المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : *****كلمات قالها شيخنا*****


مريم التونسية
03-09-2006, 09:26 PM
السلام عليكن و رحمة الله و بركاته

اخواتي الحبيبات اردت ان انقل لكن هذه الخطبة (خطبة الجمعة ) التى بعنوان "برالوالدين" لسماحةالشيخ العلامة عبد العزيز آل شيخحفظهاللهبتاريخ 16 صفر 1424.

<الخطبة الأولى -->

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين , أما بعد :

فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

أخي المسلم، إنَّ لأبويك عليك حقًّا عظيمًا وواجبًا أكيدًا، فهما السّبب بعدَ الله في إيجادك، وهما اللذان قاما بتربيتِك وإصلاح حالِك، وهما اللذان أنفقا عليك، وهما اللذان تولَّيا التربيةَ لك منذ نشأتِك إلى أن بلغتَ رشدَك.

أخي المسلم، فتذكَّر الأمَّ وفعلَها الجميل ومعروفها السابِق، تذكَّر أيّام كنتَ تتعِبها في الحمل وعند الولادة، وأيّامَ كانت تعاني من حضانتِك ورضاعك وتربيتِك والقيام بحقّك وسهر الليالي الطويلة في سبيل راحتِك وطمأنينتِك، كم ترضَى بالسهر لنومِك، وكم ترضى بجوعٍ لشِبعك، وكم ترتاح بالتّعب لراحتِك، وكم تؤمِّل فيك وتؤمِّل، وكم ترجو من الله على يدَيك الخيرَ لها، كم تفرَح بك، وكم يؤنِسها صحَّتك وسلامتُك، وكم يسيؤُها مرضك وتعبُك، إن أصابك مرضٌ مرضت قبلك، وإن أصابَك خير فرِحت قبلك، فهي ترعَاك حقَّ الرعاية، وتحنو عليك حقَّ الحنان، وهي ترقُب كبرَك، وتترقّب ساعة بلوغك ورشدِك، وهي دائمًا ترعاك، ودائمًا رقَّة قلبها لك، فرحمتُها لك عظيمة، وبرُّها بك قديم، وشفقتُها وإحسانها إليك.

أخي المسلم، هل تنسى تلك المواقف لها؟! وهل تتجاهلُ تلك المكارمَ لها؟! وهل تنسى جميلها وبرَّها وإحسانها؟! وكيف تعامِلها بالجفاء والقسوة والغِلظة مع ما بذلت مِن رحمةٍ وحنانٍ وشَفقة؟!

تذكَّر الأبَ وفرحَه بمقدمك وسرورَه بوجودك، تذكَّر الأبَ وكم يكدَح وكم يسعى في سبيل توفير الحياةِ السعيدة لك، وكم يشفِق عليك، وكم يترقَّب كبرك، وكم ينتظِر منك الجميلَ والإحسان.

أيّها المسلم، هكذا فِعلُ الأبوين بك، فعلى أيِّ شيء نويتَ وقصدتَ؟! هل تكون برًّا كريمًا، تعرف للمعروف سابقتَه ولأهل الجميل جميلَهم؟! هل عزمتَ أن تردَّ شيئًا من المعروف لهما؟! هل عزمتَ أن تبرَّ بهما؟! هل عزمتَ أن تقصِد رضاهما؟! فإنَّ ذلك خلقٌ إيمانيّ كريم.

أيّها المسلم، إنَّ ربَّنا جلَّ وعلا في كتابه العزيز قد حثَّنا على البرِّ بالأبوين والإحسان إليهما في آيٍ كثير من كتابه العزيز، فبِرّ الوالدين أمرٌ عظيم، وحقُّهما كبير عالٍ، برُّهما قرينُ التّوحيد في كتاب الله:<<وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً>>[الإسراء:23]. هو سببٌ لدخول الجنّة، بل برّهما أوسطُ أبواب الجنة. برُّهما خلُق الأنبياء وآدابُ الصالحين الفضلاء. برُّهما من أفضل الأعمال التي يتقرَّب بها العبد، فبرُّهما رضًا للربِّ المتعال. برُّهما سببٌ في زيادة الرّزق، وبرّهما سبب في بركة العمر، وبرُّهما سببٌ في برِّ الأبناء لك بعد ذلك، وبرُّهما سببٌ لصلاح الذريّة، وبرّهما خير كثيرٌ وعمل صالحٌ لمن وفَّقه الله وهداه وأعانَه على نفسِه.

أخي المسلم، إنَّ مَن صَنَع إليك معروفًا من الخلق ترى ضرورةً لك أن تقابِل إحسانَه بالإحسان وفعلَه بالفعل الطيّب، أفأحدٌ بذَل معك معروفًا بعد فضل الله عليك مثلُ الأبوين؟! لا أحدَ برَّ بك وأحسَن بعد الله من أبويك، فقابِل المعروفَ بالمعروف، وقابِل الإحسانَ بالإحسان،<< هَلْ جَزَاء الإحسان إِلاَّ الإحسان>> [الرحمن:60].

أيّها المسلم، إنَّ الله جلّ وعلا قال لنا في كتابه العزيز:<<وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً(23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً>>[الإسراء:23، 24].

هكذا توجيهُ القرآن الكريم، يبيِّن تعالى أنَّه قضى ووصَّى وأمَر بعبادته وحدَه لا شريك له، فهو المستحقُّ أن يُعبَد دون سواه، وقضى بالإحسان إلى الوالدين، والإحسانُ إليهما طاعتُهما، النفقةُ عليهما، برّهما، الإحسان إليهما، مخاطبتُهما بكلِّ خطابٍ ليّن، تفريجُ همومِهما، تنفيسُ كلِّ ضائقَة حلَّت بهما، القيامُ بذلك خيرَ قيام.

إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا، فإنَّ البرَّ إنّما يحتاج الأبوانِ إليه عند كِبر سنِّهما ورقَّة عظمهما وضعفِ قوَّتهما واحتياجهما إلى من يقِف معهما في أحوالهما، مَن كان قويًّا فإنّه يخدِم نفسَه بنفسه، ولكن عندما يبلغ الأبوانِ الكبر، كلاهما أو أحدهما، فعند ذلك يأتي دورُ الأبناء البرَرَة ودورُ البنات البرَرَة.

إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا، ماذا؟ فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ، تأدَّب في الخِطاب معهما، فهما قد بَلغَا مِن السنِّ مبلغًا، كلُّ كلامٍ قاسٍ يؤثِّر على نفسيهما ويسيء إليهما، فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ، ولو أدنى كلام [ينمّ] عن جفاءٍ وغِلظة، قال بعض السلف: "لو علِم الله أقلَّ من الأفِّ لنهى عنه".

فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا، لا ترفَع الصوتَ عليهما، لا تخاطِبهما بخطابِ جفاء وغِلظة وعدمِ احترام، وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا، قولاً ليِّنًا سهلاً ينمي عن محبَّة وبرٍّ ورفق وحنان عليهما.

وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلّ مِنَ الرَّحْمَةِ، تواضَع لهما ولا تتكبَّر عليهما، فلا يغرنّك مال ولا جاهٌ ولا رِفعة في الدنيا، لا تصرفنَّك تلك الأمور عن حقوقهما، فالحقُّ واجب مهما كان حالك، وقُل لهما قولاً كريمًا ليِّنا سهلاً، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلّ مِنَ الرَّحْمَةِ.

ثم قال: وَقُل رَّبّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا، هكذا البارُّ المحسِن المؤدِّي للواجب، إذا قابل بين فعلِ الأبوين وبين فعلِه علِم أنَّ فعلَ الأبوين سابقٌ وعظيم، ومهما بذل الأبناءُ لن يستطيعوا أن يصِيروا إلى ما كان عليه الأبوان، الأبوان فعلُهما أعظمُ وأجلّ، لا يستطيع البارّ أن يقابلَ الفعلَ الجميل، ولا أن يقابِل المعروفَ السابق، إذًا فيقول: رَّبّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا، أي: يقول: يا ربّ هذه قدرتي على البرِّ وهذا مستطاعي، يا ربِّ لم أقدِر أن أكافئ الأبوين، يا ربِّ لم أستطعْ أن أقابلَ معروفَهما، يا ربِّ لا أستطيع أن أوفِّيَ حقَّهما، يا ربّ أنا عاجز عن ذلك، فارحمهما كما ربَّياني صغيرًا، ارحمهما برحمتِك، وجازِهما عنّي خيرًا، فإنّي مهما بذلتُ من برٍّ ومهما بذلت من قيام بالإحسان فللأبوين سابقُ الفضلِ وسابق الجميل وسابقُ المعروف، تلك الليالي من الأمّ وتلك الأيّام من الأب أفعالٌ عظيمة، ربِّ ارحمهما كما ربَّياني صغيرًا، هكذا الابن البارّ والبنت البارَّة بأمِّها.

أيّها المسلم، إنَّ البرَّ عملٌ صالح، إنّه سببٌ لتفريج الكربات، وسبب لإجابة الدّعاء، وسبب لطمأنينة النّفس، وسبب لزكاء القلب، وسببٌ لانشراح الصّدر، وسبب لاطمئنان البيت، وسبب لكلِّ خيرٍ ونعمة من الله.

فاحرِص ـ أخي المسلم ـ على أن تتقرَّب إلى الله ببرِّهما عسى أن تنالَ رضا الله، وإنَّ رضا الله في رضا الأبوين، وسخط الله في سخط الوالدين، فتقرَّب إلى الله ببرِّهما، واغتنِم حياتَهما، ولا سيَّما عند كبَر سنِّهما وضعف قوَّتِهما، فاحمَدِ الله أن جعلك قويًّا تستطيع أن توفِّيَهما شيئًا من حقِّهما، وإلاّ فلن تستطيعَ القيامَ بكلِّ الواجب.

أيّها المسلم، إنَّ نبيَّنا جعل برَّ الأبوين من أفضل الأعمال وأحبّها إلى الله، سئل : أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟ قال: ((الصلاة على وقتها))، قال السائل: ثم أيّ؟ قال: ((برّ الوالدين))، قال: ثم أيّ؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله))[1]. فجعل برَّ الوالدين من أفضل الأعمال، جعل برَّهما بعد فريضة الصلاة.

أتى رجلٌ النّبيّ يستأذنه في الجهاد، فقال له: ((أحيٌّ والداك؟)) قال: نعم، قال: ((ارجِع، ففيهما فجاهِد))[2]، فجعل برَّهما جهادًا في سبيل الله وعملا صالحًا يُتقرَّب به إلى الله.

أيّها المسلم، فعليك ببرِّهما مهما يَكُن الحال، واعلم أنَّ برّهما يستوي فيه من كان منهما مؤمنًا ومن ليس بمؤمن، حتّى ولو كانا على خلاف دينك، فالبرّ بهما مطلوب، يقول جلّ وعلا:<<وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا >>[العنكبوت:8]، وفي الآية الأخرى:<< وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً >>[لقمان:15]، فالبرّ بالأبوين مطلوبٌ ولو كانا غيرَ مؤمنين، فكيف بالأبوين المسلمين الطائعَين لله ورسوله؟! إذًا فالبرّ متعيِّن.

أيّها المسلم، برَّ بهما خدمةً ونفقةً، برَّ بهما قيامًا بالواجب، برّ بهما بالخطاب الطيِّب والكلام الحَسَن، وتقرَّب إلى الله بذلك.

أيّها المسلم، إنَّ من الصّدقة الجاريَة للعبد ولدًا صالحًا يدعو له بعد موتِه، ولهذا في الحديث: ((إذا مات ابنُ آدم انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جارية، أو علم يُنتفَع به، أو ولدٍ صالح يدعو له))[3].

برَّك بالأبوين شاملٌ لبرِّهما في حياتِهما وبرّك بهما بعدَ موتِهما، أتى رجلٌ النبيَّ فقال: يا رسول الله، ماذا بقي من برِّ أبويَّ؟ كيف أبرّ بهما بعد موتهما؟ هل بقِي من برِّ أبويَّ شيء أبرّهما به بعد موتهما؟ قال: ((نعم، الصلاةُ عليهما ـ أي: الدعاء ـ، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدِهما، وإكرامُ صديقهما، وصلةُ الرحِم التي لا توصَل إلا بهما))[4]. فبعدَ موتِ الأبوين تدعو لهما، تستغفرُ لهما، تنفِّذ عهدَهما، تبرّ صديقَهما، تنفِّذ وصاياهما، تصِل الرحمَ التي ترتبِط بالأبوين صلةً لله جلّ وعلا، تصلها طاعةً لله جلّ وعلا.

عبدُ الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صاحبُ رسول الله كان في طريقِه إلى مكّة، وكان معه حمارٌ يرتاح عليه بعد التّعَب من الراحلةِ، فجاءه أعرابيّ، فأعطاه حمارَه وعمامتَه، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، ما هذا؟ قال: إنَّ أبا هذا كان صديقًا لعمر، وإنّي سمعت رسولَ الله يقول: ((إنَّ من أبرّ البرِّ إكرامَ الرّجل أهلَ ودّ أبيه))[5].

فيا أخي المسلم، أكرِم الأبوين في الحياة، إيّاك وأن يبعِدَك عنهما قيلٌ وقال، إيّاك أن تقدّم عليهما غيرَهما، اجعَل حقّهما مؤكَّدًا، واستعِن بالله وأحسِن القصدَ ولو ابتُليتَ بما ابتليتَ به من بعض الأمور التي قد تعوق ذلك، فوطّد نفسَك وروّضها على أنَّ برّهما حقّ، وأنَّ واجِبَهما أكيد، وأنَّ حقَّهما عظيم، فعند ذلك ييسّر الله أمرَك، <<وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً(2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ>>[الطلاق:2، 3].

فاتّق الله في الأبوين، اتّق الله فيهما، أحسِن مجالستَهما ومصاحبتَهما. كم من إنسانٍ إذا كان مع الغير تراه بشوشَ الوجه حسنَ القول لطيفًا مع الغير، وإن رأى الأبوين [كشّر] وجهَه في وجوههما واستثقلهما وكرهَهما واستبطأ أجلَهما، كلّ ذلك من الجهل العظيم.

أيّها المسلم، هل ترضى لأبوَيك أن يتولّى خدمتَهما غيرُك، أو تخرجهما من دارك سآمةً ومللاً منهما، وتلقيهما عند من يُحسن إليهما وأنت في صحّةٍ وسلامة وعافية؟! إنّ هذا لهو الحرمانُ العظيم.

فليتَّق المسلمون ربَّهم في أبوَيهم، وليقوموا بهذا الواجب خيرَ قيام، وليتربَّ النشءُ على ما يرَون من آبائهم، فكونُك تبرّ بأمّك وتبرّ بأبيك زوجتُك تفعلُ ذلك، وبنوك وبناتك يفعلون ذلك، فيتواصل البرّ ويحصل الخير، أمّا إذا شاهد الأبناءُ منك عقوقًا وسوءَ خطاب انقَدح ذلك في النفوس، فعاملوك بمثل ما عاملتَ به الأبوين، وفي الأثر: "برّوا بآبائكم تبرّكم أبناؤكم".

فلنتَّقِ الله في الآباء والأمّهات، لنقدّم الخدمةَ لهما، لنرعَ كبرَهما وثقلهما، لنكونَ متقرِّبين إلى الله بهذا العمل الصالح، فعسى الله أن يعينَ الجميع على كلِّ خير، وأن يوفِّق الجميعَ لما يحبّ الله ويرضى.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

<--الخطبة الثانية -->

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التّقوى.

عبادَ الله، نبيُّنا قال لعمرَ بن الخطاب رضي الله عنه مخبِرًا له أنّه يأتيه رجلٌ يقال له: أويس القرني، من قرن ثمّ من مُراد مِن اليمن، كان بارًّا بأمِّه، كان بِه شيءٌ من برَص، فشُفي إلا موضع دِرهم منه، وقال النبيّ لعمر: ((إن رأيتَه فمُره يستغفر لك، فإنّه مجابُ الدّعوة))، وذلك ببرّه بأمّه. فلمّا قدِم وفدُ اليمن على عمرَ سألهم عن أويس وكان قد خلّفوه في الرّكب، فجيء به، فسلّم على عمَر، وسأله عمَر أن يستغفرَ له، فاستغَفَر لعمرَ رضي الله عنه، فلمّا حجّ ذهَب إلى الكوفة، ولمّا سأل عمرُ عنه بعضَ النّاس قالوا: تركناه في غبراءِ الناس، فقيرًا رثَّ الهيئة رثّ المسكن، فقال عمر: إنّ هذا رجلٌ مجابُ الدعوة بإخبار النبيّ ، فغدا الناس إليه، فلمّا شعر بهم انطلق منطلَقًا بعيدًا، فلم يُعرَف حالُه[6].

المقصودُ أنّ برّه بأمّه كان سببًا لقبول إجابة دعوته؛ لأنّ البارّ قلبُه رقيق، قلبه مطمئنّ، إيمانُه قويّ، يُرجى له بتوفيق الله أن يجيب الله دعاءَه، ويفرّج همّه وغمَّه، كلّما حلّت به المضائق جعَل الله له مخرجًا وفرجًا، وأمّا من لم يكن بارًّا فقد عرّض نفسَه لإثمٍ عظيم.

أيّها المسلم، إنّ عقوقَ الأبوين من كبائِر الذنوب، قرينُ الشرك بالله، في الحديث يقول : ((أكبرُ الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النّفس، واليمين الغموس))[7]، فجعل عقوقَ الوالدين قرينًا للشّرك، يدلّ على دناءة النّفس وخسّة الخلُق وضعفِ المروءة وقلّة الحياء وانعدامِ الوفاء، فأين يُرجى من العاقّ خير؟! لا يُرجى من عاقٍّ خير، لا يُرجى من عاقّ وفاء، لا يُرجى من عاقّ معاملة حسنة، لا يُرجى منه وفاء بعهدٍ ولا صِدق في الحديث، إذ لو كان فيه مسكة من خيرٍ لكان أولى النّاس بذلك أبواه، فالعاقّ ـ والعياذ بالله ـ مرتكبٌ كبيرةً من كبائرِ الذنوب، معرّض نفسَه لسوء الخاتمةِ والعياذ بالله.

يُروَى أنَّ في عهدِ النبيّ رجلاً شابًّا كان عاقًّا لأمّه مقدِّمًا عليها زوجتَه، وأنّه حضرته الوفاة، وأنّه عُرض عليه "لا إله إلا الله"، فانغلق لسانُه عن النطق بها، فأخبِر النبيّ بحاله، فجاء وقال: ((هل له من أمّ؟)) قالوا: نعم، امرأة كبيرة، فجاءت تتّكئ على عكّازة لها، فقال: ((يا هذه، لو أوقدتُ نارًا وأدخلتُ ابنَك فيها ما تودّين؟)) قالت: يا رسول الله، لا، ولدي لا أريد له ذلك، قال: ((إنّ عقوقَه بك منَعه أن ينطِق بكلمة التّوحيد))، فقالت: أشهِد اللهَ وأشهِدك أنّي قد أبَحتُه من حقّي كلّه، وأنّه نطَق بالتوحيد[8].

هكذا يُروَى وليس ذلك بالمستحيل، فإنَّ عقوقَ الوالدين قسوةٌ في القلب وغِلظة في الطّبع وعمل سيّئ.

أيّها المسلم، إن يكن صدَر منك للأبوين عقوقٌ وسوء معاملة فتدارَك عمرَك، تدارَك وقتَك واغتنِم حياتهما، واسألهما الإباحةَ والتجاوزَ قبل أن تلقى اللهَ بهذه السيئة العظيمة.

أسأل الله أن يعيننا وإياكم على كلّ خير، وأن يصلحَ ذرياتِنا ويوفّقنا لصالح الأعمال، وأن يرحمَ آباءنا وأمّهاتنا، وأن يجزيهما عنّا خيرًا، إنّه على كلّ شيء قدير.

واعلموا ـ رحمَكم الله ـ أنّ أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنّ يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.

وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على محمّد امتثالاً لأمر ربّكم كما أمركم في قوله:<<إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً>>[الأحزاب:56].

اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد, ارضَ اللهمَّ على خلفائه الراشدين...



[1] أخرجه البخاري في المواقيت (527)، ومسلم في الإيمان (85) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

[2] أخرجه البخاري في الجهاد (3004)، ومسلم في البر (2549) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

[3] أخرجه مسلم في الوصية (1631) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[4] أخرجه أحمد (3/497)، والبخاري في الأدب المفرد (35)، وأبو داود في الأدب (5142)، وابن ماجه في الأدب (3664)، والبيهقي (4/28) من حديث أبي أسيد مالك بن ربيعة رضي الله عنه، وصححه ابن حبان (418)، والحاكم (7260)، لكن في سنده علي بن عبيد مولى أبي أسيد والراوي عنه، قال الذهبي في الميزان (5/174): "لا يعرف"، وقال الحافظ في التقريب: "مقبول"، والحديث أورده الألباني في ضعيف الأدب (5).

[5] أخرجه مسلم في البر (2552).

[6] أخرجه مسلم في فضائل الصحابة (2542) بنحوه.

[7] أخرجه البخاري في الأيمان (6675) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما بنحوه.

[8] أخرجه البيهقي في الشعب (7892) من حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه بنحوه وقال: "تفرد به فائد أبو الورقاء وليس بالقوي"، وأشار المنذري في الترغيب (3/226) لضعفه، وعزاه الهيثمي في المجمع (8/148) للطبراني وقال: "فيه فائد أبو الورقاء وهو متروك"، وقال الألباني في ضعيف الترغيب (1487): "ضعيف جدا".

:x032:

أم البنات
03-09-2006, 10:02 PM
رحم الله الشيخ بن باز رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته

جزاكِ الله خيرا أختي مريم بارك الله فيكِ

مريم التونسية
07-12-2006, 01:00 PM
شكرا على مرورك يا ام البنات الغالية

هذه الخطبة للشيخ عبد العزيز ال الشيخ الله يحفظه و كما قلت الله يرحم شيخنا الجليل ابن باز و يحشرنامعه ومع النبي صلى الله عليه و سلم

بدور
08-04-2006, 01:54 PM
جزا كم اللة كل خير وسدد اللة خطاكم والى الامام

جنى
10-08-2006, 06:09 AM
جزاكِ الله خيرا غاليتي والله يجزه الشيخ عنا خير الجزاء

مريم التونسية
12-24-2007, 07:11 AM
حياكن الله اخواتي *بدور و *جنى
جوزيتن الجنة على المرور الكريم
بورك فيكن و في اعماركن و في اعمالكن

احبّكنّ في الله اخواتي

بنت الاسلام*
12-24-2007, 05:31 PM
جزاكي الله خيرا اختي

بادا
12-24-2007, 09:07 PM
بارك الله فيك وجعلنا الله وإياكم بارين للوالدين كاسيبين رضا الله ورضاهم