويلزمه أن يعلم بأنَّ الحجَّ عليه فرضٌ مرَّةً واحدةً في دهرِهِ إن استطاع إليه سبيلاً, إلى أشياءَ يلزمُهُ معرفةُ جُمَلِهَا ولا يُعذر بجهلها, نحو: تحريمُ الزنا والربا, وتحريمُ الخمرِ والخنزيرِ وأكلِ الميتةِ والأنجاسِ كلِّها والغَضْبِ والرِّشوةِ على الحكمِ والشهادةِ بالزُّورِ وأكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ وبغيرِ طِيبٍ من أنفسِهم إلا إذا كان شيئًا لا يُتَشَاحُّ فيه ولا يُرْغَبُ في مِثْلِهِ, وتحريمُ الظُّلْمِ كلِّه, وتحريمُ نكاحِ الأمهاتِ والأخواتِ ومَنْ ذُكر معهنَّ, وتحريمُ قتلِ النفسِ المؤمنةِ بغيرِ حقٍّ, وما كان مثلَ هذا كلِّه مما قد نطقَ الكتابُ به وأجمعت الأمةُ عليه.
ثم سائرُ العلمِ وطلبِه والتفقُّهِ فيه وتعليمِ الناسِ إياه, وفتواهم به في مصالحِ دينهم ودنياهم فهو فرضٌ على الكفايةِ يلزم الجميع فرضُه, فإذا قام به قائمٌ سقط فرضُه عن الباقين, لا خلافَ بين العلماءِ في ذلك, وحجَّتُهُم فيه قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة : 122].

فألزم النفيرَ في ذلك البعضَ دون الكلِّ, ثم ينصرفون فيعلِّمون غيرهم, والطائفةُ في لسانِ العربِ: الواحدُ فما فوقه"(7).

وقد ساق ابن قدامة رحمه اللهُ حديثَ أنسٍ رضي الله عنه في فرضيةِ طلبِ العلمِ, ثم قال: "قال المصنِّفُ رحمه الله تعالى: اختلف الناسُ في ذلك:

فقال الفقهاءُ: هو علمُ الفقهِ؛ إذ به يُعرف الحلالُ والحرامُ.
وقال المفسِّرون والمحدِّثون: هو علم الكتابِ والسنَّةِ؛ إذ بهما يُتَوَصَّلُ إلى العلومِ كلِّها.
وقالت الصوفيةُ: هو علمُ الإخلاصِ وآفاتِ النفوسِ.
وقال المتكلِّمون: هو علمُ الكلامِ.
إلى غير ذلك من الأقوالِ التي ليس فيها قولٌ مَرْضِيٌّ, والصحيحُ أنَّه: علمُ معاملةِ العبدِ لربِّه.
والمعاملةُ التي كُلِّفَهَا (العبدُ) على ثلاثةِ أقسامٍ: اعتقادٌ, وفعلٌ, وتركٌ.

فإذا بَلَغَ الصبيُّ, فأولُ واجبٍ عليه تُعُلُّمُ كلمتي الشهادةِ وفهمُ معناها وإن لم يحصل ذلك بالنظرِ والدليلِ, لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم اكتفى من أجلافِ العربِ بالتصديقِ من غيرِ تعلُّمِ دليلِ, فذلك فرضُ الوقتِ, ثم يجب عليه النظرُ والاستدلالُ(8).

فإذا جاء وقتُ الصلاةِ وَجَبَ عليه تعلُّمُ الطهارةِ والصلاةِ, فإذا عاش إلى رمضان وَجَيَ عليه تعلُّمُ الصومِ, فإن كان له مالٌ, وحال عليه الحَوْلُ وجب عليه تعلُّمُ الزكاةِ, وإن جاء وقتُ الحجِّ وهو مستطيعٌ وَجَبَ عليه تعلُّمُ المناسكِ.

وأمَّا التروكُ: فهو بحسب ما يتجدَّد من الأحوالِ, إذ لا يجب على الأعمى تعلُّمُ ما يَحْرُمُ النظرُ إليه, ولا على الأبكم تعلُّمُ ما يَحْرُم من الكلامِ, فإن كان في بلدٍ يُتعاطى فيه شُرب الخمرِ ولُبْسُ الحريرِ, وجب عليه أن يعرفَ تحريمَ ذلك.
وأمَّا الاعتقاداتُ: فيجب علمُهَا بحسبِ الخواطرِ, فإن خَطَرَ له شَكٌّ في المعاني التي تدلُّ عليها كلمتا الشهادةِ, وَجَبَ عليه تعلُّمُ ما يصل به إلى إزالةِ الشكِّ, وإن كان في بلدٍ قد كَثُرَتْ فيه البدعُ, وَجَبَ عليه أن يتلقَّن الحقَّ, كما لو كان تاجرًا في بلدٍ شاع فيه الربا, وجب عليه أن يتعلَّمَ الحذرَ منه. وينبغي أن يتعلَّم الإيمانَ بالبعثِ والجنةِ والنَّارِ...

فبان بما ذكرنا أن المرادَ بطلبِ العلمِ الذي هو فرضُ عينٍ: ما يتعيَّنُ وجوبُهُ على الشخصِ.
وأما فرضُ الكفايةِ: فهو كلُّ علمٍ لا يُستغنى عنه في قِوَامِ أمورِ الدنيا؛ كالطبِّ: إذ هو ضروريٌّ في حاجةِ بقاء الأبدانِ على الصحةِ, والحسابِ: فإنَّه ضروريٌّ في قسمةِ المواريث والوصايا وغيرها فهذه العلومُ لو خَلا البلدُ عمَّن يقوم بها حَرِجَ أهلُ البلدِ, وإذا قام بها واحدٌ كفى وسقط الفرضُ عن الباقين"(9).

تبيَّن مما سَبَقَ أنَّ من العلمِ ما هو فرضُ عينٍ, وهو ما لا يصحُّ اعتقادُ أحدٍ, ولا عبادتُه إلا به, ومنه ما هو فرضُ كفايةٍ, وهو علمُ ما ليس مفروضًا عليه في الوقتِ, وقد قام به قائمٌ فسقطت فرضيتُه في الوقت عنه

من موقع فضيلة الشيخ محمد سعيد رسلان

________________________________________

(1) الحديثُ صحَّحه الألبانيُّ في "صحيح سنن ابن ماجة" رقم (183), واستوفى في "تخريج أحاديث مشكلة الفقر" طرقه بحثًا واستقراءً وتتبُّعًا, ثم قال: "فالحديثُ بمجموع ذلك صحيحٌ بلا ريب عندي", ثم نقل عن العراقي تصحيحَ بعضِ الأئمة لبعضِ طرقه, ونقل تحسينَ المزي والسيوطي للحديث, ثم قال: "والتحقيق أنه صحيح, والله أعلم".
ثم قال: "اشتهر الحديث في هذه الأزمنة بزيادة "مسلمة", ولا أصل لها ألبتة, وقد نبَّه على ذلك السخاوي فقال: "قد ألحق بعضُ المصنفين بآخر هذا الحديث و"مسلمة", وليس لها ذكرٌ في شيءٍ من طرقه, وإن كان معناها صحيحًا". ]انظر: تخريج أحاديث مشكلة الفقر, للألباني, ص48 – 62[.
(2) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول للشوكاني. تحقيق الدكتور شعبان محمد إسماعيل(1/50).
(3) عند الأحناف أن "الفرض" غير "الواجب", ويوجد في بعض كلام غير الحنفية التفريقُ بين الفرض والواجب, على قلَّةٍ, والجمهور على ترادف اللفظين. ارجع في ذلك: "الإحكام في أصول الأحكام" للآمدي(1/139), و "أصول الفقه" للشيخ محمد أبو النور زهير(1/53), و "الوجيز في أصول الفقه" للدكتور عبد الكريم زيدان ص31, و "الواضح في أصول الفقه" للدكتور محمد سليمان الأشقر (ص24).
(4) مذكرة أصول الفقه للشيخ محمد الأمين الشنقطي (ص12).
(5) الوجيز في أصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان (ص36).
(6) الواضح في أصول الفقه للدكتور محمد سليمان الأشقر (ص37).
(7) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (ص5 - 7).
(8) في وجوب هذا النظر نظر.
(9) مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة المقدسي. تحقيق علي حسن عبد الحميد (ص24).

ابو انس
15-11-2006, 02:20 PM
الواقعية ... الصخرة التي نحطم عليها رؤوسنا








بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آلة وصحبه ومن والاه , أما بعد
فالواقعية كلمة تترد على ألسنتنا وألسنة الناس ، فالبعض يعبر عن نفسه بأنه ممن يحبون الواقعية ، وينصح الآخرين بقوله : كونوا واقعيين ، ويكثر الاحتجاج بالواقع ، فالواقع عنده يأمرنا بكذا ، ويقول لنا كذا ويعتبر ذلك من جملة المسلمات ، حتى صارت كلمة الأمر الواقع أشبه بالصخرة التي نحطم عليها رؤوسنا ، ويطلب منا أن نتنازل له عن كل شرع ودين .
بل مجرد المحاولة والسعي لتغيير الأمر الواقع قد يصير جنوناً ونوعاً من الخيال والوهم عند الواقعيين، وخصوصاً إذا شب عليه الصغير وشاب عليه الكبير، فإسرائيل أمر واقع ، والتعامل لإنعاش اقتصاديات الفرد والدولة أمر واقع ، والتبرج في بعض البقاع ، ومشاهدة الفيلم والتمثيلية والمسرحية والرقصة وسماع الأغاني والموسيقى أمر واقع ، لاتتصور السعادة ولا حتى الحياة بدونها , والبعض في احتجاجه بالأمور الواقعة يعبر بأن الواحد زائد واحد تساوى أثنين، ولا تعدم أن يتزلزل البعض ويتردد آخرون أمام هذه التعبيرات ، فيحل الحرام ويحرم الحلال ، ويضيع عنده مفهوم الولاء والبراء ويهمل الفرائض والواجبات الشرعية بسبب كثرة الواقعيين ، ولرواج الكلمة وشدة الانبهار بها ،
والناس في تشخيص الواقع قد يتفاوتون ويختلفون ، وشأنهم في ذلك كشأن الأطباء ، كثيراً ما يختلفون في تشخيص المرض وفى وصف الدواء تبعاً لذلك ، ومنهم المصيب ومنهم المخطئ والناس قديماً وحديثاً في هذا وغيره بين غلو و جفو , وإفراط وتفريط , وإسراف وتقصير وقلة من البشر هي التي تعدل وتعتدل , ولا نغالي لو قلنا : إن أعداء الإسلام والمسلمين قد غرسوا فينا ثغرات كثيرة وسهاماً عديدة ، ثم عادوا واستثمروها لمصلحتهم ، ومن بين هذه الثغرات وهذه السهام ، الواقعية التي يتشدق البعض بها ، فاليهود على سبيل المثال لا الحصر ، كانوا دوما ينقلوننا من واقع سيء إلى واقع أسوأ ، فنطالب بالخروج من الواقع الأسوأ وننسى الواقع السيئ ، وننسى هنا وهناك العودة لدين الله والأخذ بأسباب القوة الحقيقية حتى يزول عنا الواقع السيئ والأسوأ وبحيث يصطلح كل فريق على حقه , فكل أرض علاها حكم الله لا بد من استردادها لحوزة الإسلام والمسلمين مرة ثانية ولكن الذي حدث بعد هدنة 1948م وقبلها نسيان للنفس والدين ودارت الحروب المتتالية عام 1956م ، 1967م ، 1973م وفى كل مرة ننتقل فيها للأسوأ , كنا نطالب اليهود بالعودة للحدود السابقة حتى نسينا أن الواجب رد الغاصبين الظالمين عن كل شبر من أرض فلسطين وليس فقط المسجد الأقصى عندما نقول ذلك اليوم سنوصف بالجنون فإسرائيل صارت دولة وغاية المني أن نعيش في جوارها في سلام ووئام وهذه هي الواقعية وهذا هو كلام الواقعيين !!!
يقولون إن إسرائيل تمتلك السلاح النووي وتحميها أكبر دول العالم وهذا إن كان واقعاً إلا أنه يقبل التغيير بفضل الله فلا داعي إلى اليأس والقنوط من رحمة الله وقد وردت النصوص والأمور كلها على ما عند الله تفيد استرداد الأمة لبيت المقدس وقتال المسلمين لليهود والانتصار عليهم , روى الشيخان عن أبى هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله علية وسلم أنه قال : " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فأنه من شجر اليهود "
يتكلمون عن التفرق والتشرذم الذي تعانيه الأمة وعن حالة الضعف التي نعيشها مما أغرى الأعداء بافتراس البلاد والعباد حتى أصبحنا كاليتيم على موائد اللئام , وكل ذلك واقع ولكنه لا ينفى أن المستقبل للإسلام بغلبته وظهوره على الأديان كلها , وأن الخلافة ستعود على منهاج النبوة بإذن الله وهذا يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء في معنوياتهم ومادياتهم وسلاحهم , وما ذلك على الله بعزيز , ستعود جزيرة العرب مروجأ وأنهاراً وستفتح القسطنطينية ورومية وهى عاصمة إيطاليا اليوم وسيعم الإسلام كل بيت مدر ووبر بعز عزيز أو بذل ذليل عزأ يعز الله به الإسلام وذلاً يذل به الكفر نقول ذلك تحقيقاً لا تعليقاً طالما وردت به النصوص الصحيحة , ومسيرة آلاف الأميال تبدأ بخطوة واحدة قال تعالى : " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون "
لقد ظن البعض أن هذا الانحطاط الذي يعيشه المسلمون اليوم يستحيل تصحيحه , وأن أمره غير قابل للتغيير والإصلاح وما عليهم إلا أن يجلسوا غرباء ينتظرون نزول المسيح عليه السلام في آخر الزمان وظهور المهدي الذي صرحت الأحاديث الصحيحة بمجيئه وأنه يملاً الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلماً و جورا ويصلى بالمسلمين في بيت المقدس ، وقد يحتجون على قعودهم ذلك بما ورد من أحاديث عن ظهور الفساد وانتشاره ، وأنه لن يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه حتى إن القابض على دينه كالقابض على الجمر ، وأن عمل المرء فيها كعمل خمسين من الصحابة إلى غير ذلك من الأحاديث ، وقد تناسى هؤلاء أن الجهاد ماض في الأمة ، وأن الطائفة الظاهرة تقاتل على الحق من خالفها إلى قيام الساعة وأن الخير في هذه الأمة حتى يرسل الله الريح الطيبة التي تقبض روح كل مؤمن ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر، عليهم تقوم الساعة ، وهذه الطائفة قد تقل هنا وتكثر هناك ولكن ما خلت الأرض من قائم لله بحجة ، يقيمون حجج الله وبيناته على العباد ، وبذلك كله وردت أيضا النصوص الشرعية ، فلا داعي أن نضرب النصوص بعضها ببعض وقد خرجت جميعاً من مشكاة واحدة، وما علينا إلا أن نعمل بطاعة الوقت ونعد للأمر عدته لإيصال الحق إلى الخلق ، والقيام لله بحقه ليحيى من حي عن بينه ويهلك من هلك أيضاً عن بينه ، ولنحذر النكوص على العقب: " وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم " " وما يعلم جنود ربك إلا هو" فأحرص أن تكون واحداً من هؤلاء.
ينبغي أن نخرج من الواقع السيئ متى وسعنا الأمر، لا أن نتعلل به ، وهذا من إيماننا بالقدر، فقد تعلمنا كيف نفرّ من قدر الله إلى قدر الله ، وكما نستدفع قدر الجوع بقدر الأكل كذلك نستدفع قدر البلاء بقدر الدعاء وقد هاجر الصحابة رضي الله عنهم ودخل بعضهم في الجوار استدفاعاً لأذى المشركين ، كل ذلك وإيمانهم ويقينهم بوعد الله لم يهتز ولم يتزعزع ، فقد علموا أن نصر الله آت ، وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً ، وكانوا بما في يد الله أوثق منهم بما في يد أنفسهم ، فوقفوا في الموضع الذي أوقفهم الشرع فيه ولم يغتروا بواقع زائف مكذوب ، ومما يروى في ذلك قول خالد بن الوليد رضي الله عنه حين قال له رجل : ما أكثر الروم وأقلّ المسلمين ، فقال : ما أقلّ الروم وأكثر المسلمين ، إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال والله لوددت أن الأشقر( اسم فارس خالد) براء وأنهم أضعفوا ( أي زادوا ) في العدد ، وكتاب أبى بكر رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه: " أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر ما جمعت الروم من الجموع وإن الله لم ينصرنا مع نبيه صلي الله عليه وسلم بكثرة عدد ولا بكثرة جنود وقد كنا نغزوا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم وما معنا إلا فرس واحد كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يركبه ولقد كان يظهرنا ويعيننا على من خالفنا
وقد حدث بعد موت رسول الله صلي الله عليه وسلم أن ارتدت العرب وظهر النفاق واشرأبت اليهودية والنصرانية والمسلمون كأغنام الوليدة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم صلي الله عليه وسلم وقلتهم وكثرة عدوهم فأشاروا على أبى بكر بعدم إنقاذ جيش أسامة ، فقال أبو بكر وكان أحزمهم أمراً : أنا أحبس جيشاً بعثه رسول الله صلي الله عليه وسلم ؟! لقد أجترأت على أمر عظيم ، والذي نفسي بيده لأن تميل على العرب أحب إلى من أن أحبس جيشاً بعثه رسول الله ، امض يا أسامة في جيشك للوجه الذي أمرت به ثم اغز حيث أمرك رسول الله من ناحية فلسطين وعلى أهل مؤته، لأن الله سيكفى ما تركت ، وتقدم في يوم مؤته عبد الله بن رواحه رضي الله عنه حين أجتمع العدو مائتي ألف فقال يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة , فقال الناس : قد صدق والله ابن رواحه ، لقد قالوا بلسان حالهم ومقالهم آمنت بالله وكذبت البصر، فكأن الغيب شهادة ، وكما قال النبي صلي الله عليه وسلم للذي شرب العسل فاستطلقت بطنه ( أصابه إسهال ) : صدق الله وكذبت بطن أخيك ، اذهب فاسقه عسلاً، فذهب فسقاه عسلاً فبرئ " رواه الشيخان.
وكذلك اليوم نقول : صدق الله وكذبت يهود وأذناب يهود ، فهذا الواقع لا بد وأن يتغير بإذن الله وكل ما هو آت فهو قريب والبعيد ما ليس بآت.
أخطأ من ظن أن الواقعية هي ما عليه الكثرة أو هي ما فتح عليه عينيه من الدنيا أو هي العرف والعادة والبيئة والنشأة , قال تعالى : ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) وقال ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) , وقالوا : اعرف الحق تعرف أهله واعرف الباطل تعرف من آتاه واسلك طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين , وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين
إن الواقع شي والرضا به شيء آخر ، فإذا أصبحت الواقعية منهج حياة ، قلنا رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله علية وسلم نبياً " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً "
فمن قال أن الربا واقع لا انفكاك عنه ، قلنا له " يمحق الله الربا ويربى الصدقات " فهذا هو الواقع الحقيقي لا الزائف المدمر الذي تتحدثون عنه وما جنينا من التعاملات الربوية على مستوى الفرد إلا الخراب والهلاك .
ومن قال إن النفوس لا تسعد إلا بالرقصة والأغنية والموسيقى والمخدرات قلنا له كذبت ، فهذا هو واقع نفسك المريضة ، وأنت بحاجة لعلاج حقيقي ، قال تعالى : " فمن أتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى " إن الحرام عبارة عن لذة ساعة وألم دهر ، " والله يعلم وأنتم لا تعملون " " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" وسعادة النفوس المؤمنة تتحقق بذكر الله وتلاوة القرآن والصلاة , والترويح عن النفس بالمباحات التي لا معصية فيها , فإن لم يكن هذا واقعنا فلنجاهد النفس حتى يصير شرع الله في هذا وغيره هو واقعنا , والنفس تقبل التغيير قال تعالى " قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها " .
لقد فتحنا أعيننا على لوثة مادية في الطب وغيره ، فالتداوي لا يتم إلا بالحقن والأدوية المركبة والعملية الجراحية ، فإذا سمع الأطباء من يعالج بالعسل أو الحجامة أو حبة البركة أو ألبان الإبل , استخفوا به وانتقصوه بزعم أن الدنيا تطورت وتحضرت !! وهذا قصور ممن فعله ، وإهدار للأمر الواقع وجهالة بمعان التطور والتحضر , فلا منافاة بين إجراء العملية وشرب العسل الذي فيه شفاء للناس كما هو ثابت باليقين والقطع وكذلك الأمر بالنسبة لماء زمزم فهو " طعام طعم وشفاء سقم " و " ماء زمزم لما شرب له " ، فمن تعاطاه للشفاء شفاه الله تعالى ولا معارضة بين تعاطى الأدوية المباحة وبين استخدام الحبة السوداء والتي هي شفاء من كل داء والأبحاث في ذلك كثيرة ويكفينا ما ورد في ذلك من النصوص الشرعية , وقس على ذلك.
وهل التطور المادي في الطب وغيره يمنع من الدعوات الصالحات والأخذ بأسباب الإجابة
" وقال ربكم ادعوني استجب لكم " كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : إني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء , وذلك أن العبد إذا أُلهم الدعاء فإن الإجابة معه.
إن المهارة في الطب مطلوبة وليس معنى ذلك أن نصير ملاحدة وزنادقة , وأن نفصل بين السنن الشرعية والسنن الكونية , ونقطع ما بين الأرض والسماء , فالشافي هو الله " وإذا مرضت فهو يشفين "
يقولون : التنمية تضيع بسبب زيادة عدد السكان , ولذلك يشيعون ويروجون لوسائل تحديد النسل في أوساط المسلمين ويعتبرون أنفسهم واقعيين , وهذه مصادمة للشرع والواقع في وقت واحد , فالشرع حثنا على تكثير النسل , " تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " والواقع الثابت في إنجلترا والصين يعتبر الفرد من أعظم أسباب الثروة والتنمية , إذا أحسن استثماره , فبدلا من تقليل النسل فلننظر كيف نربي الأمة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , فهي أمة الدعوة , والمؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف , فإذا فعلنا أكلنا من فوق رؤوسنا ومن تحت أرجلنا , واستمطرنا الرحمة واستدفعنا النقمة.
لقد وضعت الخلافة لإقامة الدين ولسياسة الدنيا به ولابد من ضبط الواقع بشرع الله , والواقعية الحقة أن يكون عملنا هنا ونظرنا في السماء , وتطابق فيها السنن الشرعية مع السنن الكونية , وأن ننظر للواقع بمنظار الشرع , فما وافق الحق قبل وما خالف الحق مردود على صاحبه , بل حتى لو خالف أهل الأرض جميعا , فلا التفات لهم , ولسان الحال والمقال ينطق " قل إني أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم "
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين