المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف تربي المرأة ذاتها؟! 1,2


أم البنات
05-30-2005, 10:49 AM
كيف تربي المرأة ذاتها؟! (1)

بقلم : أسماء الرويشد

الحمد لله رب العالمين القائل في محكم التنزيل: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (الشمس: 7 -10). والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فيظل معين التربية الإسلامية بأسسه ومنطلقاته منهلاً تربوياً غنياً لا ينضب مع مضي الزمان وتعدد وقائع الأحوال، فالمنهج التربوي الإسلامي منهج ينبثق من نصوص الكتاب والسنة، وعنايته موجهة بالدرجة الأولى إلى تزكية النفس وتهذيبها من نزغات الشر والإثم، وتنمية فطرة الخير فيها.

وفي هذا الموضوع سنتعرض لبيان أهمية تربية النفس، ودعوة الشرع إليها وشحذ همة المرأة المسلمة إلى تربية ذاتها بطرق وخطوات قائمة على المنهج التربوي الشرعي الصحيح؛ حتى تنضم إلى ركب المؤمنات المفلحات.

ويمكن التعبير عن عملية تربية النفس بأنها: عملية النهوض بالنفس إلى المستوى الرفيع من التكوين العقدي والسلوكي الشرعي.

وقد ربط القرآن الكريم النجاح والفلاح بتزكية النفس بالإيمان والتقوى، وربط الخيبة بتدنيس النفس بالكفر والعصيان. قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (الشمس: 7 -10).

وللتربية أثرٌ عظيم في تزكية النفس؛ ولذلك كان من مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم تزكية نفوس الناس، قال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} (البقرة:151).

والنفس البشرية قابلة للتوجيه والتعديل، والخير المركوز فيها قابل للتنمية، بالتدريب والتعليم وتكرار المحاولات، وتشهد لهذه نجاح المحاولات التربوية الجادة لتوجيه النفس وتعديلها.

وقبل الحديث عن خطوات تربية المرأة ذاتها، لا بد لنا من التنبيه على "أسس وأُطر تربوية عامة" ينبغي للمرأة أن تعتني بها وهي تباشر عملية التربية.. سواء مع نفسها أو مع الآخرين، ومنها:

1- أن تتوفر في عملية التربية النية الصالحة، وأن يكون غاية المرأة ومقصودها في التغيير الإيجابي في نفسها مرضاة الله تعالى، ونيل الثواب الأخروي؛ فالأعمال تتحدد قيمتها وتتحقق آثارها المباركة بحسب ما وقر في القلب من نيات ومقاصد يعلمها الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية، قال تعالى: {والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (العنكبوت: من الآية69). وكما في الحديث المشهور: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" ويقول ابن الجوزي: "اصدق في باطنك ترى ما تحب في ظاهرك".

2- مراعاة التدرج في البناء التربوي؛ لأن عملية التربية ليست عملية تحويل مفاجئ دفعة واحدة، والرغبة في الإنجاز السريع مخالفة لسنة الله تعالى في كونه؛ إذ مع قدرته ـ جلت قدرته ـ على الإيجاد بقوله: كن فيكون، لكنه تبارك وتعالى اختار لنفسه سنة الإنشاء المتدرج، ومن صفات الله تعالى أنه رب العالمين، والتربية هي إنشاء متدرج لإبلاغ الشيء إلى مستوى كماله.

3- إعطاء النفس فرصة للتعود وتصبيرها ومكابدتها، قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} (الكهف: من الآية28). وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم". وتتلخص هذه الخطة التربوية في ممارسة السلوك الإيجابي المزاحم للطبع السلبي.

وبتكرار السلوك المزاحم وتنميته يضمر الطبع السلبي؛ وذلك لأن في الإنسان استعداداً فطرياً لإيلاف ما يتكرر عليه مرة بعد مرة، ومن ألف شيئاً أحبه وشعر بالحاجة النفسية إلى معاودته.

ومما يحكى عن "بشر الحافي" أنه سار ومعه رجل في طريق، فعطش صاحبه فقال له: نشرب من هذه البئر؟ فقال بشر: اصبر إلى البئر الأخرى، فلما وصلا إليها قال له: البئر الأخرى.. فما زال يعلله.. ثم التفت إليه فقال: هكذا تنقطع الدنيا.

وروى "الأوزاعي" عن التابعي الجليل "عبدالله الخزاعي" قوله: "عالجت لساني عشرين سنة قبل أن يستقيم لي".

وروي عن "أبي المعتمر" أنه قال: "أمرٌ أنا أطلبه منذ عشرين سنة لم أقدر عليه، ولست بتارك طلبه أبداً، قالوا: وما هو يا أبا المعتمر؟ قال: "الصمت مما لا يعنيني".

ويقول ابن المبارك: "إن الصالحين فيما مضى كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفواً، وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا إلا على كرهٍ، فينبغي لنا أن نُكرِهها".

وإذا كان هذا قول ابن المبارك فنحن بلا شك نعيش أشد المعاناة مع نفوسنا، ونلاقي منها معاندة عن قبول الحق، ونحتاج إلى مكابدة من نوع خاص.

4- تذكري أن تربية النفس ليس معناها إلغاء طبائع النفس الفطرية، وإنما تعمد إلى استغلالها وتحويلها وتوجيهها وتهذيبها، فالإسلام ما جاء ليحجر الفطر، وإنما جاء ليقومها ويصحح مسارها.

مثال ذلك: حب الزينة لدى المرأة، والحرص على الكسب، ونحو ذلك.

5- إيجاد الحافز الذاتي، الذي يشكل القوة الداخلية عند الإنسان الموجهة لإرادته والدافعة له؛ والحافز الذاتي لدى المؤمن هو الإيمان بالله تعالى، وباليوم الآخر، وبقضائه وقدره، وبالتأمل في الجزاء الذي وُعِدَ به، فعندما تستقر هذه القاعدة الإيمانية في أعماق قلب الإنسان فإنها ستهيمن على فكره وقلبه وعواطفه وإرادته، بحيث تعمل على ربط إرادته بما يرضي الله تعالى، وتتحكم في أنواع سلوكه الداخلي والخارجي وفق ما أمر الله تعالى به رغبةً ورهبةً، يقول الله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} (النازعـات: 40، 41). فنهي النفس عن الشر وتزكيتها لا يتم إلا بالخوف من العظيم الجليل الرقيب الحسيب، الخوف منه تعالى بمقتضى ما أخبر به عن نفسه من عظمته، وقدرته، وعزته، وجبروته، وبطشه، وغيرته، وانتقامه، واطلاعه عليه في كل لحظة وخاطرة، وهذا من أهم روافد البناء التربوي الذاتي الذي يورثه الإيمان بالله تعالى بإلوهيته وأسمائه وصفاته، وهو الذي يشعل جذوة الخوف في القلب، وبخاصة في وقت الحياة والصحة.

ثم هناك الخوف من اللحظة الأخيرة وسوء الخاتمة، وهذا بمثابة الحافز المحرك نحو عملية التربية والإصلاح على الدوام، وكذلك الخوف من حدوث العقوبات الربانية العاجلة والآجلة.

ثم إن المؤمن بالله تعالى وبقدرته وحكمته يقابل مقادير الله بالرضا والتسليم، فيصبر، ولا يضجر، ولا يسخط، ولا يحسد؛ لأنه يعلم أنها من تدبير الحكيم العليم الرحيم.

وتكوين هذه القاعدة يكون عن طريق اكتساب العلم، والتعرف على ما أخبر الله به من أصول الإيمان وأمور الغيب في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا الحافز في مستواه الأعلى يوصل الإنسان إلى مرتبة الإحسان في معظم أعماله، ويجعله من السابقين إلى الخيرات بإذن الله.

6- التركيز على عملية التحويل والتصعيد، وتكون بتحويل رغبات النفس إلى جانب من جوانب الخير، ومن ثم توجيهها إلى معالي الأمور، ولما فيه سعادة خالدة، أو مجد حقيقي، ولما فيه كمال ورفعة في الدنيا والآخرة، وهذه القاعدة متعلقة بسابقتها من حيث إنها مرتبطة بالإيمان بالغيب.

ومن أمثلة ذلك: من ترى في نفسها طمعاً مفرطاً في متاع الحياة الدنيا وزينتها، فتشتغل بملء قلبها بالإيمان بالله تعالى، والإيمان باليوم الآخر، ومعرفة أحواله وما فيه من جنة ونعيم مقيم وأجر عند الله عظيم، ثم التأمل في تفصيلات ذلك النعيم الواردة في صحيح الأخبار، ثم تعمل على توجيه طمعها وتحويله إلى ما عند الله تعالى، ثم تجري عمليات تصعيد ما لديها من حرص وطمع وحب لمتاع النفس إلى تحصيل ذلك المأمول الأخروي، وبذلك تنفك شيئاً فشيئاً عن التعلق بمطامع الحياة الدنيا؛ طلباً لما هو أجل وأعلى وأدوم، فعندها تجد نفسها قنوعة راضية غير مفرطة في الطمع الدنيوي، ومن هذا الأصل التربوي ما جاء في قوله تعالى {وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (طـه:131)

والآن: كيف تربي المرأة ذاتها؟! هذا ما تتناوله الحلقة القادمة...

أم البنات
05-30-2005, 10:56 AM
كيف تربي المرأة ذاتها؟! (2)

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

كان الحديث في الحلقة الماضية من هذا البحث عن أسس وأُطر تربوية عامة ينبغي للمرأة أن تعتني بها وهي تباشر عملية التربية؛ حتى انتهينا إلى التساؤل عن كيفية قيام المرأة بتربية ذاتها..

هناك خطوات وطرق كثيرة جداً لتحقيق تلك الغاية، لكني في هذا البحث سأقتصر على الخطوط العريضة والكليات، وسأغفل الفروع والجزئيات؛ تجنباً للإطالة:

1- شدُ الرحال إلى تنقية القلوب وإصلاحها؛ فالاعتناء بعملية تربية النفس وتزكيتها لابد أن يكون موجهاً توجيهاً أولياً، ومركزاً على تهذيب السلوك الداخلي، ومراقبة أخلاق الباطن، إذ سينتج عنه استقامة السلوك الخارجي لا محالة، فالاهتمام بأحوال القلوب وإصلاحها من أهم مقومات تربية النفس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (متفق عليه) إلى جانب أن توجيه العناية إلى تقويم السلوك الظاهر فقط يكون كالبناء على غير أساس، وكل بناء على غير أساس عرضة للانهيار، يضاف إلى ذلك أن السلوك الظاهر قد لا يكون معبراً تعبيراً صادقاً عن أحوال النفس الداخلية؛ كما هو الحال عند المنافقين، ولذلك كان نظر الله تعالى في مراقبته لأعمال عباده موجهاً لما في قلوبهم ونفوسهم.

روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" (رواه مسلم).

وعلى ذلك فلكي يظهر أثر العملية التربوية لابد من تطهير هذه المضغة من كل ما يخالف تعليمات الوحي، إذ إن تلك التعليمات والكلمات لا تقبل الخلطة والذوبان بما يعارضها، ولا تستقر إلا في مكان طاهر يليق بقدسيتها.

2- الحرص على العلم والتعلم، وفهم أمور الدين الواجبة. وما من طريقة من طرق التربية ووسائلها إلا وهي متعلقة تعلقاً وثيقاً بالعلم، واكتسابه، والانتفاع به، وكذلك فهم القرآن، والتواصل معه قراءةً وتدبراً وعلماً وعملاً، وأخص هذه العلوم وأنفعها في عملية التربية: العلم بالله تعالى الذي يحقق التوحيد الخالص والإيمان الصحيح.

فعلى مقدار التدبر والفهم لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يكون التوفيق والنجاح في تقويم النفس وتزكيتها، وقد أفرد البخاري باباً سماه: "باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم؟" حيث جاء فيه أن نساء الأنصار قلن لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا يوماً من نفسك نتعلم فيه، فقد غلبنا عنك الرجال، فقال: "موعدكن في دار فلانة" فأتاهن فيها فوعظهن، وذَكَّرَهن، وعلمهن، وهذا مما يؤكد ضرورة طلب العلم الشرعي عند النساء.

3- محاسبة النفس واتهامها، مع الاهتمام بآلية المحاسبة، بحيث يحاسب الإنسان نفسه على كل خطأ يقوم به في الوقت نفسه، وهذا يحتاج إلى يقظة دائمة وانتباه للأخطاء وحركات النفس، واتهامها قبل اتهام الآخرين والبحث عن عيوبهم، والحذر من الوقوع في وهم الكمال الذي يجعلنا لا نلتفت إلى نواقص أنفسنا؛ فتتراكم العيوب ونحيد عن الطريق.

إن المحاسبة بمثابة صراع المؤمن مع نفسه الأمارة بالسوء التي تنسيه الآخرة والاستعداد لها.

يقول يحيى بن معاذ: "من سعادة المرء أن يكون خصمه فَهْماً، وخصمي لا أفهم له" قيل له: ومن خصمك؟ قال: "نفسي تبيع الجنة بما فيها من النعيم المقيم بشهوة ساعة".

فزكاة النفس وطهرتها موقوفة على محاسبتها؛ فلا تزكو ولا تطهر ولا تصلح إلا بمحاسبتها.

قال الحسن البصري ـ رحمه الله ـ: "يا ابن آدم، إنك لا تصيب حقيقة الإيمان حتى لا تعيب الناس بعيب هو فيك، وحتى تبدأ بعلاج ذلك العيب من نفسك فتصلحه، فإذا فعلت ذلك لم تصلح عيباً إلا وجدت عيباً آخر لم تصلحه، فإذا فعلت ذلك كان شغلك في خاصة نفسك، وأحب العباد إلى الله من كان كذلك". وقال بكر المزني ـ رحمه الله ـ "إذا رأيتم الرجل موكلاً بعيوب الناس، ناسياً لعيبه، فاعلموا أنه قد مُكِرَ به".

ومن مواقف المحاسبة المنقولة عن السلف قول أحدهم: "ما عرضت قولي على عملي إلا خفت أن أكون مكذباً".

بمثل هذه المحاسبة يستمر العمل ويزداد، وتحفظ النفس من الانحراف عن الجادة.

تقوى الله
05-31-2005, 01:36 AM
بوركت أختي أم البنات
و على المرأة أيضاً أن تتعلم من دروس الآخرين و أخطائهم