جومانه
07-08-2005, 10:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد كانت المرأة في صدر الإسلام ربة البيت ، وكانت المثل الأعلى في ذلك لمن جاء بعدها من ربات الأجيال، ربت رجالاً أفذاذاً، اجتباهم ربهم تبارك وتعالى ليكونوا مشاعل هداية وإصلاح ، للبلاد التي فتحوها ، ونشروا في ربوعها الأمن والسلام والرخاء ، من الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً .
وحسبنا أن نورد نماذج من واقع المرأة في بيتها ، في ذاك العهد المبارك ، مما له دلالة على كثيرٍ من سمات ذلك المجتمع السامق .
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : كان ابن لأبي طلحة يشتكي ـ أي كان مريضاً ـ فخرج أبو طلحة فَقُبضَ الصبي ـ أي مات ـ فلمَّا رجع أبو طلحة قال : ما فعل ابني ؟
قالت أم سليم ـ زوجته ـ : هو أسكن ما كان !! فقربت إليه العشاءَ فتعشى ، ثم أصاب منها ، فلما فرغ منها قالت : واري الصبي !! أي أدفنه ، فلمَّا أصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال : (( أعرستم الليلة ؟! قال : نعم . قال : اللهم بارك لهما )) . فولدت غلاماً ، قال أنس : قال لي أبو طلحة أحفظهُ حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( أ معه شيء ؟ قالوا : نعم ، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها ثم أخذ من فيه فجعلها في فيَّ الصبي وحنكهُ به وسمُاه عبد الله )) .[1]
وروى ابن إسحاق بسنده عن أسماء بنت عميس قالت : لما أُصيب جعفر وأصحابه في غزوة مؤتة سنة ثمان من الهجرة ، دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دبغت منا ـ المن الذي يوزن به ، وهو رطل ، وتعني به أربعين رطلاً من دباغ ـ وعجنتُ عجينتي، وغسلتُ بنيَّ ودهنتهم ونظفتهم ، قالت : فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ائتني ببني جعفر ، قالت : فأتيته بهم ، فتشممهم وذرفت عيناه !! فقلتُ : يا رسول الله ! بأبي أنت وأمي ما يبكيك ؟ أبلغكَ عن جعفر وأصحابه شيء ؟ قال : نعم ، أصيبوا هذا اليوم ، قالت : فقمتُ أصيحُ واجتمعت إليّ النساء ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال : لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاماً ، فإنهم قد شغلوا لأمر صاحبهم )) . [2]
وروت أم سلمة - رضي الله عنها - قالت : (( تزوجني رسول الله rصلى الله عليه وسلم فانتقلني ، فأدخلني بيت زينب بنت خزيمة - أم المساكين - بعد أن ماتت ، فإذا جرة ، فاطلعتُ فيها فإذا كعب من شعير ، وإذا رحى وبرمة ـ والبرمة : القدر من الحجارة ـ وقدر ، فنظرتُ فيها فإذا كعب من إهالة ـ والإهالة : الشحم والزيت وكل مأْ تدم به ـ قالت : فأخذتُ ذلك الشعير فطحنتهُ ، ثم عصدتهُ في البرمة وأخذتُ الكعب من الإهالة فأدمته به ، قالت : فكان ذلك طعامُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وطعام أهله ليلة عرسه )). ([3])
وليس بخافٍ ما في هذه الصور المشرقة من كريمِ صفاتِ ربات البيت اللائي عاصرن الوحي، وتلقين توجيهات الإسلام بنفسٍ مفعمةٍ بالإيمان ، فطبقنها في الواقع العملي كأحسنِ ما يكون ، تطبيق من خدمة الزوج والولد ، والقيام بأمور البيت ، وهل أدلُ على ذلك ما روتهُ كتب السيرة ، ووعته ذاكرة التاريخ ، من أنَّ فاطمة الزهراء ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكرم أهله عليه، يقول زوجها - رضي الله عنه - (( كانت تجرِ الرحى حتى أثرت بيدها ، واستقت بالقربة حتى أثرت القربة بنحرها !! ووقمت البيت ـ أي كنسته ـ حتى أغبرت ثيابها ، وأوقدت تحت القدر حتى دنست ثيابها ، وأصابها من ذلك ضر !! )) [4]
ولقد كانت نساءُ الفترة الزاهرة ، يتحملن المشاق والصعاب في الحياة الزوجية دون كللٍ أو ملل ، تروي لنا أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - وعن أبيها قالت : بعد أن تزوجت الزبير : (( كنتُ أعلفُ فرسهُ وأكفيه مئونته ، وأسوسهُ وأدُق النوى لناضحه ، وأعلفه وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن ، ولم أكن أحسن الخبز ، وكان يخبزنَ لي جاراتٍ من الأنصار ، وكنَّ نسوة صدق !! قالت : وكنتُ أنقل النوى من أرض الزبير على رأسي ، وهي على ثلثي فرسخ ، قالت : حتى أرسل إليَّ أبو بكر بعد ذلك بخادم ، فكفتني سياسة الفرس ، فكأنما أعتقني )) .[5]
ولقد كانت المرأة تباشرُ خدمة زوجها فضلاً عن رعاية البيت ومصالحه ، تقول عائشة - رضي الله عنها -: (( كنت أرجِّلُ رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض )) [6] وتقول وقد أرفقتهُ صلى الله عليه وسلم في الحج : (( كنت أطيب رسول الله صلىا الله عليه وسلم بأطيب ما كنت أجد من الطيب حتى أرى وبيص ـ الوبيص : أي البريق ـ الطيب في رأسه ولحيته قبل أن يحرم )) .[7]
ويقول - عليه الصلاة والسلام - عن خديجة أم المؤمنين - رضي الله عنها- : (( كانت أم العيال وربة البيت )) [8] .
ويقول في نساء قريش المؤمنات ، وهُنَّ القدوة لغيرهن : (( خير نساءٍ ركبن الإبل ، صالح نساء قريش ، أحناه على يتيم في صغره ، وأرعاه على زوجٍ في ذات يده )) [9].
قال ابن حجر : " والحانية على اليتيم : هي التي تقومُ عليه في حالة يتمه فلا تتزوج ، والراعية على زوج هي : الأحفظ والأصون لماله بالأمانة فيه ، والصيانة له ، وترك التبذير في الإنفاق " . [10]
ولقد كان لهن مواقف باهرة ، في السمع والطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستجابة الكاملة لتوجيهاته ، فهذه سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنها - (( قيل لها : مالك لا تحجينَ ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك ؟ فقالت: قد حججتُ واعتمرتُ، وأمرني الله أن أقرَّ في بيتي، فو الله لا أخرجُ من بيتي حتى أموت. قال: فو الله ما خرجت من باب حجرتها حتى أُخرجت بجنازتها )) .[11]
بقلم / محمد بن عبدالله الهبدان .
بتصرف يسير .
--------------------------------------------------------------------------------
[1] رواه البخاري (5470) ومسلم (2144) .
[2] سيرة ابن هشام (2/380) .
[3] الطبقات الكبرى (8/92) .
[4] رواه أحمد (1/153) وأبو نعيم في الحلية (1/70) .
[5] رواه البخاري (5224) ومسلم (2182) واللفظ لمسلم .
[6] رواه البخاري (295)
[7] رواه النسائي (2690-2694) وكذا : البخاري (271) ومسلم (1190) .
[8] الطبقات الكبرى 8/57) .
[9] رواه البخاري (5365) ومسلم (2527) .
[10] فتح الباري (9/125) .
[11] أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن سيرين . انظر : الدر المنثور (6/599-600) .
منقول للفائدة
لقد كانت المرأة في صدر الإسلام ربة البيت ، وكانت المثل الأعلى في ذلك لمن جاء بعدها من ربات الأجيال، ربت رجالاً أفذاذاً، اجتباهم ربهم تبارك وتعالى ليكونوا مشاعل هداية وإصلاح ، للبلاد التي فتحوها ، ونشروا في ربوعها الأمن والسلام والرخاء ، من الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً .
وحسبنا أن نورد نماذج من واقع المرأة في بيتها ، في ذاك العهد المبارك ، مما له دلالة على كثيرٍ من سمات ذلك المجتمع السامق .
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : كان ابن لأبي طلحة يشتكي ـ أي كان مريضاً ـ فخرج أبو طلحة فَقُبضَ الصبي ـ أي مات ـ فلمَّا رجع أبو طلحة قال : ما فعل ابني ؟
قالت أم سليم ـ زوجته ـ : هو أسكن ما كان !! فقربت إليه العشاءَ فتعشى ، ثم أصاب منها ، فلما فرغ منها قالت : واري الصبي !! أي أدفنه ، فلمَّا أصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال : (( أعرستم الليلة ؟! قال : نعم . قال : اللهم بارك لهما )) . فولدت غلاماً ، قال أنس : قال لي أبو طلحة أحفظهُ حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( أ معه شيء ؟ قالوا : نعم ، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها ثم أخذ من فيه فجعلها في فيَّ الصبي وحنكهُ به وسمُاه عبد الله )) .[1]
وروى ابن إسحاق بسنده عن أسماء بنت عميس قالت : لما أُصيب جعفر وأصحابه في غزوة مؤتة سنة ثمان من الهجرة ، دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دبغت منا ـ المن الذي يوزن به ، وهو رطل ، وتعني به أربعين رطلاً من دباغ ـ وعجنتُ عجينتي، وغسلتُ بنيَّ ودهنتهم ونظفتهم ، قالت : فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ائتني ببني جعفر ، قالت : فأتيته بهم ، فتشممهم وذرفت عيناه !! فقلتُ : يا رسول الله ! بأبي أنت وأمي ما يبكيك ؟ أبلغكَ عن جعفر وأصحابه شيء ؟ قال : نعم ، أصيبوا هذا اليوم ، قالت : فقمتُ أصيحُ واجتمعت إليّ النساء ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال : لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاماً ، فإنهم قد شغلوا لأمر صاحبهم )) . [2]
وروت أم سلمة - رضي الله عنها - قالت : (( تزوجني رسول الله rصلى الله عليه وسلم فانتقلني ، فأدخلني بيت زينب بنت خزيمة - أم المساكين - بعد أن ماتت ، فإذا جرة ، فاطلعتُ فيها فإذا كعب من شعير ، وإذا رحى وبرمة ـ والبرمة : القدر من الحجارة ـ وقدر ، فنظرتُ فيها فإذا كعب من إهالة ـ والإهالة : الشحم والزيت وكل مأْ تدم به ـ قالت : فأخذتُ ذلك الشعير فطحنتهُ ، ثم عصدتهُ في البرمة وأخذتُ الكعب من الإهالة فأدمته به ، قالت : فكان ذلك طعامُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وطعام أهله ليلة عرسه )). ([3])
وليس بخافٍ ما في هذه الصور المشرقة من كريمِ صفاتِ ربات البيت اللائي عاصرن الوحي، وتلقين توجيهات الإسلام بنفسٍ مفعمةٍ بالإيمان ، فطبقنها في الواقع العملي كأحسنِ ما يكون ، تطبيق من خدمة الزوج والولد ، والقيام بأمور البيت ، وهل أدلُ على ذلك ما روتهُ كتب السيرة ، ووعته ذاكرة التاريخ ، من أنَّ فاطمة الزهراء ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكرم أهله عليه، يقول زوجها - رضي الله عنه - (( كانت تجرِ الرحى حتى أثرت بيدها ، واستقت بالقربة حتى أثرت القربة بنحرها !! ووقمت البيت ـ أي كنسته ـ حتى أغبرت ثيابها ، وأوقدت تحت القدر حتى دنست ثيابها ، وأصابها من ذلك ضر !! )) [4]
ولقد كانت نساءُ الفترة الزاهرة ، يتحملن المشاق والصعاب في الحياة الزوجية دون كللٍ أو ملل ، تروي لنا أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - وعن أبيها قالت : بعد أن تزوجت الزبير : (( كنتُ أعلفُ فرسهُ وأكفيه مئونته ، وأسوسهُ وأدُق النوى لناضحه ، وأعلفه وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن ، ولم أكن أحسن الخبز ، وكان يخبزنَ لي جاراتٍ من الأنصار ، وكنَّ نسوة صدق !! قالت : وكنتُ أنقل النوى من أرض الزبير على رأسي ، وهي على ثلثي فرسخ ، قالت : حتى أرسل إليَّ أبو بكر بعد ذلك بخادم ، فكفتني سياسة الفرس ، فكأنما أعتقني )) .[5]
ولقد كانت المرأة تباشرُ خدمة زوجها فضلاً عن رعاية البيت ومصالحه ، تقول عائشة - رضي الله عنها -: (( كنت أرجِّلُ رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض )) [6] وتقول وقد أرفقتهُ صلى الله عليه وسلم في الحج : (( كنت أطيب رسول الله صلىا الله عليه وسلم بأطيب ما كنت أجد من الطيب حتى أرى وبيص ـ الوبيص : أي البريق ـ الطيب في رأسه ولحيته قبل أن يحرم )) .[7]
ويقول - عليه الصلاة والسلام - عن خديجة أم المؤمنين - رضي الله عنها- : (( كانت أم العيال وربة البيت )) [8] .
ويقول في نساء قريش المؤمنات ، وهُنَّ القدوة لغيرهن : (( خير نساءٍ ركبن الإبل ، صالح نساء قريش ، أحناه على يتيم في صغره ، وأرعاه على زوجٍ في ذات يده )) [9].
قال ابن حجر : " والحانية على اليتيم : هي التي تقومُ عليه في حالة يتمه فلا تتزوج ، والراعية على زوج هي : الأحفظ والأصون لماله بالأمانة فيه ، والصيانة له ، وترك التبذير في الإنفاق " . [10]
ولقد كان لهن مواقف باهرة ، في السمع والطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستجابة الكاملة لتوجيهاته ، فهذه سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنها - (( قيل لها : مالك لا تحجينَ ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك ؟ فقالت: قد حججتُ واعتمرتُ، وأمرني الله أن أقرَّ في بيتي، فو الله لا أخرجُ من بيتي حتى أموت. قال: فو الله ما خرجت من باب حجرتها حتى أُخرجت بجنازتها )) .[11]
بقلم / محمد بن عبدالله الهبدان .
بتصرف يسير .
--------------------------------------------------------------------------------
[1] رواه البخاري (5470) ومسلم (2144) .
[2] سيرة ابن هشام (2/380) .
[3] الطبقات الكبرى (8/92) .
[4] رواه أحمد (1/153) وأبو نعيم في الحلية (1/70) .
[5] رواه البخاري (5224) ومسلم (2182) واللفظ لمسلم .
[6] رواه البخاري (295)
[7] رواه النسائي (2690-2694) وكذا : البخاري (271) ومسلم (1190) .
[8] الطبقات الكبرى 8/57) .
[9] رواه البخاري (5365) ومسلم (2527) .
[10] فتح الباري (9/125) .
[11] أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن سيرين . انظر : الدر المنثور (6/599-600) .
منقول للفائدة